الخوف والإيمان 49
الليلة التي انشق فيها السكون
بقلم ظافر الغيب
تجاوزت الظلمة كل ما عرفه أهل القرية من غياب للنور. لم تكن مجرد ليلة مقمرة اختفت فيها النجوم خلف سحب عابرة، بل كانت غشاوة سوداء وكأن السماء قد انطوت على نفسها، تاركة الأرض غارقة في بحر من العدم. ارتجف قلب فارس وهو يقف على عتبة دارهم، يستشعر البرد القارس الذي لم يكن مصدره الطبيعة وحدها. كانت هناك وحشة تنبعث من عمق البئر المهجور، وحشرجة صامتة تتردد في جنبات البيت الكبير.
كانت فاطمة، زوجته، تجلس في الغرفة المخصصة للضيوف، عيناها الواسعتان تحدقان في الفراغ، ترقب كل شبر من الظلام وكأنها تبحث فيه عن شبح. كان خوفها ليس خوفًا عاديًا، بل كان خوفًا موغلًا في القدم، خوفًا يعرفه أجدادها، خوفًا نسبيًا للأساطير التي كانوا يروونها حول “الشيء” الذي يسكن أسفل بئر القرية القديم، “البئر الملعون”.
“يا فاطمة، مالكِ؟” سأل فارس بصوت حاول أن يحتويه الهدوء، لكنه لم يستطع إخفاء رجفته. “ما الذي يضايقكِ؟”
أدارت فاطمة وجهها نحوه، وقد امتلأت عيناها بدموع لم تجف. “البيت يا فارس. أشعر وكأن جدرانه تتنفس. وكأن هناك أنفاسًا ثقيلة لا تخصنا.”
نهض فارس واقترب منها، وضع يده على كتفها تربت عليه. “هذا مجرد وهم يا حبيبتي. ربما ثقل الليل، أو ربما أثر ما سمعته عن البئر. لا تدعي الخوف يسيطر عليكِ. نحن في بيت الله، وهذا البيت آمن.”
لكنه هو نفسه كان يشعر بشيء غريب. منذ أسبوع، بدأت أحداث غريبة تتوالى. اختفاء قطيع أغنام صغير، هبوب رياح عاتية بلا سبب، سماع أصوات غريبة في جوف الليل. كان قد حاول طمأنة زوجته وأهله، ولكن في أعماقه، كان شعور متنامٍ بالتهديد، تهديد لا يستطيع تفسيره.
“ألا تسمع؟” همست فاطمة، وأشارت بيدها المرتجفة نحو الخارج.
رفع فارس رأسه، مصغيًا بانتباه. في البداية، لم يسمع شيئًا سوى نباح كلب بعيد. ثم، وكأن شيئًا ما قد استيقظ، بدأ صوت خفيف، أشبه بالجر، يتردد من اتجاه البئر. كان الصوت يتزايد تدريجيًا، يصبح أكثر وضوحًا، يتحول إلى صوت يشبه جر حبل ثقيل، ثم إلى صوت صرير معدني مفزع.
اقترب فارس من النافذة، ومد بصره نحو حيث كان يقبع البئر القديم، مهجورًا منذ سنوات، تحيط به نباتات متسلقة جافة وأشجار ذابلة. كان الظلام كثيفًا جدًا لدرجة أنه بالكاد يستطيع تمييز الخطوط العريضة للبئر. لكن الصوت كان قادمًا منه، بلا شك.
“ما هذا الصوت؟” سأل بصوت انخفض إلى همس.
“قلت لك!” قالت فاطمة، وقد ارتعدت. “إنه هو. لقد استيقظ.”
“من هو ‘هو’ يا فاطمة؟” سأل فارس، وهو يشعر بأن قلبه بدأ يدق بعنف.
“الذي حذرنا منه شيخ القرية. الذي تحدث عنه أجدادي. الشيء الذي يسكن تحت البئر. لقد أغضبناه.”
“أغضبناه؟ وكيف؟”
“لا أعرف. لكنني أشعر بذلك. أشعر أننا جميعًا في خطر.”
فجأة، انقطع الصوت. عاد السكون المطبق، أثقل من ذي قبل. كان الصمت نفسه صراخًا مكتومًا. ثم، سمع فارس صوت خطوات. ليست خطوات بشرية، بل خطوات خشنة، ثقيلة، وكأن شيئًا ذا أطراف متعددة كان يزحف ببطء نحو البيت.
“فارس، هربًا!” صرخت فاطمة، وبدأت تسحب ذراعه.
لكن فارس لم يتحرك. كانت هناك قوة غامضة تشده إلى مكانه، فضول ممزوج بالرعب، ورغبة عارمة في فهم ما يحدث. رفع يده، وأشار إلى الباب. “علينا أن نرى ما هذا.”
“لا! أرجوك!” توسلت فاطمة، ولكن فارس كان قد اتخذ قراره.
فتح الباب ببطء، وخرج إلى الخارج. كانت رائحة التراب الرطب، ورائحة زهر الياسمين التي اعتاد أن تعبق الأجواء، قد اختفت. حلت محلها رائحة عفنة، كريهة، كرائحة شيء قديم متعفن، شيء ميت لم يدفن.
كان الظلام يحول بينه وبين رؤية واضحة، لكنه استطاع تمييز ظل ضخم يتحرك ببطء في فناء الدار. لم يكن ظل حيوان، ولم يكن ظل إنسان. كان كائنًا متموجًا، يتغير شكله باستمرار، كأنه يتكون من الدخان الأسود والظلام نفسه.
توقف فارس عند عتبة الباب، وعيناه مثبتتان على ذلك الظل. شعر بأن قواه تخونه، بأن قدميه مغروسة في الأرض. استطاع أن يسمع همسًا من الظل، همسًا ليس بالكلمات، بل بأصوات مخيفة، مزيج من أنين الحيوانات المذبوحة وصراخ الأطفال.
“ما هذا؟” قال فارس بصوت بالكاد مسموع.
توقف الظل. ثم، وكأن عينين غير مرئيتين كانتا تنظران إليه، شعر بأن ذلك الشيء يدرك وجوده. بدأ الظل ينمو، يتمدد، يلتف حول نفسه، ثم بدأ يتجه نحوه.
في تلك اللحظة، انفتحت بوابة الخوف على مصراعيها في قلب فارس. لم يعد الأمر مجرد شائعات أو أساطير. كان الواقع يفرض نفسه بقسوة، واقع لا يمت بصلة إلى ما عرفه أو تعلمه.
“يا علي!” صرخ فارس، وهو يستدير ليلحق بفاطمة التي كانت قد دخلت إلى الغرفة الداخلية. “يا أمي!”
سمع صوت أمه، وهي تقرأ آيات من القرآن بصوت مرتجف. كانت جدته، العجوز زينب، تجلس بجانبها، تضع يديها على وجهها، تصلي بصمت.
“ماذا نفعل؟” سأل فارس، وقد وصل إليهم.
“نحصن البيت يا بني. بالقرآن وبالإيمان.” قالت أمه، وهي لا تزال تقرأ.
لكن فارس كان يعرف أن هذه المرة، الأمر قد يكون أكبر من مجرد تحصين. كان يشعر بأن ذلك الشيء القادم من البئر لم يأتِ ليلعب، بل جاء لينتقم.
“البئر يا أمي.” قال فارس. “لقد رأيت. إنه يخرج من البئر. إنه… لا أعرف ما هو.”
هنا، استدارت جدته زينب، ونظرت إليه بعينين تقدحان بحكمة قديمة. “لقد عرفنا أن هذا اليوم سيأتي. لقد حذرناكم. البئر له سره، وسره عميق.”
“ما هو سره يا جدتي؟” سأل فارس، وقد أصبح صوته بالكاد صوت رجل.
“هناك حقيقة قديمة، خبأها أجدادنا في أعماق هذا المكان. حقيقة قوية، وغاضبة. لقد أسقطنا فيها شيئًا، شيئًا كان يجب أن يبقى مدفونًا.”
“ما هو هذا الشيء؟”
“لا يسعني قوله. لكنه كان ثمنًا لخطيئة ما. والآن، وقد حان وقت سداده.”
في تلك اللحظة، سمعوا صوت تحطم زجاج من النافذة الخلفية. ارتفع صراخ فاطمة، واختلط مع صوت الهدير العميق الذي كان يصدر من الخارج، صوت يشبه صوت العواصف الشديدة، ولكنه كان قادمًا من مكان أعمق، مكان أكثر ظلمة.
“إنها تقترب!” صرخت فاطمة.
اندفع فارس نحو الغرفة التي سمع منها صوت التحطم. كان الظلام لا يزال كثيفًا، لكنه استطاع رؤية مشهد مرعب. الشباك محطم بالكامل، ودخان أسود، كثيف، يتسلل إلى الداخل. ومن خلال الدخان، رأى لمحة من شيء أسود، لامع، ينزلق ببطء نحوهم.
“أيها الظلام!” هتف فارس، رافعًا ذراعه. “اخرج من هنا! لا مكان لك في بيت الله!”
لكن الظلام لم يستجب. بل بدا وكأنه يستمد قوته من خوفه. كانت الخيوط السوداء تتمدد، تشتبك، تحاول أن تخنق الهواء، أن تخنق الحياة.
“أيها المؤمنون!” نادت جدته زينب من الغرفة الأخرى. “لننهض معًا! لنواجه هذا الشر بالإيمان! لا بالخوف!”
جمع فارس ما تبقى لديه من شجاعة، والتفت إلى فاطمة، وهي ترتجف بجانبه. “ابقي خلفي، يا فاطمة. لا تخافي.”
ثم، رفع صوته، وبدأ يقرأ آية الكرسي، بصوت بدأ ضعيفًا، ثم ازداد قوة مع كل كلمة، مع كل حرف. كانت فاطمة تلحقه، ثم أمته، ثم جدته. بدأت أصواتهم تتحد، تشكل جدارًا صوتيًا من القرآن، جدارًا يحاول أن يصد ذلك الموج الأسود المتنامي.
كان الصراع قد بدأ. لم يكن صراعًا بالسيوف أو بالرماح، بل صراعًا بين النور والظلام، بين الإيمان والخوف، بين ما هو سماوي وما هو أرضي، بل سفلي. كانت تلك الليلة، هي الليلة التي انشق فيها السكون، وانكشف الرعب الحقيقي.