الخوف والإيمان 49
أصداء من الماضي المدفون
بقلم ظافر الغيب
كانت جدران المنزل الكبير تهتز، لا بفعل العوامل الطبيعية، بل بفعل قوة غامضة، قوة تتسلل من خارج حدود المألوف. لم تكن الزلازل عادةً ما تضرب هذه الأرض الطيبة، ولم تكن الرياح القوية تزورهم إلا نادرًا. لكن ما كان يحدث الآن كان شيئًا آخر، شيئًا لا يمكن تفسيره بقوانين الطبيعة.
تسلل الدخان الأسود، الذي بدا وكأنه يمتلك حياة خاصة، عبر فتحات الشباك المحطم، وانتشر في أرجاء الغرفة. كان ثقيلاً، خانقًا، يحمل معه رائحة العفن والقدم. شعرت فاطمة وكأنها تختنق، الهواء ينسحب من رئتيها. توسلت إلى فارس أن يخرجها من هنا، ولكن فارس كان يقف ثابتًا، مصممًا على حماية عائلته.
“هذا ليس دخانًا عاديًا يا فاطمة!” قال فارس، وهو يكح، يحاول أن يمنع الدموع من الانهمار. “هذا شيء… حي.”
كانت جدته زينب، رغم كبر سنها، تقف شامخة، تقرأ القرآن بصوت قوي، يتجاوز بصوتها ضجيج الرعب المتزايد. كانت والدته، خديجة، تكرر الآيات، ولكن صوتها كان يتخلله رعشة الخوف.
“علينا أن نرى مصدره!” صاح فارس. “يجب أن نعرف ما الذي يدخل إلى بيتنا!”
“ولكنه قد يكون خطرًا!” قالت خديجة، وهي تضع يدها على صدرها.
“الخطر قد وصل بالفعل، يا أمي.” قال فارس. “والبقاء في مكاننا يعني الاستسلام.”
اتخذ فارس قرارًا شجاعًا. مد يده إلى مصباح الزيت القريب، وأشعل فتيلته. حاول أن يوجه ضوءه الخافت نحو مصدر الدخان، نحو فتحة الشباك.
ظهر أمام عينيه مشهد مرعب. لم يكن هناك شيء مرئي بالعين المجردة، لكنه شعر بوجود كائن هائل، متموج، يلتف حول نفسه في الظلام. كان يتلوى، يرتعش، وكأنه يبحث عن مكان ليحتله.
“ما هذا؟” سأل فارس، وقد عاد إلى جانب فاطمة، وسحبها خلفه. “لا أرى شيئًا، لكنني أشعر بوجوده.”
“إنه يمتص النور يا فارس!” قالت جدته زينب. “إنه يتغذى على كل ما هو مضيء. لهذا السبب الظلام قوي جدًا.”
“وكيف نواجهه؟” سأل فارس.
“بالإيمان. بالذكر. وبالصبر. لقد سمعت عن هذه الأشياء في القصص القديمة. إنها تخاف من نور الله، ومن كلمات الحق.”
“لكن كلام الله لا يمنعه من الدخول!” قالت فاطمة، وقد غطت وجهها بذراعيها.
“القرآن هو الدرع، يا ابنتي. لكن السلاح هو قلب المؤمن. إن كان قلبكِ مليئًا بالإيمان، فلن يستطيع ذلك الشيء أن ينال منكِ.”
بدأت الشمس في الظهور، خيوط ذهبية ضعيفة اخترقت الغبار والدخان. لكنها لم تكن كافية لتبديد الظلام المتغلغل في المنزل. بدا الأمر وكأن الظلام كان يحارب النور، يدفعه بعيدًا، يرفضه.
“البئر…” قالت جدته زينب، فجأة. “علينا أن نذهب إلى البئر.”
“إلى البئر؟” صرخ فارس. “وهو يأتي من هناك؟”
“نعم، لأنه هو أصله. إن لم نعده إلى مكانه، فلن ينتهي هذا الكابوس.”
“ولكن كيف؟ كيف نعيده؟”
“لقد أرسل الله الرسل، وأعطى الإنسان عقلاً وقلبًا. ما حدث في الماضي، لا يجب أن يبقى عبئًا على الحاضر. يجب أن نفهم ما أوقعناه في ذلك البئر، ونصلحه.”
“ما الذي تقصدينه ‘أوقعناه’؟” سأل فارس.
“قبل أجيال، كان هناك أمر جلل. شيء حدث، خطيئة ما، أو ذنب عظيم، أجبر أجدادنا على إخفاء شيء خطير في ذلك البئر. شيء لم يكن من المفترض أن يخرج أبدًا. يبدو أن الأوان قد حان.”
“ولكننا لا نعرف ما هو هذا الشيء!” قال فارس، وقد بدأ يشعر باليأس.
“سوف نعرف. سنعرف عندما نصل إلى هناك. لكن علينا أن نتحلى بالشجاعة.”
في تلك اللحظة، سمعوا صوتًا عميقًا، أشبه بصوت تحطم صخرة هائلة، يأتي من جهة البئر. بدا وكأن الأرض نفسها تتألم.
“يجب أن نتحرك الآن!” قالت جدته زينب. “كل لحظة نتأخر فيها، يزداد قوة.”
ارتدى فارس ملابس سميكة، وأمسك بمصباح زيت، وحمله على رأسه. سحبت فاطمة عباءتها، وقررت أن تذهب معه. وقفت والدته بجانب جدته، تمنحهما القوة بالدعاء.
“كونا حذرين يا أبنائي.” قالت والدته. “لا تنسوا أن الله معكم.”
خرج فارس وفاطمة إلى الفناء. كان الظلام لا يزال كثيفًا، لكنه لم يكن بنفس القوة التي كان عليها داخل المنزل. بدا وكأن الضوء الخفيف للشمس كان يضعف ذلك الشيء.
كانت المسافة إلى البئر ليست بعيدة، لكنها بدت كمسافة إلى عالم آخر. كل خطوة كانا يخطوانها، كانا يشعران بثقل غريب، وكأن الأرض تدفعهما للخلف. كانت رائحة العفن تزداد قوة، وكانت أصوات الهمسات، أو ما يشبهها، تتزايد.
“هل أنتِ بخير يا فاطمة؟” سأل فارس، وهو يمسك بيدها.
“نعم، بأمان الله.” أجابت، وقد بدأت عيناها تتكيّف مع الظلام. “لكنني أشعر بشيء غريب. كأن هناك عيونًا كثيرة تراقبنا.”
عندما وصلوا إلى محيط البئر، كان المشهد أكثر رعبًا مما تخيلوا. كان البئر، الذي كان في السابق مجرد حفرة عميقة تحيط بها الأشجار، قد تحول إلى ما يشبه فمًا مفتوحًا في الأرض، يخرج منه هواء بارد، كثيف، ورائحة كريهة.
كانت النباتات المحيطة بالبئر ذابلة وميتة، وكأنها امتصت كل الحياة منها. وعلى حافة البئر، رأى فارس شيئًا يلمع في ضوء مصباحه. كان قطعة معدنية قديمة، عليها نقوش غريبة، لا تشبه أي شيء يعرفه.
“هذه… ما هذا؟” قال فارس، وهو ينحني لالتقاطها.
“منقوشات قديمة.” قالت جدته زينب، التي لحقت بهما، بصعوبة. “هذه جزء من القفل الذي كان يحبس الشر. يبدو أنهم قد كسروا شيئًا.”
“من كسر؟” سأل فارس.
“لا أعرف. لكن فعلهم هذا أغضب الكيان الذي كان حبيسًا.”
في تلك اللحظة، سمعوا صوتًا عاليًا، صراخًا مكتومًا، من قاع البئر. ثم، بدأ شيء ما يرتفع. لم يكن شيئًا ملموسًا، بل كان تكتلًا من الظلام، يتشكل ويتغير، يشبه الشبح، لكنه أثقل، وأكثر صلابة.
“إنه يخرج!” صاحت فاطمة، متراجعة.
“لا تخافي.” قالت جدته زينب، وهي تضع يدها على قلبها، وتبدأ في قراءة آية الكرسي بصوت مرتفع. “الإيمان سلاحنا.”
ارتفع الظل أكثر، وبدا وكأنه يمتلك شكلًا بشريًا، ولكنه مشوه، ممدود، بأطراف غريبة. لم تكن له ملامح واضحة، لكن فارس شعر بنظرته الثاقبة، نظرة مليئة بالضغينة والغضب.
“ماذا تريد؟” سأل فارس، وهو يحاول أن يبدو شجاعًا.
لكن الكيان لم يجب بالكلمات. بدلًا من ذلك، أطلق صرخة مدوية، هزت الأرض، وأشعلت خوفًا عميقًا في قلبه. شعر فارس وكأن عقله ينسحب منه، وكأن حياته كلها تدور حول تلك اللحظة، تلك اللحظة التي ستحدد مصيرهم.
“لقد وعدتموني بالسكينة!” صرخ فارس، وهو يشعر ببعض القوة تعود إليه. “لقد أوفينا، والآن تعود لتخريب كل شيء!”
“وعود خاطئة!” تردد صوت وكأنه يخرج من أعماق الأرض. “وخطيئة لم تغتفر!”
“من أنت؟” سأل فارس.
“أنا الصدى… الصدى من الماضي المدفون. أنا الجزاء… الجزاء لما سقط!”
بدأ الكيان يتحرك نحوهما، أسرع بكثير مما كان فارس يتوقع. شعر بأنه محاصر، ليس فقط بسبب البئر، بل بسبب خوفه الداخلي. كانت تلك هي اللحظة الحاسمة. إما أن ينتصر الإيمان، أو أن يلتهمه الظلام.