الخوف والإيمان 49

حقيقة النذر الأسود

بقلم ظافر الغيب

انحدر الظلام المتموج من حافة البئر، ليس كشيء مادي، بل كقوة محسوسة، تلتهم كل شيء في طريقها. لم يكن له وجه محدد، لكن فارس شعر بنظرته الثاقبة، نظرة مشبعة بكراهية قديمة، ونقمة لم تجد سبيلاً للزوال. كان صوت الهمس الذي يتردد منه لم يكن كلمات، بل كان أشبه بأصوات تتكسر، كصرير عظام، أو صوت احتكاك صخر بآخر في كهف عميق.

“ماذا تقصد ‘ما سقط’؟” سأل فارس، وقد اشتد صوته، محاولاً التغلب على الخوف المتنامي. “ما الذي سقط؟”

“السقوط… عندما فتحتم الباب. عندما أغضبتم من ينام.” رد الكيان، وصوته كان يتشكل من أصداء متفرقة، كأن مجموعة من الأشباح تتكلم في آن واحد.

“لم نفتح شيئًا!” احتجت فاطمة، وقد تمسكت بذراع فارس. “هذا البئر مغلق منذ سنوات!”

“مغلق؟” جاء الضحك من الكيان، ضحك خالٍ من أي بهجة، ضحك يشبه صوت احتراق الأوراق الجافة. “النوايا ليست كالأبواب. إن كنتم لا تدركون، فهذا يعني أنكم أعمى. لكن العمى لا يعفي من المسؤولية.”

“مسؤولية ماذا؟” سأل فارس، وهو يشعر بأن رأسه يدور.

“مسؤولية الثمن. كل شيء له ثمن.”

كانت جدته زينب تقف بجانبه، عيناها تحدقان في الكيان، ولكن بنظرة مختلفة، نظرة تتجاوز الخوف، نظرة مليئة بالحزن والوعي.

“لقد أخطأنا يا ‘يا من سكنت’!” قالت جدته بصوت قوي، رغم ضعف جسدها. “لكننا لسنا مسؤولين عن أخطاء الماضي البعيد. إن كنت تبحث عن جزاء، فالأجداد هم من عليهم ذلك.”

“الأجداد… الأجداد رحلوا!” تمتم الكيان. “والآن… أنتم. أنتم الجيل الحالي. وأنتم من تحملون العبء.”

“لا يحمل إلا نفسه.” تلا فارس آية من القرآن، وهو يشعر بأن الكلمات تمنحه قوة.

“لا يحمل إلا نفسه… ولكن عند الحساب… يكون الحساب شاملًا.”

بدأ الكيان يندفع نحوهما. تحرك بسرعة فائقة، تاركًا أثرًا من الظلام المشع، أثرًا يمتص ضوء مصباح فارس. شعر فارس بأنه يجب أن يتصرف.

“فاطمة، ابقي خلفي!” قال فارس، ورفع يده، ممسكًا بقطعة معدنية قديمة، التي وجدها على حافة البئر.

“ماذا تفعل؟” سألت فاطمة.

“هذه قد تكون مفتاحًا. أو… ربما… جزءًا مما أغضب ‘الأجداد’.”

عندما اقترب الكيان، رفع فارس القطعة المعدنية. لم يحدث شيء في البداية. لكن عندما استدارت القطعة في يده، وكشف عن النقوش الغريبة، بدا وكأن الكيان يتراجع قليلاً، وكأنه يشعر بشيء.

“هذه… هذه هي العلامة…” تمتم الكيان، وصوته اهتز. “إنها علامة… النذر الأسود.”

“النذر الأسود؟” سأل فارس، وقد شعر بأن كلمة مفتاح قد سقطت.

“نعم. عندما أخطأنا، عندما أغضبنا… أقمنا نذرًا. نذرًا قويًا… لإخفاء هذا الشر. ولكن الظلمة لا تدوم. والشر يبحث عن طريقه.”

“ما هو النذر؟ وما هو الشر؟” سأل فارس.

“نذرنا كان… أن نضحي بجزء من نورنا… لنسد باب هذا البئر. ضحينا… بالسلام. ضحينا… بالفرح. وضعنا شيئًا… في أعماق الظلام… لكي يبقى محبوسًا. وهذا الشيء… هو أنت.”

بدت كلمات الكيان متداخلة، كأنها قادمة من زمن بعيد، من واقع آخر.

“أنا؟” قال فارس، وهو يشعر بأن جسده يتجمد. “أنا جزء من هذا الشر؟”

“لا… أنت… أنت الثمن.”

“ثمن ماذا؟”

“ثمن الخطيئة. ثمن عدم الوفاء. عندما أقمنا النذر، كان يجب أن نكون أقوى. عندما أخفينا هذا… الشيء… في البئر، تركنا لكم تحذيرًا. لكنكم نسيتم. وأنتم الآن… تدفعون الثمن.”

“نحن لم نرتكب أي خطيئة!” قالت فاطمة، وصوتها يرتجف.

“الخطيئة هي عدم معرفة الماضي. الخطيئة هي ترك الحق يندثر. عندما سقط… هذا الشيء… في البئر، كان يحمل وعدًا. وعدًا بالظلام. وعدًا بالدمار. ونذرنا كان… أن نمنع خروجه. ولكن… قوتنا تلاشت. ونحن… فقدنا السيطرة.”

“من هو ‘هذا الشيء’؟” سأل فارس. “ما هو ‘هذا الشيء’ الذي تتحدث عنه؟”

“هو… هو القوة التي تنهي كل شيء. هو الظلام الذي يبتلع كل ضوء. هو… النسيان. عندما أوقعنا ‘النسيان’ في البئر، فقدنا جزءًا من وعينا. فقدنا جزءًا من هويتنا.”

“نسيان؟!” قال فارس، وقد بدا وكأن هذا الاسم يتردد في ذاكرته، كصدى خافت. “النسيان… هل تقصد… ما حدث لأسلافنا؟”

“نعم.” أجاب الكيان. “عندما خرج ‘النسيان’ من رحمة الله… ترك بصمة. بصمة من الظلام. والأجداد… أرادوا إخفاء هذه البصمة. أقاموا النذر. ضحوا… بجزء من حياتهم… لإخفاء ‘النسيان’. ولكن… ‘النسيان’ لا يموت. ‘النسيان’ يبحث عن طريقه. وقد وجده.”

“وكيف وجده؟”

“بسببكم. بسبب ضعفكم. بسبب خوفكم. كلما خفتم، زادت قوته. كلما شككتم، انتشر. عندما استيقظ، بدأ يبحث عن ‘النذير’. عن من يحمل دم ‘النذير’.”

“هل تقصد… أنا؟” سأل فارس، وهو ينظر إلى يده، إلى القطعة المعدنية.

“أنت… أنت حفيد ‘النذير’. أنت من يحمل علامة ‘النذير’. ‘النذير’ هو من أقام النذر. وعندما يخرج ‘النسيان’… يبحث عن ‘النذير’ لينتقم منه.”

“ولكن ‘النذير’ قد مات!” قالت جدته زينب.

“النذر… لم يمت. النذر… حي. في دماءكم. في وعيكم. لقد أقمنا النذر… لكي نحميكم. لكن… ‘النسيان’ يريد أن يعود. ويريد أن يأخذ… ما أعطاه… ‘النذير’.”

“ماذا أعطاه؟” سأل فارس.

“أعطاه… حياته. أعطاه… روحه. عندما أقام ‘النذير’ النذر، أعطى جزءًا من روحه… ليحبس ‘النسيان’. وهذا الجزء… يبحث عن ‘النسيان’ لكي يستعيده. لكي… ينتهي كل شيء.”

بدت كلمات الكيان وكأنها تنفجر في رأس فارس، كعاصفة من الحقائق المروعة. كان الأمر أكبر من مجرد رعب عادي. كان صراعًا يمتد عبر الأجيال.

“ولكن… ‘النذير’ فعل ذلك… لإنقاذنا!” قال فارس.

“فعل ذلك… لكي يكفّر. لكي يغسل. لكن ‘النسيان’… لا يغفر. ‘النسيان’… يريد أن يعود… إلى العالم. وأنتم… أنتم عقبة.”

“نحن لن نكون عقبة!” قال فارس، وقد شعر بأن قوته الداخلية تشتعل. “لقد أقمنا نذرنا الخاص. نذر الدفاع عن أهلنا. نذر الحفاظ على إيماننا.”

“الإيمان… يضعف.” تمتم الكيان، وهو يبدأ في الانكماش قليلاً. “والخوف… يقوى.”

“لا!” صاح فارس. “لا يمكن للظلام أن ينتصر على النور. لا يمكن للنسيان أن يمحو الحقيقة.”

“الحقيقة… تتغير.” قال الكيان، وبدأ صوته يخفت. “والضعف… ينهار. عندما تأتي اللحظة… سيعود ‘النسيان’. وسوف… يأخذ… ما هو له.”

ثم، وكأنما قد أوشك على الانتهاء، بدأ الكيان في التلاشي، يندمج مع الظلام المحيط بالبئر. لم يكن هناك صوت وداع، بل مجرد اختفاء تدريجي، تاركًا وراءه صمتًا ثقيلًا، وصدمة عميقة.

وقفت فاطمة وفارس وجدته زينب، ينظرون إلى البئر الفارغ، ولكن القلوب مليئة بالأسئلة، وبالقلق. لقد فهموا أن الشر الذي يواجهونه ليس مجرد كيان خارق، بل هو امتداد لقصة قديمة، قصة تحمل في طياتها تضحيات، وأخطاء، ونذورًا سوداء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%