الخوف والإيمان 49
همسات الماضي في أروقة الصمت
بقلم ظافر الغيب
استيقظت فاطمة مع أول خيوط الشمس وهي تتسلل عبر النافذة، ترسم خطوطاً ذهبية على وجهها المتعب. كان النوم قد ألقى بظلاله الثقيلة على جفونها، لكن رؤى الليلة الماضية كانت لا تزال حية في ذاكرتها، تجول في أرجاء وعيها كأشباح عنيدة. كانت قد رأت شيئاً غريباً، شيئاً مروعاً، شيئاً ينبض بالحياة في قاع بئر قديم. هل كان عقاباً؟ أم مجرد خيال جامح؟
نزلت فاطمة إلى المطبخ، حيث كانت والدتها، السيدة عائشة، قد بدأت إعداد وجبة الإفطار. رائحة القهوة العربية الهيلية تفوح في المكان، مع خبز التنور الطازج. ابتسمت السيدة عائشة حين رأت ابنتها، لكنها لاحظت الشحوب على وجهها. "صباح الخير يا حبيبتي. تبدين متعبة، هل نمتِ جيداً؟" سألت الأم بقلق. "صباح النور يا أمي. نمت قليلاً. ربما كان الجو بارداً الليلة." أجابت فاطمة، متجنبة النظر في عيني والدتها. "لقد وضعت لكِ بعض الأعشاب في الحليب، ستساعدك على الاسترخاء." قالت السيدة عائشة، وهي تسكب الحليب الدافئ في كوب.
تناولت فاطمة إفطارها بصمت، وهي تستمع إلى حديث والدتها عن أمور البيت، وعن زيارة قادمة لجدتها لأمها. كانت تحب جدتها كثيراً، كانت سيدة حكيمة، تحكي قصصاً عن الأجداد، وعن زمن مضى. ربما تستطيع جدتها أن تفهم ما تشعر به.
بعد الإفطار، ذهبت فاطمة إلى مكتبتها الصغيرة، حيث تقضي معظم وقتها في القراءة. كان المكان يمثل ملاذاً لها، عالماً من الأفكار والقصص. فتحت كتاباً عن تاريخ القرية، على أمل أن تجد أي إشارة إلى بئر قديم، أو إلى أحداث غريبة وقعت في منزلهم. مرت الصفحات أمام عينيها، لكن لا شيء لافت. كانت كل القصص عن ازدهار القرية، وعن حياة الناس الهادئة.
في الظهيرة، جاء عبد الرحمن لزيارة والدها. كان شاباً وسيماً، ذو لحية خفيفة، وعينين لامعتين بالذكاء والتقوى. كان الحاج إبراهيم يكن له كل الاحترام، ويرى فيه الزوج المثالي لابنته. "السلام عليكم يا حاج. كيف حالكم اليوم؟" قال عبد الرحمن وهو يسلم على الحاج إبراهيم. "وعليكم السلام يا ولدي. الحمد لله. كيف حالك أنت؟" رد الحاج.
رأت فاطمة عبد الرحمن من نافذة غرفتها، وشعرت بتيار من الراحة يتدفق فيها. كان وجوده يمثل أماناً لها. كانت تعلم أن قلب عبد الرحمن معلق بها، وأنها ستقضي حياتها معه في سعادة وهدوء. لكن فكرة ما رأته الليلة الماضية كانت تمنعها من الشعور بالراحة الكاملة.
جلست فاطمة مع والدتها ووالدها وعبد الرحمن لتناول الغداء. كانت الأجواء عائلية دافئة، لكن فاطمة كانت تشعر بأنها جزء من عالم آخر. كانت تستمع إلى أحاديثهم، وتشارك في بعضها، لكن عقلها كان مشغولاً بما حدث عند البئر.
بعد الغداء، طلبت فاطمة من عبد الرحمن أن يتحدثا على انفراد. ذهبا إلى الحديقة، تحت شجرة الرمان. "عبد الرحمن، أردت أن أحدثك في أمر... قد يبدو غريباً." بدأت فاطمة، تشعر بالتردد. نظر إليها عبد الرحمن بتفهم. "تفضلي يا فاطمة. أنتِ تعلمين أني أستمع لكِ دائماً." "الليلة الماضية... رأيت شيئاً غريباً عند بئر الماء القديم." قالت فاطمة، وصوتها يرتعش قليلاً. "شيء كان يتحرك في الظلام. شيء... مخيف." اتسعت عينا عبد الرحمن قليلاً، لكنه لم يبدُ متفاجئاً تماماً. "مخيف؟ ماذا رأيتِ بالتحديد؟" "لا أعرف. كان داكناً. بدا وكأنه... حي. كان في قاع البئر." قالت فاطمة، وشعرت بأنها بدأت تستعيد جزءاً من خوفها. سكت عبد الرحمن لبرهة، ثم قال بهدوء: "ربما كان حيواناً يا فاطمة. في الليل، تتشكل الظلال وتخدع الأعين. البئر قديم، وربما تسكنه حيوانات." "لا، لم يكن حيواناً. شعرت بشيء مختلف. شيء... قديم." أصرت فاطمة. تنهد عبد الرحمن، ونظر إلى الأرض. "فاطمة، أنتِ تعلمين أني مؤمن. وأنكر وجود الأشياء الخرافية. ربما كان عقلكِ يلعب بكِ. قلة النوم، والقلق... كل هذا يؤثر." "لكني رأيته بأم عيني!" قالت فاطمة، وشعرت بالإحباط. كان عبد الرحمن يحاول أن يطمئنها، لكنه لم يفهم. "لا أريد أن أخيفكِ أكثر. لكن ربما يجب أن نتجنب الاقتراب من البئر ليلاً. ولنتحدث مع الحاج إبراهيم، ربما يمكنه أن يغطي البئر جيداً، أو يملأه بالحصى." قال عبد الرحمن، محاولاً إيجاد حل عملي.
فاطمة شعرت بأن عبد الرحمن لا يأخذ الأمر على محمل الجد، وأنها تبدو له كشخص يتوهم. هذا زاد من عزلتها. لكنها لم تكن مستعدة للتخلي عن ما رأته. لقد كان حقيقياً.
"حسناً يا عبد الرحمن. ربما أنت على حق. سأحاول أن أنسى الأمر." قالت فاطمة، بينما كان قلبها يصرخ بأنها لا تستطيع. "هذا جيد. والآن، هل يمكن أن تخبريني عن أحلامك؟ أرى في عينيكِ شيئاً يقلقكِ." قال عبد الرحمن، مقترباً منها بكلمات هادئة.
جلست فاطمة بجانبه، وشعرت بأنها تستطيع أن تشاركه بعض مخاوفها، لكن ليس كل شيء. بدأت تتحدث عن توترها بشأن مستقبلها، وعن رغبتها في أن تكون قوية ومستقلة. وبينما كان عبد الرحمن يستمع إليها، كانت فاطمة تشعر بأن جزءاً من الحقيقة التي اختبرتها قد غلفها بضباب من الشك. هل كانت هذه الظلال مجرد هلوسة، أم أنها كانت مقدمة لشيء أعمق، لشيء يهدد إيمانها وسعادتها؟