الخوف والإيمان 49

الهمس في الظلام

بقلم ظافر الغيب

كان الهواء باردًا، يحمل معه رائحة التراب الرطب وعفن الأوراق المتساقطة. لم تكن ليلة صيفية هادئة، بل ليلة تتنفس برياح الخريف المبكر، تحمل معها وعدًا بالبرد والأحزان. في قلب القرية القديمة، حيث تتراص البيوت الطينية كأسرار مكنونة، كان بيت جدة فاطمة، بيت الأجداد الراسخ كشجرة معمرة، يستقبل ضيفًا لم يكن مرحبًا به.

كانت فاطمة جالسة في غرفة الجلوس، تتأمل شعلة الشمعة المرتعشة التي كانت تلقي بظلال متراقصة على وجهها الشاحب. عيناها، اللتان اعتادتا أن تلمعا بالفرح والتفاؤل، باتتا الآن تغطيهما هالة من القلق العميق. بين يديها، تصفحت المصحف الشريف، تتلو الآيات بتضرع، رجاءً في السكينة، لكن صوتًا خفيًا، همسًا مزعجًا، كان يتسلل إلى مسامعها، يقطع تركيزها ويشعل فتيل الخوف في قلبها.

"يا فاطمة، هل تسمعين؟"

همس خافت، بالكاد مسموع، خرج من زاوية الغرفة المظلمة. رفعت فاطمة رأسها مفزوعة، وبحثت بعينيها في الظلام. "من هناك؟" سألت بصوت مرتعش، قلبه يخفق بعنف كطائر محبوس.

"أنا هنا، حيث لا تمنعني الجدران ولا الأبواب."

لم يكن صوتًا بشريًا. كان أشبه بصدى من عالم آخر، صوت جاف، بارد، خالٍ من أي دفء أو إنسانية. شعرت فاطمة ببرودة تسري في عروقها، تجمّد الدم في شرايينها. أغلقت المصحف بسرعة، ووضعته جانبًا، يداها ترتجفان.

"ماذا تريد؟" سألت، محاولةً إظهار الشجاعة، لكن صوتها خانها.

"أريدكِ. أنتِ. والسر الذي تحملينه."

اقترب مصدر الصوت، حركة خفيفة في الظلام، كظل ينزلق على الأرض. لم تستطع رؤيته، لكنها أحست بوجوده، بطاقته السلبية التي بدأت تملأ المكان. شعرت بثقل، كأن الهواء أصبح كثيفًا، يصعب التنفس.

"لا أعرف أي سر تتحدث عنه." كذبت، لكنها عرفت في قرارة نفسها ما يعنيه. كانت تعلم أن الأمر يتعلق بماضي جدتها، وبأحداث غامضة لم تفصح عنها أبدًا.

"بل تعرفين. تعرفين جيدًا. ورائحة دم أجدادكِ تفوح من حولك."

ارتعشت فاطمة. رائحة دم أجدادها؟ هل كان هذا ما يربطها بهذا الكيان المظلم؟ تذكرت كلمات جدتها، تحذيراتها الغامضة حول "كيانات تتغذى على الحزن والأسى". هل كانت هذه هي؟

"ابتعد عني! أنا مسلمة، ولي رب يحميني!" صاحت، مستعيدة بعضًا من شجاعتها.

"إيمانكِ هو ما يجعلني أقوى. هو الطعام الذي أتغذى عليه." قال الصوت، بنبرة ماكرة. "وحبكِ له... هو ما جعلني أجدكِ."

"حبّي؟" تساءلت فاطمة، ولم تفهم.

"أجل. حبكِ لأحمد. حبكِ لأسرتك. هذه الروابط القوية هي التي تشدني إليكِ. وهي التي ستكون سلاحي عليكِ."

كلماته كانت كالصقيع، تخترق قلبها. أحمد، خطيبها، الذي أحبته حبًا طاهرًا، حبًا نما في كنف الحلال، وجمع بين قلبيهما بوعد الزواج. كيف عرف هذا الشيء عن أحمد؟ وما علاقتهما؟

"لن تقترب منه! لن تؤذيه!" صرخت فاطمة، وقامت من مقعدها، تستعد للمواجهة.

"هل تظنين أن بإمكانكِ منعي؟ أنتِ أضعف مما تظنين. سأجعلكِ ترين بعينيكِ كيف سينهار عالمكِ، وكيف سيتلاشى كل ما تحبين."

وفجأة، انقطع الهمس، وحلّ صمت ثقيل، أشد رعبًا من الهمس نفسه. لم يعد هناك أي صوت، لكن الشعور بالوجود المظلم ظلّ كامنًا، ينتظر. اختنقت فاطمة، شعرت بأنفاسها تضيق. استندت على الجدار، تحاول استعادة توازنها.

في تلك اللحظة، فتح باب الغرفة ببطء، ودخل أحمد، وجهه قلق. "فاطمة؟ هل أنتِ بخير؟ سمعت ضجيجًا."

رأت فاطمة وجهه، وجه حبيبها، وقلبها امتلأ بمزيج من الحب والخوف. أرادت أن تحتضنه، أن تخبره بما حدث، لكنها خشيت أن ينال منه هذا الظلام.

"أنا... أنا بخير يا أحمد. مجرد شجار مع فأر، لا أكثر." حاولت الابتسام، لكنها كانت ابتسامة متكلفة.

اقترب منها أحمد، ولاحظ شحوب وجهها واهتزاز يديها. "فاطمة، عيناكِ تقولان غير ذلك. ما بكِ؟"

لم تستطع الكذب على عينيه. عيناه الصادقتان، مليئتان بالحب والحنان، لم تحتمل أن تخفي عنه شيئًا. "أحمد... لقد حدث شيء غريب."

وبدأت فاطمة تسرد لأحمد كل ما حدث، عن الهمس، عن الوجود المظلم، عن ادعاءاته بأنها تحمل سرًا، وأن حبه هو ما جعله يجدها. كان أحمد يستمع بانتباه، وجهه يعكس مزيجًا من القلق وعدم التصديق، لكنه رأى الرعب الحقيقي في عيني فاطمة.

"لا تخافي يا حبيبتي." قال أحمد، وأمسك بيديها بقوة. "مهما كان هذا الشيء، لن نسمح له بأن يؤذينا. سنواجهه معًا. إيماننا هو درعنا."

نظرت فاطمة إلى أحمد، ورأت فيه الأمل. لكن في أعماقها، كان هناك خوف عميق. لم يكن هذا صراعًا عاديًا. كان صراعًا بين النور والظلام، وبين الحب والخوف، وبين إيمان عظيم وقوة مظلمة تتغذى على أضعف نقاط البشر. أدركت فاطمة أن هذه مجرد البداية. وأن ما كان ينتظرهم قد يكون أشد وأقسى مما تخيلت.

في تلك الليلة، نامت فاطمة بجوار أحمد، لكن أحلامها لم تكن هادئة. كانت مليئة بالظلال الراقصة، والأصوات المزعجة، ورائحة التراب الرطب. كان الهمس قد بدأ، وبدأ ينسج خيوطه حولهما، لا يفرق بين جدران البيت القديم وقوة الحب الذي يجمعهما.

ارتعش أحمد في نومه، واحتضن فاطمة بقوة أكبر. لقد شعر بشيء في اللاوعي، شيء غريب، لم يكن مجرد كابوس. لقد شعر بوجود شيء بارد، يتربص، ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.

لم تكن نهاية الفصل، بل كانت بداية الفصل الأكثر ظلامًا في حياتهما. الفصل الذي سيختبر قوتهما، وإيمانهما، وحبهما حتى النخاع. الفصل الذي سيكشف عن أسرار قديمة، ويهدد بتدمير كل ما هو عزيز عليهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%