الخوف والإيمان 49

شبح الذكريات في جدران البيت

بقلم ظافر الغيب

مرت الأيام، لكن شبح الليلة الماضية لم يفارق فاطمة. كلما مرت بجوار بئر الماء المهجور، كان قلبها يخفق بسرعة، وعيناها تبحثان عن أي حركة في الظلام. عبد الرحمن كان يحاول جاهداً أن يطمئنها، يقضي معها وقتاً أطول، يحدثها عن مستقبل زواجهما، وعن بناء حياة هادئة ومليئة بالحب. كان يحبها حباً نقياً، قائماً على الاحترام والتقوى، وكان يؤمن أن الحياة الزوجية السعيدة هي أفضل حصن ضد أي هموم.

في إحدى الليالي، وبعد أن غادر عبد الرحمن، كانت فاطمة تجلس في غرفتها. سمعت صوتاً خافتاً، يشبه الأنين، قادماً من الطابق السفلي. انتابها شعور بأنها قد سمعت هذا الصوت من قبل. نهضت واتجهت نحو الدرج، وصوت قلبها يدق في أذنيها. كانت تتذكر ليلة ولادة أخيها الصغير، حين انطفأت كل الأنوار، وسمعت صوتاً مشابهاً.

وصلت إلى أسفل الدرج، حيث كانت والدتها نائمة على أريكة الصالة. كان البيت هادئاً، لكن الأنين لم يتوقف. كان خافتاً، لكنه كان موجوداً. اقتربت من باب القبو، الذي كان دائماً مغلقاً. شعرت ببرودة غريبة تنبعث من أسفله. هل كان هذا الصوت قادماً من هناك؟

"أمي؟" نادت فاطمة بهدوء. لم تجب السيدة عائشة. كانت نائمة بعمق. "أمي، هل تسمعين هذا الصوت؟" حاولت مرة أخرى، وهي تقترب أكثر من باب القبو. فتحت السيدة عائشة عينيها ببطء. "ما هو يا فاطمة؟ هل هناك خطب؟" "هناك صوت... أنين. قادم من أسفل." قالت فاطمة، وهي تشير إلى باب القبو. نهضت السيدة عائشة، واستمعت. "لا أسمع شيئاً يا ابنتي. ربما كان صوت الريح." "لا يا أمي، ليس صوت الريح. إنه مختلف. كأنه... حزن عميق." أصرت فاطمة.

نظرت السيدة عائشة إلى باب القبو، وبدت عليها علامات القلق. "هذا الباب مغلق منذ زمن طويل. لا أعرف ما الذي قد يكون في الأسفل." "ربما يجب أن نفتح الباب، ونرى ما الأمر." قالت فاطمة، وشعرت بأنها مدفوعة بقوة غامضة. "لا يا فاطمة. هذا ليس وقتاً لمغامرات. اذهبي إلى فراشك. غداً سنتحدث مع والدك." قالت السيدة عائشة، وهي تعود إلى الأريكة.

عادت فاطمة إلى غرفتها، وقلبها ممتلئ بالأسئلة. ما الذي كان مخبأً في هذا القبو؟ ولماذا كان هذا الباب مغلقاً؟ كانت جدتها قد ذكرت ذات مرة أن البيت يحمل في طياته أسراراً كثيرة، وأن بعض الأبواب يجب أن تبقى مغلقة. هل كان هذا الباب أحد تلك الأبواب؟

في اليوم التالي، تحدثت فاطمة مع والدها. شرحت له ما سمعته. بدا الحاج إبراهيم متفاجئاً، ثم قلقاً. "القبو؟ لم ندخله منذ سنوات. بعد وفاة جدتك، أصبحنا نخشاه." قال الحاج. "لماذا تخشاه يا أبي؟" سألت فاطمة. "جدتك كانت تخبرنا عن أشياء غريبة تحدث في الأيام الأولى لبناء البيت. عن أصوات، وظلال. قالت إن هناك... شيئاً ما في القبو. لم أكن أصدقها حينها. لكني لا أريد أن أقلق أمكِ وأنتِ." قال الحاج إبراهيم، وشعر بالتردد.

"هل يمكنك أن تفتح الباب اليوم؟ أريد أن أعرف ما الأمر." قالت فاطمة. تردد الحاج إبراهيم، لكن رؤية الإصرار في عيني ابنته جعلته يوافق. "حسناً. لكن سنذهب أنا وأنتِ. ولن تخبر أحداً."

في وقت متأخر من بعد الظهر، أحضر الحاج إبراهيم مفتاحاً قديماً صدئاً، كان محفوظاً في صندوق خشبي قديم. فتح الباب ببطء، مصحوباً بصوت صرير مؤلم. انبعثت رائحة كريهة، خليط من الرطوبة والتراب المتعفن، وملأت المكان. نزل الحاج إبراهيم أولاً، وفاطمة خلفه، تحمل مصباحاً يدوياً.

كان القبو مظلماً ورطباً، مليئاً بالعناكب والغبار. لم يكن هناك شيء غريب للوهلة الأولى، فقط أدوات قديمة، وصناديق مهملة. لكن فاطمة شعرت بنفس الشعور الغريب الذي شعرت به عند البئر. كان هناك وجود. "انظري يا أبي." قالت فاطمة، وهي تشير بالمصباح إلى زاوية مظلمة. كان هناك شيء ما. حجر كبير، مغطى بالقماش القديم. بدا وكأنه... شيء حي.

اقترب الحاج إبراهيم بحذر، وأزال القماش. كانت هناك خريطة مرسومة على الحجر. رموز غريبة، وكتابات بلغة قديمة لم يفهمها. "ما هذا؟" تساءل الحاج. "لا أعرف. لكنني أشعر أن هذا ليس مجرد حجر." قالت فاطمة، وشعرت بأن خوفها يتزايد.

في تلك اللحظة، سمعا صوتاً. صوت خافت، يشبه الهمس. بدا وكأنه يأتي من داخل الحجر. "هل سمعت ذلك؟" سأل الحاج إبراهيم، وشعر بالخوف. "نعم. إنه... يتحدث." قالت فاطمة، ودموع الخوف تتجمع في عينيها. "علينا الخروج من هنا الآن." قال الحاج، وبدا على وجهه الذهول.

عندما صعدا من القبو، أغلق الحاج الباب بسرعة، وأعاد المفتاح إلى الصندوق. "لا تخبري أحداً بما رأيتِ يا فاطمة. لا عبد الرحمن، ولا أمكِ. هذا السر يجب أن يبقى بيننا." قال الحاج إبراهيم، وكان صوته يرتعش. "لكن ما هو هذا الشيء؟ ولماذا كان يتحدث؟" سألت فاطمة. "لا أعرف. لكنني أشعر بأن هذا ليس من الأمور العادية. لعلنا نذهب إلى شيخ القرية، لنستشيره."

كانت فاطمة تشعر بأن شيئاً ما قد تغير. لم تعد هذه مجرد أوهام. لقد رأى والدها أيضاً. لقد شعر بالخوف. شعرت بأن الخوف بدأ يتغلغل في بيتهم، كسم بطيء. ولم تكن تعرف كيف ستواجه هذا الخوف، وكيف ستنقذ عائلتها من هذا الظلام الذي بدأ يتكشف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%