الخوف والإيمان 49

الشكوك تتغلغل ونداءات خفية

بقلم ظافر الغيب

عاد الحاج إبراهيم بعد زيارة شيخ القرية، وكان وجهه لا يزال يعكس القلق. شيخ القرية، الرجل العابد، ذو اللحية البيضاء والوجه المضاء بنور الإيمان، كان قد استمع إليه بصمت، ثم قال بكلمات حكيمة: "يا الحاج، إن بعض الأمور في هذه الحياة قد تكون وراء فهمنا. ما دامت هذه الرموز لم تؤذِ أحداً، فلتدعها. ولكن، إذا شعرت بأي خطر، فلتتوكل على الله، وتستعين به. ولا تنسَ، أن كيد الشيطان ضعيف أمام ذكر الله."

لم يجد الحاج إبراهيم في كلمات الشيخ ما يشفي غليله، أو يزيل قلقه. لقد كان يعلم أن ما رأوه في القبو ليس مجرد "رموز"، بل شيء حي، شيء يحمل في طياته قوة غامضة. لقد رأى في عين ابنته خوفاً لم يعهده فيها من قبل، خوفاً بدأ يهدد هدوء حياتهم.

في الأيام التالية، كان الحاج إبراهيم يقضي وقتاً أطول في المسجد، متقرباً إلى الله بالدعاء والتضرع. أما فاطمة، فقد بدأت تشعر بأن الشكوك تتسلل إلى قلبها. هل كانت حقاً تتخيل كل هذا؟ هل كان لقاء عبد الرحمن، ووعده بالزواج، قد جعله عقله يبحث عن مبررات لمخاوفه؟

في إحدى الأمسيات، بينما كانت فاطمة تجلس مع عبد الرحمن في الحديقة، بدأت تتحدث عن أحلامها. لم تخبره بكل ما حدث في القبو، لكنها تحدثت عن شعورها بعدم الارتياح، وعن أصوات غريبة كانت تسمعها. "عبد الرحمن، هل تؤمن بأن الأشياء يمكن أن تؤذينا، حتى لو لم نرها؟" سألت فاطمة، وهي تنظر إلى النجوم. نظر إليها عبد الرحمن بجدية. "أؤمن بأن هناك شروراً في هذا العالم، يا فاطمة. لكن الإيمان بالله هو درعنا. وكل شيء يحدث بإذن الله. إذا كانت هناك أشياء تسبب لكِ القلق، فعليكِ أن تلجئي إلى الله. الدعاء، وقراءة القرآن، والصلاة... هذه هي الأسلحة الحقيقية." "ولكن... ماذا لو كانت هناك قوة ما، تحاول أن تؤذينا؟" قالت فاطمة، وشعرت بأن صوتها يرتعش. "قوة؟ أي قوة تقصدين؟" سأل عبد الرحمن، وبدا عليه الاستغراب. "قوة... مظلمة. لا أعرف كيف أصفها. شعرت بها عند البئر، وشعرت بها في بيتنا." قالت فاطمة، وشعرت بأنها تتقيأ كلمات تخنقها. تنهد عبد الرحمن، وجلس بجانبها. "فاطمة، نحن في مجتمع مسلم. نعيش في قرية آمنة. كل هذه الأفكار عن قوى مظلمة... ربما هي مجرد قراءة لكتب القصص، أو مشاهدة أفلام. الشيطان يوسوس، ولكنه لا يستطيع أن يتغلب على قلب مؤمن. أنتِ مؤمنة، وأنا مؤمن. ونحن على وشك الزواج. كل هذه الأمور ستختفي مع سعادتنا، بإذن الله." "ولكن..." بدأت فاطمة، تريد أن تشرح. "لا 'ولكن' يا فاطمة. الثقة بالله هي كل شيء. ألا تثقين بالله؟ ألا تثقين بي؟" سأل عبد الرحمن، وعيناه تنظران إليها بعمق.

شعرت فاطمة بأنها في مأزق. كان عبد الرحمن يحبها، ويريد لها الخير، ولكنه لم يفهم. كان يرى مخاوفها على أنها مجرد أوهام، ضعف إيمان، أو تأثيرات خارجية. لقد بدأت تشعر بالوحدة في صراعها.

في تلك الليلة، وبينما كانت فاطمة تحاول النوم، سمعت صوتاً آخر. لم يكن أنيناً هذه المرة، بل كان يشبه الهمس، ينادي باسمها. "فاطمة... فاطمة..." كان الصوت خافتاً، قادماً من خارج غرفتها. نهضت ببطء، واقتربت من الباب. فتحت ببطء، ونظرت إلى الممر المظلم. لم يكن هناك أحد. "فاطمة..." تكرر الهمس، أقرب هذه المرة. نظرت فاطمة حولها، وشعرت بأن الخوف يتجمد في عروقها. الصوت كان يبدو وكأنه يأتي من جدار الغرفة. "من هناك؟" سألت بصوت مرتعش. لم يكن هناك رد. فقط صمت مطبق. في تلك اللحظة، شعرت بأن خيوطاً من البرودة تتسلل من تحت باب غرفتها. لم تكن برودة طبيعية. كانت برودة تحمل معها شعوراً بالوجود.

عادت فاطمة إلى فراشها، وقلبها يكاد ينفجر. كانت تتأكد الآن أن هذا ليس وهماً. كانت هناك قوة ما، تحاول أن تتواصل معها، أو ربما تحاول أن تؤذيها. لكن لماذا؟ ولماذا اختارتها هي؟

مرت الأيام، وزاد خوف فاطمة. بدأت تلاحظ أشياء غريبة في المنزل. ظلال تتحرك بسرعة في زوايا الغرفة، أصوات خافتة لا يمكن تحديد مصدرها، ورائحة غريبة، تشبه رائحة التراب المتعفن، تظهر وتختفي. بدأت تشعر بأنها تراقب.

في إحدى المرات، بينما كانت في السوق مع والدتها، رأت رجلاً غريباً، يرتدي ملابس قديمة، ونظرة عينيه حادة. كان يقف عند زاوية السوق، وينظر إليها. عندما التقت نظراتهما، ابتسم ابتسامة باردة، ثم اختفى بين الناس. شعرت فاطمة بارتياح غريب، وكأنها قد رأت شخصاً تعرفه، لكنها لم تستطع تحديده.

في المساء، كانت فاطمة تتحدث مع والدها. "يا أبي، أشعر أن هناك شيئاً ما يحدث. أشعر بأننا مراقبون." نظر الحاج إبراهيم إليها بعينين مليئتين بالشفقة. "لقد تحدثت مع الشيخ، وهو يقول إنه مجرد وساوس. لعلنا ندعو الله أكثر." "لكنني أرى ظلالاً، وأسمع أصواتاً. أشعر بوجود شيء ما في البيت." قالت فاطمة، وشعرت بالإحباط. "ابنتي، ربما عليكِ أن تبدئي في الاستعداد للزواج. قريباً ستنتقلين إلى بيت جديد، وستنسين كل هذه الأمور." قال الحاج، وكان يحاول أن يطمئنها، ولكن بطريقته الخاصة.

لم يكن هذا ما تريده فاطمة. كانت تريد أن تعرف الحقيقة، أن تواجه هذا الخوف. لم يكن الزواج هو الحل، بل كان ربما سبباً إضافياً للخوف.

في وقت لاحق من تلك الليلة، بينما كانت تجلس وحدها في غرفتها، سمعت صوتاً أقوى من ذي قبل. صوت خافت، لكنه واضح. كان ينادي باسمها، ولكن هذه المرة، كان الصوت يحمل نبرة تهديد. "فاطمة... لن تستطيعي الهرب... نحن هنا..."

لم تعد فاطمة قادرة على إنكار ما يحدث. كان هناك شيء ما، شيء قوي، يحاول الوصول إليها. لم تكن تعرف ما هو، لكنها كانت تعلم أنها في خطر. وأن عليها أن تجد طريقة لمواجهة هذا الخوف، قبل أن يبتلعها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%