الخوف والإيمان 49
عتمة الوهم
بقلم ظافر الغيب
تسللت وحشة الليل إلى قلب "فهد" كما تتسلل البرد إلى عظام المسافر في صحراء قاحلة. كان يعلم أن ما يفعله خطأ، أن هذا الدرب الذي اختاره لم يكن إلا ستارًا لإخفاء ضعفٍ عميق، ورغبةٍ جامحةٍ تنهش روحه. جلس وحيدًا في غرفته، يحدق في الضوء الخافت المنبعث من شاشة الحاسوب، تتناثر أمامه صورٌ وأفكارٌ كسرابٍ يراوغ العطشى. لم تعد تلك الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للتسلية، بل أصبحت ملجأً، إدمانًا يلتهم وقته وجهده، ويُبعده عن عالمه الواقعي، وعن "ليلى"، التي كانت نبض حياته، وضوء دربه.
"ليلى"، اسمٌ يهتز في أعماقه كصدى دعاءٍ مستجاب. كيف يمكنه أن يفسر لها هذا الثقل الذي يعتريه؟ كيف يشرح لها هذا الانكفاء الذي يمارسه؟ كان يتخيل وجهها الباسم، صوتها الرقيق الذي كان ينساب كالنهر، وعينيها اللتين كانتا تلمعان بالإيمان والحب. الآن، كانت تلك العيون تترقب، تبحث عن "فهد" الذي تعرفه، عن الرجل الذي وعدها بالوفاء، وبالحياة الهانئة تحت سقفٍ واحد، مليءٍ بالذكر والدعاء.
لكن "فهد" كان يجد صعوبةً بالغةً في النظر إلى المرآة. كان يرى رجلًا شاحب الوجه، منهك القوى، أسير وهمٍ صنعه بنفسه. كان يهرب من واقعه، من مسؤولياته، من مشاعره المعقدة. كانت الألعاب تقدم له عالمًا آخر، عالمًا يتحكم فيه، يفرض فيه إرادته، ويحقق فيه انتصاراتٍ وهمية. كان يدرك أن هذا الهروب مؤقت، وأن الحقيقة ستطارده يومًا ما، وأن "ليلى" تستحق أفضل من رجلٍ تائهٍ في متاهات الوهم.
لقد زادت ساعات لعبه بشكلٍ جنوني في الأيام الأخيرة. كان يتأخر عن عمله، يتجاهل اتصالات أهله، حتى طعامه أصبح مجرد رفاهيةٍ يؤجلها. كان يشعر بنبضات قلبه تتسارع كلما اقترب موعد اللعب، وكأنها تحيةٌ لرفيقٍ قديم. يداه تتحركان ببراعةٍ خارقة، عينيه تلاحقان كل حركةٍ على الشاشة، وعقله يعمل بأقصى سرعةٍ لتجاوز العقبات. في تلك اللحظات، كان ينسى كل شيء: ضغوط الحياة، خيبات الأمل، وحتى "ليلى".
ذات ليلة، وبينما كان "فهد" غارقًا في عالمه الافتراضي، انقطع التيار الكهربائي فجأة. عادت الأضواء لتضيء الغرفة، لكن الشاشة السوداء كانت صدمةً قاسية. شعر بدوارٍ مفاجئ، وبرغبةٍ قويةٍ في الصراخ. كان يعلم أن هذا الانقطاع، مهما بدا بسيطًا، هو بمثابة جرس إنذار. التفت نحو هاتفه، ورأى عددًا كبيرًا من الرسائل الواردة من "ليلى". فتح إحداها، وكانت تقول: "فهد حبيبي، أين أنت؟ لقد انتظرتك طويلاً اليوم. هل أنت بخير؟ قلبي قلق عليك."
اهتز جسده كله. شعر وخزٍ في ضميره، وكأن الكلمات قد اخترقت جدار الوهم الذي بناه حول نفسه. بدأ يقرأ الرسائل الأخرى، ورأى فيها مزيجًا من القلق، والحب، والاشتياق. كانت "ليلى" تنتظره، تتألمه لبعده، وتتمنى لو تعرف ما الذي يشغله.
قام من كرسيه المريح، وبدأ يتجول في الغرفة. كانت فوضى عارمة. أكواب قهوةٍ فارغة، أوراق متناثرة، وبقايا طعامٍ منسية. شعر بالاشمئزاز من نفسه، ومن هذا النمط السيء الذي استقر في حياته. تذكر وعده لـ "ليلى" ببناء أسرةٍ متماسكة، قائمةٍ على الصدق والمحبة. كيف يمكنه أن يبني أي شيءٍ مع هذا الضعف الذي يعتريه؟
ذهب إلى النافذة، ونظر إلى السماء المظلمة، مزينةً بنجومٍ خافتة. كان يتمنى لو يستطيع أن يمحو كل شيءٍ حدث في الفترة الماضية، ويعود إلى تلك الأيام التي كان فيها "فهد" الشاب الطموح، المليء بالحياة، والمحبوب من الجميع.
"هذا ليس أنا"، تمتم بصوتٍ بالكاد يسمع. "هذا الوهم لن يقتلني. لن أدع هذا الإدمان يسلب مني كل شيء."
لكن المعركة لم تكن سهلة. كان يعرف أن جذور هذا الإدمان عميقة، وأنها مرتبطةٌ بخوفٍ أكبر، ربما خوفٌ من الفشل، أو خوفٌ من تحمل المسؤولية، أو ربما خوفٌ من اكتشاف حقيقته في مواجهة الحياة.
في تلك اللحظة، اتخذ قرارًا. لن يستطيع أن يواجه هذا الظلام وحده. سيحتاج إلى مساعدة. وسيحتاج إلى الصدق. سيحتاج إلى مواجهة "ليلى"، ليس بالكلمات الفارغة، بل بالأفعال.
مسك هاتفه، وبدأ يكتب رسالةً لـ "ليلى". كانت كل كلمةٍ يكتبها تشبه نزفًا من روحه. "ليلى، آسف. آسف جدًا. لدي ما أريد أن أخبرك به. يمكننا اللقاء غدًا؟ أريد أن أريك شيئًا، شيئًا حقيقيًا."
بعد لحظات، وصله ردٌ منها: "بالتأكيد يا حبيبي. سأنتظرك. أتمنى أن يكون كل شيءٍ على ما يرام."
أغلق عينيه، واستنشق بعمق. كان يشعر بقليلٍ من الأمل، ولكن الخوف ما زال يسيطر على مشاعره. لم يكن يدري كيف ستبدأ رحلة العلاج، أو كيف سيتجاوز هذا الحاجز النفسي. لكنه كان يعلم شيئًا واحدًا: لن يستطيع أن يستمر في هذا المسار. يجب أن يقاتل. يقاتل لنفسه، ويقاتل من أجل "ليلى".