الخوف والإيمان 49

ظل الخوف

بقلم ظافر الغيب

كانت خيوط الفجر الأولى تنسج نفسها على أفق المدينة، حاملةً معها وعدًا بصباحٍ جديد، لكن "فهد" لم يشعر بأي راحةٍ في هذا الصباح. كان النوم قد هجره، تركته يقظةٌ مرهقة، وشعورٌ بالثقل يتجسد في جسده. لقد قضى الليل يتأمل في كلماته لـ "ليلى"، ويتساءل إن كانت كافيةً لتفتح الباب للصدق، أم أنها ستكون مجرد محاولةٍ أخرى للتهرب.

في طريقه للقاء "ليلى" في المقهى الهادئ الذي كانا يلتقيان فيه دائمًا، كانت كل خطوةٍ يتخذها تشبه معركةً نفسية. تذكر الأيام الأولى لعلاقتهما، كيف كان كل لقاءٍ يمثل احتفالًا، وكيف كانت النظرات تتبادل الأسرار، والكلمات ترسم الأحلام. الآن، كان يشعر وكأنه يحمل عبئًا ثقيلاً، سرًا سيكشفه، وخوفًا قد يحطم كل شيء.

وصل إلى المقهى، ورأى "ليلى" تجلس على طاولتهما المعتادة، ترتدي حجابًا ورديًا رقيقًا، وعيناها الواسعتان تتبعان اقتراب كل زبون، علّها تجده. عندما لمحته، ابتسمت ابتسامةً بدت له باهتة، فيها مزيجٌ من الفرح والقلق.

"صباح الخير يا فهد"، قالت بصوتٍ هادئ. "لقد كنت قلقةً جدًا."

جلس قبالتها، وشعر برجفةٍ تسري في يديه. "صباح النور يا ليلى. أنا آسف على كل القلق الذي سببته لك."

"لا بأس، المهم أنك بخير. ولكن... تبدو متعبًا. هل كل شيءٍ على ما يرام؟"

أخذ نفسًا عميقًا، وبدأ يتحدث. لم يبدأ بالكلمات، بل بدأ بنظرةٍ طويلةٍ في عينيها، بحثًا عن القوة. "ليلى، هناك شيءٌ يجب أن تعرفيه. شيءٌ أخفيته عنك، ليس عن قصد، ولكن لأنني كنت أخاف."

رأت "ليلى" الجدية في عينيه، وشعرت أن الأمر أكبر من مجرد تأخرٍ عن موعد. "ما هو يا فهد؟ تكلم."

"لقد... لقد أدمنت. أدمنت الألعاب الإلكترونية."

تلاشت الابتسامة عن وجه "ليلى" تدريجيًا، وحل محلها صدمةٌ واضحة. لم تكن تتوقع هذا. كانت تظن أن "فهد" ربما يمر بضغوطٍ في العمل، أو مشاكل عائلية. لم تتخيل أبدًا أن يكون الأمر بهذا الشكل.

"أدمنت؟ كيف؟ متى؟" سألت بصوتٍ يكاد يكون متهدجًا.

"لقد بدأت كنوعٍ من الهروب، ثم تحولت إلى عادةٍ سيئة، ثم إلى شيءٍ لا أستطيع التحكم فيه. أصبحت أقضي ساعاتٍ طويلةً في اللعب، وأهملت كل شيءٍ آخر. أهملت عملي، وأهملت عائلتي، وأهملتكِ أنتِ."

كانت "ليلى" تصغي بصمت، وعيناها تدمعان. لم تكن تبكي ضعفًا، بل كانت تبكي ألمًا على "فهد" الذي أحبته، وعلى الصورة التي كانت تراها فيه.

"لقد حاولت التوقف مراتٍ عديدة، ولكنني لم أستطع. كل مرةٍ أعود فيها، أشعر بأنني أعمق في الوحل."

"ولماذا لم تخبرني من قبل يا فهد؟" سألت بصوتٍ حاوي على الكثير من الأسى. "كنت أظن أننا شركاء، وأننا يمكننا أن نواجه كل شيءٍ معًا."

"كنت أخجل. كنت أخاف من رد فعلك. كنت أخاف أن تريني بصورةٍ مختلفة، صورة الرجل الضعيف الذي لا يستطيع التحكم في نفسه."

"أنا أحبك يا فهد. أحبك لأنك أنت، بكل ما فيك. ولكن الحب وحده لا يكفي لمواجهة الإدمان. الإدمان مرض، ويتطلب علاجًا."

"أعلم. ولهذا السبب أخبرتك. أريد أن أتغير. أريد أن أكون الرجل الذي تستحقينه."

"ولكن هل أنت مستعدٌ حقًا للتغيير؟ هل أنت مستعدٌ للجهد، وللألم، وللمواجهة؟"

شعر "فهد" بصدق كلمات "ليلى". كانت قاسيةً بعض الشيء، ولكنها كانت قاسيةً بدافع الحب. "نعم، أنا مستعد. أنا حقًا مستعد. أريد أن أستعيد حياتي، أريد أن أستعيد نفسي."

"إذًا، علينا أن نبدأ. يجب أن نجد مساعدةً متخصصة. يجب أن يكون هناك دكتور، أو مرشدٌ روحي. يجب أن تكون هناك خطةٌ واضحة."

"لقد فكرت في هذا. هل يمكن أن تساعديني؟"

نظرت "ليلى" إلى "فهد" بنظرةٍ قوية، فيها عزمٌ وتصميم. "سأساعدك بكل ما أوتيت من قوة. لأنني أؤمن بك، وأؤمن بأنك قادرٌ على التغلب على هذا. ولكنك يجب أن تكون صادقًا تمامًا معي، وصادقًا مع نفسك."

"سأكون."

"وماذا عن... عن أهلك؟ هل يعرفون؟"

تردد "فهد" قليلاً. لم يكن يرغب في إلقاء هذا العبء على عائلته، وخاصةً والدته. "لا. لم أخبرهم بعد. كنت أريد أن أخبرك أولًا."

"أعتقد أنه يجب أن تخبرهم. دعم العائلة مهم جدًا في مثل هذه الحالات."

تنهد "فهد". كان يعلم أن هذا الجزء سيكون الأصعب. مواجهة أبويه، خاصةً أبيه الذي لطالما كان يمثل له القدوة.

"سأخبرهم. سأخبرهم اليوم."

"جيد. وسنتحدث معًا عن الخطوات التالية. أريد أن أبحث عن بعض المصادر، عن مراكز علاج، عن أشخاصٍ مروا بتجربةٍ مماثلة."

شعرت "ليلى" ببعض الارتياح، ولكن الخوف ما زال يخيم على مستقبلهم. لقد كان الإدمان وحشًا ضخمًا، وكان يتطلب شجاعةً أسطورية لمواجهته.

"أتمنى أن نكون أقوياء بما يكفي يا فهد. هذا الطريق لن يكون سهلًا."

"أعلم. ولكن بوجودك، أشعر بأنني لست وحدي. وهذا يجعلني أقوى."

نظرت "ليلى" إلى يديه المرتجفتين، ومدت يدها لتضعها فوق يديه. "لن تكون وحدك. أبدًا."

في تلك اللحظة، وبينما كانا جالسين هناك، في وسط ضوضاء المقهى، وعلى مرأى من الناس، كان "فهد" يشعر بأن شيئًا ما قد تغير بداخله. لم يزل الخوف موجودًا، لم يزل الإدمان يشكل تهديدًا، ولكن هناك بذرة أمل قد زرعت، بذرةٌ مدعومةٌ بالحب، وبالصدق، وبإرادةٍ قويةٍ للتغيير. ولكن هل كانت هذه البذرة كافيةً لتنمو وتزهر في أرضٍ كانت مليئةً بالأشواك؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%