الخوف والإيمان 49
نور الأمل
بقلم ظافر الغيب
بعد أيامٍ مليئةٍ بالتفكير العميق، والمشاورات المترددة، اتخذ "فهد" و"ليلى" قرارهما. لم يعد الأمر يتعلق بالانتظار، بل بالتصرف. بحثا عن أخصائي نفسي مختص في علاج الإدمان، وسرعان ما وصلا إلى اسمٍ لامعٍ في هذا المجال، الدكتور "ياسر"، الذي كان لديه سمعةٌ طيبةٌ في مساعدة الشباب على تجاوز محنتهم.
تم تحديد موعدٍ للقاء الأول، في عيادةٍ هادئةٍ تقع في أحد أحياء المدينة الهادئة، بعيدةً عن صخب الحياة اليومية. شعر "فهد" بترددٍ وهو يدخل العيادة، ولكن "ليلى" أمسكت بيده بحزم، مانحةً إياه دفعةً من الشجاعة.
استقبلهم الدكتور "ياسر" بابتسامةٍ دافئةٍ ورحبة. كان رجلاً في منتصف العمر، ذو نظراتٍ ثاقبةٍ ومليئةٍ بالحكمة. بدا وكأنه يفهم ما يدور في عقولهم دون الحاجة إلى الكثير من الكلمات.
"أهلاً بكما"، قال بصوتٍ هادئ. "تفضلوا بالجلوس."
جلس "فهد" و"ليلى" في مقعدين مريحين، بينما جلس الدكتور "ياسر" قبالتهما. بدأ "فهد" بالحديث، بشرحٍ مفصلٍ عن رحلته مع الإدمان، عن الأسباب التي دفعته للهروب، وعن رغبته العميقة في التغيير. كانت "ليلى" تستمع بانتباه، وتضيف بعض التفاصيل التي كانت تراها مهمة، ولكنها تركت المساحة الكبرى لـ "فهد".
كان الدكتور "ياسر" يستمع بصبرٍ، يدون ملاحظاتٍ، ويسأل أسئلةً ذكيةً تكشف عن عمق فهمه للموضوع. لم يكن حكمًا، بل كان مستمعًا، ومديرًا للحوار.
"يا "فهد"، ما تفعله الآن يتطلب شجاعةً كبيرةً"، قال الدكتور "ياسر" بعد أن انتهى "فهد" من سرد قصته. "الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى والأصعب في طريق التعافي. وأنك هنا اليوم، مع "ليلى"، دليلٌ على رغبتك الحقيقية."
"ولكنني ما زلت أشعر بالضعف"، قال "فهد" بصوتٍ خافت. "ما زلت أخاف أن أعود إلى الوراء."
"هذا طبيعي جدًا"، أجاب الدكتور "ياسر". "الإدمان هو مرضٌ معقد، وله جذورٌ نفسيةٌ عميقة. ولكننا سنعمل معًا على استكشاف هذه الجذور، وعلى بناء آلياتٍ قويةٍ لمقاومة الانتكاس. "ليلى" ستلعب دورًا محوريًا في هذه الرحلة، كشريكٍ داعمٍ أساسي."
استدار الدكتور "ياسر" نحو "ليلى". "يا "ليلى"، دعمك لـ "فهد" سيكون له أثرٌ بالغ. ولكن يجب أن تتذكري أيضًا أنكِ تحتاجين إلى الاعتناء بنفسك، وأن تضعي حدودًا صحية. هذه الرحلة ستكون مرهقةً لكِ أيضًا."
"أنا مستعدةٌ لذلك"، قالت "ليلى" بثقة. "أنا معه، وسأكون مصدر قوته."
بعد جلسةٍ طويلةٍ ومثمرة، وضع الدكتور "ياسر" خطةً أوليةً لـ "فهد". تضمنت الجلسات المنتظمة، وتمارين الاسترخاء، وتقنياتٍ للتعامل مع الرغبات الملحة، بالإضافة إلى التمارين الروحية لتقوية الصلة بالله.
"تذكر يا "فهد"، أن الله مع الصابرين"، قال الدكتور "ياسر" وهو يودعهما. "والصبر هو مفتاح الفرج. والإيمان هو سلاحك الأقوى."
شعر "فهد" بشيءٍ من الأمل يتسلل إلى قلبه. لم تعد المشكلة تبدو مستحيلةً، بل أصبحت تحديًا يمكن مواجهته.
عندما عاد "فهد" و"ليلى" إلى سيارتهما، شعر "فهد" ببعض الارتياح. "لقد كان حقًا مفيدًا، أليس كذلك؟"
"نعم يا حبيبي. لقد شعرت بارتياحٍ كبير. أنت لست وحدك في هذا."
"وأنتِ لست وحدكِ في دعائك لي."
عاد "فهد" إلى منزله، وبدأ بتطبيق ما تعلمه. حاول تقليل ساعات اللعب، وبدأ بممارسة التمارين الرياضية، وأكثر من قراءة القرآن. كانت هناك لحظاتٌ ضعف، لحظاتٌ رغبةٍ جامحة، ولكن تذكره لـ "ليلى"، وتذكره لوعوده، كان يعيده إلى الطريق الصحيح.
في غضون ذلك، بدأت "ليلى" بالبحث عن مرشدةٍ روحية، لتساعدها هي الأخرى على تجاوز هذه المحنة. وجدت سيدةً فاضلةً، السيدة "أمينة"، التي كانت تدير دروسًا دينيةً في مسجدٍ قريب. تحدثت معها، وسردت لها قصتها، وحصلت على الكثير من النصائح القيمة.
"يا ابنتي، إن هذا الابتلاء هو فرصةٌ لكما لتقوية علاقتكما بالله، ولتكونا أقوى كزوجين"، قالت السيدة "أمينة". "الدعاء هو سلاح المؤمن، والصبر هو مفتاح النصر. تذكري دائمًا أن الله مع المحسنين."
بدأت "ليلى" تشعر بأنها أصبحت أكثر استعدادًا لمواجهة التحديات. لقد وجدت دعمًا روحيًا، ودعمًا نفسيًا، ودعمًا من "فهد" نفسه.
في إحدى الليالي، بينما كان "فهد" يجلس في غرفته، شعر برغبةٍ قويةٍ في اللعب. أمسك هاتفه، وبدأ بفتح لعبةٍ معينة. ولكن قبل أن يضغط على زر التشغيل، تذكر كلام الدكتور "ياسر" وكلمات "ليلى". وضع الهاتف جانبًا، وقام بتشغيل سورةٍ من القرآن الكريم. وجلس يستمع، يشعر بالسكينة تغمره.
"لن أستسلم"، قال لنفسه بصوتٍ قوي. "لن أستسلم لهذا الإدمان. سأقاتل."
كانت هذه بدايةٌ حقيقيةٌ لرحلة التعافي. كانت هناك انتكاساتٌ صغيرة، لحظاتٌ ضعف، ولكن القوة كانت تتزايد بداخله. كان نور الأمل قد بدأ بالسطوع، مشعلًا طريقه في عتمة الوهم.