حياة بسيطة
بوح خفي تحت ضوء القمر
بقلم وليد المرح
في ليلة حالكة السواد، لم تخترقها سوى أشعة القمر الباهتة التي انسابت عبر النافذة لتنير جزءًا من غرفة عماد، كان يستلقي على فراشه، لكن النوم كان أبعد ما يكون عن عينيه. كان يقلب في هاتفه، يتصفح صورًا قديمة لغادة وهي طفلة، ثم لصور أخرى لها وهي في مرحلة الشباب. كانت ذكريات مؤثرة، تحمل في طياتها ضحكاتها، وبريق عينيها، وصوتها العذب. كان يتذكر كيف كان يحميها دائمًا، وكيف كان يعتبرها جزءًا لا يتجزأ من كيانه. الآن، كانت هي في أمس الحاجة إليه، وهو لا يستطيع أن يتركها.
كان يعلم أن سلمى تشعر بشيء، وأن شكوكها تزداد. لقد لاحظ نبرة صوتها المتغيرة، ونظراتها المترددة. كان يشعر بوخز الضمير كلما رأى القلق في عينيها، لكن الخوف على غادة كان يغلب كل الاعتبارات الأخرى. كان يتمنى لو أن الأقدار سمحت له بأن يكون أكثر صراحة معها، لكن تفاصيل مرض غادة كانت معقدة، وكانت تتطلب سرية تامة حتى الآن.
في تلك الليلة، وبعد أن استقر صمت المنزل، تسلل عماد بهدوء إلى غرفة غادة. كانت نائمة، أنفاسها خفيفة، لكن وجهها كان يحمل آثار التعب والألم. جلس بجوارها، يمسك بيدها بلطف. "غادة، هل تسمعينني؟" همس بصوت مختنق. فتحت غادة عينيها ببطء، نظرت إلى عماد بضعف. "عماد... لماذا أنت هنا؟" "لم أستطع النوم. أردت الاطمئنان عليك." قال عماد، وشعرت يده ببرودة غادة. "أنا بخير... تقريبًا." قالت غادة، وحاولت أن تشد قبضتها على يد أخيها. "غادة، لم يعد بإمكاني تحمل هذا. لقد حاولت أن أكون قويًا من أجلك، ولكن... أخشى أن تتفاقم الأمور." قال عماد، وبدت نبرته مليئة بالأسى. "لا تخف يا عماد. كل ما أتمناه هو أن تتذكر ما قلته لك." قالت غادة، وعيناها تلتمعان بالدموع. "لا تقلقي، لن أنسى أبدًا. لكن، هل أنتِ مستعدة؟ مستعدة... للحقيقة؟" سأل عماد، وهو يشعر بثقل اللحظة. هزت غادة رأسها ببطء. "أنا مستعدة. فقط... أريدك أن تعدني أن تبقى قويًا. وأن تعتني بسلمى. هي... هي كل شيء بالنسبة لي أيضًا." "أعدك، يا غادة. أعدك بكل ما أملك." قال عماد، ثم عانقها بحذر، محاولًا أن ينقل لها كل قوته وطمأنينته.
في الجهة الأخرى من المنزل، كانت سلمى تستيقظ فجأة. شعرت ببرد قارس، وكأن روحًا ما مرت بجانبها. نهضت من فراشها، وتوجهت إلى النافذة، نظرت إلى ضوء القمر الذي كان يغمر الحديقة. كانت تشعر بأن شيئًا ما يحدث، وأن هناك أمرًا جللًا يدور في هذا المنزل. لم تستطع النوم مرة أخرى، فقررت أن تذهب إلى المطبخ لتناول كوب من الماء.
بينما كانت ترتشف الماء، سمعت صوتًا خافتًا قادمًا من غرفة عماد. كانت موسيقى هادئة، ثم سمعت صوت عماد يتحدث، لكنه لم يكن يتحدث إليها. كان صوته يرتعش، كأنه يبكي. تجمدت سلمى في مكانها، قلبها يخفق بعنف. لم يكن عماد يبكي إلا نادرًا، وخاصة عندما يتعلق الأمر بعائلته. هل كان يبكي على غادة؟ هل كان الأمر خطيرًا لهذه الدرجة؟
أغلقت سلمى باب المطبخ بهدوء، وعادت إلى غرفة نومها. لم تستطع إقناع نفسها بأن تنام. جلست على حافة السرير، تدور في رأسها ألف فكرة وفكرة. هل كان عليها أن تواجه عماد؟ هل كان عليها أن تنتظر؟ كانت تعرف أن حبها لعماد قوي، وأنها تثق به، لكن هذا السر الجديد الذي يلف علاقاته بعائلته كان يؤثر عليها.
في تلك الليلة، وبينما كانت غادة تنام بسلام نسبي بعد حديثها مع عماد، وبينما كان عماد يحاول أن يستجمع قواه لمواجهة ما هو قادم، كانت سلمى تحارب وحدتها وقلقها، وتنتظر الفجر ليحمل معه بعض الإجابات، أو المزيد من الأسئلة. كان ضوء القمر، شاهدًا صامتًا على بوح خفي، وعلى صراع داخلي عميق، يمهد الطريق لمواجهة قادمة قد تغير كل شيء.