حياة بسيطة
غيمٌ عابرٌ فوق سماءٍ صافية
بقلم وليد المرح
كانت الشمس تلقي بظلالها الذهبية على حديقة بيت الحاج أحمد، ترسم لوحاتٍ بهيةً على الأرض العشبية، وتداعب أوراق الأشجار المتراقصة. جلست سارة بجوار والدتها، الست أمينة، ترتشفان من كوبي الشاي العطري، وصمتٌ مريحٌ يلفهما، لا يكسره إلا زقزقة العصافير. كانت سارة تشعر بسلامٍ داخليٍ نادر، ذلك السلام الذي ينبع من الشعور بالرضا عن الذات، وعن المكان، وعن كل شيءٍ حولها.
"أمي," بدأت سارة بصوتٍ هادئ، "هل تتذكرين كيف كانت أيامنا في القرية؟"
ابتسمت أمينة، واتسعت تجاعيد الفرح حول عينيها. "وكيف لا أتذكر يا ابنتي؟ كانت أيامًا بسيطة، لكنها كانت ملؤها البركة والسعادة. كنا نزرع أرضنا بأيدينا، ونقطف ثمارها بحب. وكان الجيران كالأسرة الواحدة، يتشاركون الحلو والمر."
"أتذكر تلك الشجرة العتيقة في فناء منزل جدتي، تلك التي كنا نتسلقها ونحن صغار؟" قالت سارة، وعيناها تلمعان ببريق الذكريات. "كم قضينا تحتها من ساعاتٍ لا تُحصى، نقرأ القصص ونحلم بالمستقبل."
"أوه، تلك الشجرة!" تنهدت أمينة بحنين. "كانت شاهدةً على أحلامنا الصغيرة. والآن، أرى أحلامكِ تكبر وتتفتح، وأنا فخورةٌ بكِ يا ابنتي."
كان حديثهما أشبه بنهرٍ جارٍ، ينساب بسلاسةٍ، يتوقف عند بعض المحطات، ليستأنف رحلته. ولكن، في خضم هذه اللوحة الهادئة، لم تدرك سارة أن غيمًا خفيفًا بدأ يتجمع في الأفق، غيمٌ يحمل معه رياحًا قد تعكر صفو هذا الهدوء.
في المساء، وصل اتصالٌ هاتفيٌ إلى الحاج أحمد. كان الصوت القادم من الطرف الآخر يحمل نبرةً جادةً، وبدأت ملامح الحاج أحمد تتغير تدريجيًا، من الارتياح إلى القلق. بعد انتهاء المكالمة، استأذن الحاج أحمد ليجلس مع زوجته وابنته.
"يا أمينة، يا سارة," قال الحاج أحمد بصوتٍ فيه شيءٌ من التردد، "هناك أمرٌ يجب أن نتحدث فيه."
نظرت سارة إلى والدها، شعرت ببوادر شيءٍ غير معتاد. "خير يا أبي؟ هل هناك ما يقلقك؟"
"أتذكرون السيد فؤاد، صاحب المشروع الذي تحدثت عنه سابقًا؟" سأل الحاج أحمد.
أومأت سارة برأسها. "نعم، أتذكر. الرجل يبدو محترمًا وطموحًا."
"لقد اتصل بي اليوم," قال الحاج أحمد، "وبلغني خبرًا لم يكن في الحسبان. المشروع الذي كنا ننتظر نجاحه، والذي وضعنا فيه كل آمالنا، يبدو أنه يواجه صعوباتٍ ماليةٍ كبيرة."
تجمدت سارة في مكانها. لقد استثمرت جزءًا كبيرًا من مدخراتها في هذا المشروع، آملةً في تحقيق الاستقلال المالي، وربما المساهمة في تخفيف بعض الأعباء عن عائلتها.
"ماذا تقصد يا أبي؟" سألت بصوتٍ بالكاد خرج، "هل سيفشل المشروع؟"
"لا أعرف حتى الآن. السيد فؤاد يحاول إيجاد حلول، لكن الوضع يبدو معقدًا. لقد استقال بعض الشركاء، وهناك ديونٌ تتراكم."
شعرت سارة ببرودةٍ تسري في عروقها. لقد كانت تفكر بالفعل في مستقبلها مع يوسف، وكيف ستبنيان حياتهما معًا. لقد تحدثا عن الزواج، وعن بيتٍ صغيرٍ يكون ملكهما. والآن، يبدو أن كل هذه الأحلام قد تهتز.
"ولكن... ماذا عن استثماري؟" سألت، وعيناها تترقرقان بالدموع.
"لا تقلقي يا ابنتي," قالت أمينة، ومسحت على رأس سارة بحنان، "المال ليس كل شيء. الأهم هو صحتكِ وراحتكِ. وسنحتمل هذا الأمر معًا."
"هذا صحيح," أضاف الحاج أحمد، "لقد كنا دائمًا نساند بعضنا البعض. وبالنسبة لاستثماركِ، لا تقلقي. سأرى ما يمكنني فعله. ربما يمكنني مساعدتكِ ببعض المال، ولكن لست متأكدًا من قدرتي على تغطية كل المبلغ."
حاولت سارة أن تتماسك، ولكن الشعور بالخيبة كان قويًا. لقد شعرت بأن الأرض تبتلعها. هل كان هذا اختبارًا من الله؟ هل كان يجب عليها أن تكون أكثر حذرًا؟
في اليوم التالي، ذهبت سارة إلى عملها في المكتبة. كان يوسف ينتظرها عند المدخل، كعادته، بابتسامته الدافئة.
"صباح الخير يا أحلى سارة!" قال وهو يقدم لها وردةً حمراء.
ابتسمت سارة ابتسامةً باهتة. "صباح النور يا يوسف."
"ما بكِ؟ تبدين شاردة الذهن." لاحظ يوسف على الفور. "هل حدث شيء؟"
ترددت سارة. هل كان يجب أن تخبره؟ هل كان من المبكر جدًا إثقال كاهله بمشاكلها؟ ولكنه كان خطيبها، وكان من حقه أن يعرف.
"أجل يا يوسف," قالت، وسحبت نفسها إلى مقعدٍ قريب. "لقد حدث أمرٌ مقلقٌ بالأمس."
ثم سردت له ما أخبرها به والدها عن المشروع. استمع يوسف بصمتٍ، وعلامات التأثر بدأت تظهر على وجهه. عندما انتهت سارة، وضع يده على يدها.
"لا بأس يا سارة," قال بصوتٍ مطمئن، "المال يذهب ويأتي. الأهم أنكِ بخير. ولا تقلقي بشأن استثماركِ. يمكننا تدبر الأمر معًا. لدي بعض المدخرات، ويمكننا استغلالها. والأهم من ذلك، سنكون معًا. سنواجه هذه العقبة كفريقٍ واحد."
تأثرت سارة بكلمات يوسف. لقد كان سندًا حقيقيًا لها، وبوجوده، شعرت بقوةٍ جديدةٍ تتسلل إليها.
"شكرًا لك يا يوسف," قالت، وابتسامةٌ صغيرةٌ عادت إلى وجهها. "أنت حقًا ملاكي الحارس."
"بل أنتِ حياتي كلها," قال يوسف، وقبل يدها برفق.
ولكن، بينما كانا يتشاركان هذه اللحظة الحميمية، لم يدرك أي منهما أن هناك شخصًا آخر كان يراقبهما من بعيد. رجلٌ كان يراقب سارة بتركيزٍ شديد، عيناه تلمعان بنظرةٍ غامضة، لم تكن نظرة حبٍ أو اهتمامٍ عادي، بل كانت نظرةٌ تخفي وراءها خططًا لم تُكشف بعد. كان هذا الرجل هو السيد رامي، الذي كان يتردد على المكتبة بحجة شراء الكتب، ولكنه كان في الواقع يترصد سارة. لقد كان مهتمًا بها منذ زمنٍ، ولكنه لم يجرؤ على الاقتراب. والآن، بعد أن رأى مشاعر يوسف تجاهها، بدأت نار الغيرة والحقد تشتعل في صدره. لقد قرر أن الوقت قد حان للتحرك، ولكن ليس بالطريقة التي قد تتوقعها سارة.
في تلك الليلة، عادت سارة إلى منزلها، وقلبها مثقلٌ بقلقٍ جديد. لم يكن قلق المال وحده، بل قلقٌ من هذا الرجل الغامض الذي شعرت بوجوده دون أن تراه. لقد كانت حياتها البسيطة، التي كانت تتمناها، تبدو فجأةً معقدةً ومليئةً بالمتغيرات غير المتوقعة.