حياة بسيطة
أشباح الماضي تطرق الأبواب
بقلم وليد المرح
عاد الحاج أحمد إلى مكتبه في المساء، لم يكن يرغب في إظهار المزيد من القلق أمام زوجته وابنته، ولكنه كان يعلم أن الوضع أكثر تعقيدًا مما يبدو. لقد استثمر مبلغًا كبيرًا في مشروع السيد فؤاد، ليس فقط بأمواله، بل بآماله وسمعته أيضًا. كانت هذه الصفقة تعني له الكثير، فقد وعد بها أصدقاءه القدامى، وكان يطمح أن تكون ضربةً ناجحةً تعيد له بعضًا من بريقه القديم.
أخرج هاتفه، وبدأ يبحث في قائمة أرقامه. كان هناك شخصٌ واحدٌ يثق به دائمًا في الأمور المالية، صديقٌ قديمٌ وجدٌ حكيم، يمتلك خبرةً واسعةً في عالم الأعمال. كان الحاج سعيد، الرجل الذي كان دائمًا مستشارًا له في أصعب الظروف.
"السلام عليكم يا أبا محمد," قال الحاج أحمد بصوتٍ فيه بحةٌ من القلق.
"وعليكم السلام يا أبا العلاء. ما بك؟ صوتك لا يبشر بخير." أجاب الحاج سعيد بصوته الودود، الذي لطالما كان مصدر راحةٍ للحاج أحمد.
"أتذكر مشروع السيد فؤاد؟" سأل الحاج أحمد.
"أجل، أتذكر. كانت صفقةً واعدةً. ماذا حدث؟"
"لقد أخبرني اليوم السيد فؤاد أن المشروع يواجه صعوباتٍ ماليةٍ جمة. هناك ديونٌ تتراكم، ويبدو أن الأمر قد يصل إلى الإفلاس."
سكت الحاج سعيد لبرهة، ثم قال: "هذا مؤسفٌ جدًا. السيد فؤاد رجلٌ طموح، ولكنه قد يكون متهورًا أحيانًا. هل لديك معرفةٌ بتفاصيل هذه الديون؟ ومن هم الدائنون؟"
شرح الحاج أحمد ما يعرفه، وهو قليلٌ جدًا، فالسيد فؤاد كان يتحفظ على الكثير من التفاصيل.
"حسنًا يا أبا العلاء," قال الحاج سعيد، "سأحاول أن أستفسر عن الأمر. لدي بعض المعارف في الأوساط المالية، ربما أتمكن من جمع بعض المعلومات. ولكن كن مستعدًا، فقد تكون الخسارة كبيرة."
"هذا ما يقلقني يا سعيد. لقد استثمرت مبلغًا كبيرًا، بالإضافة إلى مبلغ سارة. هي واثقةٌ بي، وأنا لا أريد أن أخيب ظنها."
"لا تقلق. سنفعل ما في وسعنا. الأرزاق بيد الله، ولكن السعي مطلوب. هل تحدثت مع سارة؟"
"نعم، أخبرتها. لقد تأثرت، ولكنها حاولت التماسك. وبصراحة، يوسف معها، وهو يقدم لها الدعم."
ابتسم الحاج سعيد. "هذا رائع. يوسف شابٌ خلوقٌ ونعم الزوج. سترزقون خيرًا في هذه الشراكة."
"أتمنى ذلك يا سعيد. ولكن، هناك أمرٌ آخر يقلقني. لقد شعرت بأن هناك شيئًا ما غريبًا حول السيد فؤاد. لم أشعر بالارتياح التام في تعاملاتي معه."
"ما الذي تشعر به بالضبط؟"
"لا أعرف. مجرد شعورٍ داخلي. لقد كان دائمًا يتجنب الإجابة عن بعض الأسئلة، وبدا متحفظًا."
"إذا كان الأمر كذلك، فكن حذرًا. قد تكون هناك أمورٌ مخفية. سأحاول أن أرى ما يمكنني فعله. ابقَ على اتصال."
بعد انتهاء المكالمة، شعر الحاج أحمد بقليلٍ من الارتياح، فوجود صديقٍ كالحاج سعيد كان بمثابة طوق نجاة. ولكن، القلق ظل يخيم على صدره.
في تلك الأثناء، كانت سارة في منزل والدها، تحاول أن تتظاهر بالهدوء، ولكن عقلها كان مشغولًا بالتفكير في المال الذي خسرته، وفي مستقبلها مع يوسف. هل كانت قادرةً على بناء حياةٍ مع يوسف إذا كانت مواردها المالية متذبذبة؟ كانت تؤمن إيمانًا قويًا بأن الزواج شراكة، وأن الاستقرار المالي جزءٌ مهمٌ منها، وإن لم يكن الأساس.
"سارة," قالت أمينة، وجلست بجانبها، "تعالي، دعنا نذهب لزيارة عماتكِ. التغيير عن الجو قد يفيدكِ."
"لا أدري يا أمي. أشعر أنني لا أملك طاقةً للزيارات."
"لا بأس. ولكن، هل أنتِ متأكدةٌ أنكِ بخير؟ أرى القلق في عينيكِ."
"أنا بخير يا أمي. مجرد تفكيرٍ في الأمور."
"تذكري دائمًا، يا ابنتي، أن الله مع الصابرين. وأن هذه الدنيا دار ابتلاء. قد تخسرين مالًا، ولكنكِ لن تخسري البركة إن كنتِ على صراطٍ مستقيم."
"أعرف ذلك يا أمي. ولكن، الشعور صعب."
"أتفهم ذلك. ولكن، هل فكرتِ في أن هذا قد يكون خيرًا لكِ؟ ربما كان هذا المال سيجلب لكِ همومًا أخرى. وقد يكون ابتعاده عنكِ سببًا لجلب الخير الأكبر."
"خيرٌ أكبر؟"
"نعم. فكري في يوسف. هو شابٌ يعتمد عليه. ربما كان هذا الحدث سيجعلكِ ترى كم هو سندٌ لكِ، وكم هو مستعدٌ للتضحية من أجلكِ. وهذا هو الثراء الحقيقي."
ابتسمت سارة ابتسامةً خفيفة. كانت والدتها دائمًا تملك الكلمات المناسبة.
"ربما أنتِ على حق يا أمي."
"أنا دائمًا على حق عندما يتعلق الأمر ببناتي." قالت أمينة مازحةً.
ولكن، ما لم يعلمه أحد، هو أن السيد رامي كان قد بدأ بالفعل في تنفيذ خطته. لقد استأجر مخبرًا سريًا ليتابع تحركات سارة ويوسف. كان المخبر يلتقط صورًا لهما، ويكتب تقارير مفصلة عن لقاءاتهما. كان رامي يشعر بنشوةٍ شريرةٍ وهو يقرأ هذه التقارير. كانت خطته تعتمد على إيقاع الشك والريبة في قلب يوسف، ليحول حبه لسارة إلى كرهٍ وغضب. لقد كان يؤمن بأن سارة تستحق شخصًا مثله، شخصًا يمتلك النفوذ والثروة، وليس مجرد شابٍ بسيطٍ يعمل في مكتبة.
في تلك الليلة، أرسل رامي رسالةً مجهولةً إلى هاتف يوسف. كانت الرسالة عبارة عن صورةٍ لسارة وهي تتحدث إلى شابٍ غريبٍ في أحد المقاهي، مع تعليقٍ مكتوبٍ بخطٍ مائل: "هل أنت متأكدٌ أنك الوحيد في حياتها؟"
تلقى يوسف الرسالة، ونظر إلى الصورة. كانت سارة بالفعل تتحدث إلى رجلٍ آخر. ابتسامتها كانت ودودة، وحديثها يبدو جادًا. شعر بوخزةٍ خفيفةٍ من الغيرة، ولكنه سرعان ما تجاهلها. كان يعلم أن سارة لا يمكن أن تخونه. كان يعلم أنها فتاةٌ وفيةٌ ونقية. ولكن، هذه الرسالة كانت مجرد البداية.
كان أشباح الماضي، ممثلةً في أطماع رامي وجشعه، تبدأ في التطرق إلى أبواب حياة سارة ويوسف، حاملةً معها ظلالًا من الشك والخوف، قد تهدد سلامهما وهدوء حياتهما البسيطة.