حياة بسيطة
نبوءةٌ سوداء في قلب المقهى
بقلم وليد المرح
عاد يوسف إلى شقته الصغيرة، بعد أن ألقى نظرةً أخيرةً على صورة سارة التي تلقاها عبر الرسالة المجهولة. لم يكن قلبه ليصدق ما يراه، ولكن عقله كان يلح عليه. لقد كان دائمًا يؤمن بأن سارة حقيقته، وأن حبها له نقاءٌ خالص. ولكن، ما كان يراه أمام عينيه كان يحمل شكوكًا عميقة.
جلس على أريكةٍ قديمة، ينظر إلى سقف غرفته البسيط. تذكر كيف بنى هذه الغرفة، وكيف خطط لكل شيءٍ فيها مع سارة. كانت أحلامهم بسيطة، ولكنها كانت صادقة. هل كانت هذه الصورة مجرد سوء فهم؟ أم كانت بداية النهاية؟
"لا يا يوسف، لا تستسلم للشيطان," قال لنفسه بصوتٍ مسموع. "هذه مجرد رسالةٌ مجهولة. قد يكون وراءها شخصٌ يريد إفساد علاقتنا."
كان يحاول أن يقنع نفسه، ولكن الشك كان يتسلل إلى قلبه كالأفعى. لقد كانت سارة غائبةً عن الوعي، وكان هو في أمس الحاجة إليها.
في اليوم التالي، ذهب يوسف إلى عمله في المكتبة، وقلبه مثقلٌ بهمومٍ جديدة. عندما رأى سارة، شعر بمزيجٍ من الحب والارتياب. كانت تبتسم له، كما كانت تفعل دائمًا، ولكن في عينيه، كان هناك سؤالٌ لم يستطع طرحه.
"صباح الخير يا حبيبتي," قال، محاولًا أن يبدو طبيعيًا.
"صباح النور يا يوسف. هل أنت بخير؟ تبدو شارد الذهن." لاحظت سارة.
"لا شيء. مجرد بعض ضغوط العمل." كذب يوسف. لم يستطع أن يقول لها. كيف يلومها على شيءٍ لم تتحدث عنه؟
"أتعرف يا يوسف," قالت سارة، وأمسكت بيده، "لقد تحدثت مع والدي اليوم. لقد كان قلقًا جدًا بشأن استثماري. ولكن، بعد حديثي معه ومعكِ، شعرت أنني قادرةٌ على مواجهة أي شيء."
نظر يوسف إلى يديها، التي كانت تعانق يده. كانت تلك الأيدي التي وعدها بحمايتها. كيف يمكن أن يشك فيها؟
"لا تقلقي يا سارة. أنا معكِ. ولن ندع أي شيءٍ يعكر صفو حياتنا." قال يوسف، وبدأ يشعر بأن ثقلًا خفيفًا قد انزاح عن صدره.
ولكن، في تلك اللحظة، دخل رجلٌ إلى المكتبة. كان رجلاً يرتدي ملابس أنيقة، ويحمل حقيبة جلدية. كانت عيناه تبحثان عن شيءٍ ما. لقد كان السيد رامي.
"صباح الخير," قال رامي بابتسامةٍ مصطنعة، وهو يتجه نحو يوسف. "هل أنت السيد يوسف؟"
"نعم، أنا هو. تفضل." أجاب يوسف، وهو ينظر إلى رامي بفضول.
"اسمي رامي. لقد سمعت عن خبرتك في تنظيم الكتب والمواد. أنا أعمل في دار نشر كبيرة، ولدينا بعض المشاريع التي تحتاج إلى مساعدة من شخصٍ خبيرٍ مثلك."
شعر يوسف بالدهشة. لم يكن يتوقع أن يأتي صاحب دار نشر كبيرة ليعرض عليه عملًا.
"حقًا؟ هذا لطفٌ منك."
"بل هو واجب. سمعتك طيبةٌ جدًا. هل لديك وقتٌ للحديث عن هذا الأمر؟ ربما في مكانٍ هادئ؟"
لم يستطع يوسف الرفض. كانت فرصةٌ قد تأتي مرةً واحدةً في العمر.
"بالطبع. ولكن، دعني أبلغ سارة."
"لا بأس. سأنتظر هنا. أو ربما يمكنني أن ألتقي بكما في مقهى قريب بعد انتهاء عملكما؟" قال رامي، وكانت عيناه تلمعان بنظرةٍ تخفي وراءها شيئًا آخر.
وافقت سارة، وشعرت ببعض الارتياح. ربما كان هذا الرجل سيقدم ليوسف فرصةً أفضل.
اجتمع الثلاثة في مقهى صغيرٍ قريب. كانت رائحة القهوة تفوح في المكان، ولكن الأجواء كانت متوترة.
"إذًا، يا سيد يوسف," بدأ رامي، وهو يقدم لكوب قهوته، "لقد سمعت الكثير عن عملك. ولكن، ما لفت انتباهي حقًا هو شغفك بالقراءة والأدب."
"أجل، أنا أحب الكتب كثيرًا." أجاب يوسف.
"وهذا ما نريده. لدينا خططٌ كبيرةٌ لتطوير قسمنا الخاص بالنشر العربي. ونحن نبحث عن أشخاصٍ لديهم رؤيةٌ وشغف."
كان رامي يتحدث بطلاقة، ويستخدم كلماتٍ جذابة. شعر يوسف بالانبهار.
"هل لديك أي خبرةٍ في مجال النشر؟" سأل رامي.
"ليس لدي خبرةٌ مباشرة، ولكنني أتعلم بسرعة. وأنا على استعدادٍ للعمل بجد."
"ممتاز. هذا ما نحتاجه. ولكن، يجب أن أكون صريحًا معك. هذا العمل يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين. قد يكون عليك قضاء ساعاتٍ طويلةٍ في العمل، وأحيانًا في أوقاتٍ متأخرة."
نظر يوسف إلى سارة. كان يعلم أنها بحاجةٍ ماسةٍ إلى دعمٍ مالي.
"هذا ليس مشكلة. أنا مستعدٌ لبذل قصارى جهدي."
"جيد. ولكن، هناك أمرٌ آخر. هذه فرصةٌ حساسةٌ جدًا، وتتطلب قدرًا كبيرًا من الثقة. ونحن لا نرغب في أي تسريباتٍ للمعلومات."
"أفهم."
"هل أنت متزوجٌ يا سيد يوسف؟" سأل رامي فجأةً.
تفاجأ يوسف بالسؤال. "لا، أنا خاطبٌ لسارة."
"آه، سارة. فتاةٌ جميلةٌ جدًا." قال رامي، وهو يلقي نظرةً خاطفةً على سارة. "هل تعرف أن سارة لديها علاقاتٌ أخرى؟"
تجمد الدم في عروق يوسف. نظر إلى سارة، التي بدت مصدومةً وغير واعيةٍ بما يقول.
"ماذا تقصد؟" سأل يوسف بصوتٍ بالكاد خرج.
"فقط أقول،" قال رامي ببرود، "أنني رأيتها بالأمس في مقهى آخر، تتحدث مع رجلٍ لا أعرفه. وكان حديثهما يبدو حميمًا جدًا. أردت فقط أن أنبهك، كصديقٍ جديد."
نظرت سارة إلى يوسف، وشعرت بأن الأرض تبتلعها. لم تستطع الكلام. لم تكن تفهم لماذا يقول رامي هذا.
"هذا غير صحيح!" قال يوسف بصوتٍ مرتفع، وشعر بالغضب يتصاعد في داخله. "سارة لا يمكن أن تفعل ذلك!"
"ولكنني رأيتها بعيني," قال رامي، وهو يرفع كتفيه. "على أي حال، هذا أمرٌ بينك وبينها. أنا لا أريد التدخل. ولكن، إذا كنت تبحث عن عملٍ يتطلب ثقةً كبيرة، فيجب أن تكون واثقًا من شريكتك."
غادر رامي المقهى، تاركًا يوسف وسارة في حالةٍ من الصدمة والرعب.
"سارة، هل هذا صحيح؟" سأل يوسف، وعيناه تترقرقان بالدموع.
"يوسف، أقسم لك بالله، لم أفعل شيئًا!" قالت سارة، وهي تبكي. "لقد كنت في ذلك المقهى مع صديقتي ليلى، نتحدث عن مشاكلها، ولم يكن هناك أي شيءٍ آخر."
"ولكن، رامي قال..."
"رامي يكذب! لماذا سيفعل ذلك؟"
"لا أعرف. ولكنه رأى شيئًا."
"ما رآه لم يكن الحقيقة! يوسف، أرجوك، صدقني!"
نظرت سارة إلى يوسف، ورأت في عينيه شكًا لم تكن تتخيله يومًا. لقد كان هذا الشك أشد وطأةً عليها من أي خسارةٍ مالية. لقد شعرت بأن حبهم، الذي كان يبدو أشد من أي شيء، بدأ يتصدع.
في تلك الليلة، عاد يوسف إلى شقته، وقلبه يعتصره الألم. لم يكن يعرف ماذا يفعل. هل يصدق الرسالة والصورة؟ أم يصدق سارة؟ كانت نبوءةٌ سوداء قد تحققت في قلب المقهى، وزرعت بذور الشقاق بين حبيبين.