حياة بسيطة
العودة إلى الماضي
بقلم وليد المرح
كانت رائحة بخور العود تفوح في أرجاء بيت الحاج أحمد، ممزوجةً بعبق القهوة العربية الأصيلة، التي كانت دائمًا ما تعدها زوجته "أمينة"، امرأةٌ صامتةٌ لكنها نافذة البصيرة، وكأنها تفهم أفكار زوجها قبل أن تنطق بها شفتاه. لم تكن أمينة كثير الكلام، لكن حضورها كان يمنح البيت سكينةً وطمأنينةً لا تضاهى. كانت تدرك أن زوجها، رغم بساطة حياته الظاهرة، يحمل في داخله عوالمًا عميقة، وأن أحداث اليوم قد هزته بشكلٍ لم تعهده فيه.
بعد ساعاتٍ من التفكير، وبينما كانت عقارب الساعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل، انطلق الحاج أحمد من فراشه. لم يعد قادرًا على النوم. كان الفانوس، وفانوس جدته تحديدًا، يحتل كل تفكيره. شعر بأن هذا الفانوس ليس مجرد أداةٍ للإضاءة، بل هو مفتاحٌ لبابٍ مغلق، بابٌ يؤدي إلى أسرارٍ قديمة.
ارتدى الحاج أحمد ملابسه، ثم خرج من بيته بخفةٍ لم تكن تتناسب مع عمره. كان الهواء البارد للمدينة يلفه، ويوقظ حواسه. اتجه بخطواتٍ ثابتة نحو السوق، نحو محل "أبو علي". كانت رائحة الدخان لا تزال عالقةً في الهواء، تذكره بمشهد الذعر والفزع.
وصل الحاج أحمد إلى محل أبو علي، الذي كان مغلقًا الآن. لكن الضوء الخافت الذي يتسرب من نافذته الصغيرة، والذي يبدو أنه لا يزال يشع ببعض الدفء، لفت نظره. اقترب من النافذة، وحاول أن يرى ما بداخل المحل. رأى بوضوحٍ الفانوس، موضوعًا بعنايةٍ على رفٍ خالٍ من الأقمشة المحترقة. كان الفانوس يبدو أكثر بريقًا تحت الضوء الخافت، وكأنه يلتقط أنفاسه بعد نجاته من الموت.
"سبحان الله"، تمتم الحاج أحمد. "كيف نجا هذا الفانوس؟"
لم يكن هناك تفسيرٌ منطقي. فالمحل بأكمله كان على وشك الابتلاع بالنيران، لكن هذا الفانوس الصغير، الذي كان في قلب العاصفة، بقي سليمًا. شعر الحاج أحمد بأن هناك قوةً خفيةً وراء هذه المعجزة.
في تلك اللحظة، سمع صوتًا خلفه. استدار الحاج أحمد بسرعة، ليجد "يوسف"، شابٌ في أواخر العشرينات، يعمل في محلٍ مجاور، وكان معروفًا بذكائه وفضوله، يقف خلفه. كان يوسف يحمل مصباحًا يدويًا صغيرًا، يستكشف به آثار الحريق.
"مساء الخير يا حاج أحمد"، قال يوسف بابتسامةٍ هادئة. "لم أتوقع أن أراك هنا في هذا الوقت المتأخر. هل أنت بخير؟"
"مساء النور يا بني"، أجاب الحاج أحمد، محاولًا استعادة هدوئه. "أنا بخير. لكنني… كنت أفكر في هذا الحريق. وفي هذا الفانوس."
أشار يوسف إلى الفانوس بنوره. "نعم، إنه حقًا غريب. كل شيءٍ حوله احترق تقريبًا، لكنه بقي سالمًا. كأن أرواح الأجداد تحميه."
"أرواح الأجداد؟" كرر الحاج أحمد، وعيناه تلمعان. "هل تعتقد ذلك يا بني؟"
"لا أدري يا حاج"، أجاب يوسف بتواضع. "لكنني سمعت قصصًا عن هذا الفانوس. يقولون إنه يعود لجدة الحاج سعيد، جدة أبي علي، والتي كانت معروفةً بصلاحها وحكمتها. ويقال إنها كانت تستضيء به وهي تقرأ القرآن في الليالي الطوال. وأنه لم ينطفئ نورها أبدًا، حتى بعد وفاتها."
توسعت عينا الحاج أحمد. كلام يوسف هذا كان أشبه بتأكيدٍ لكل ما كان يشعر به. "ولكن… هل تعرف أين أتت به جدة الحاج سعيد؟ هل لها قصةٌ معينة؟"
تردد يوسف قليلًا. "يقال إنها وجدته في مكانٍ غريب. مكانٍ مهجورٍ بعيدٍ عن المدينة. وأنها شعرت بأن فيه شيئًا مميزًا، فاعتنت به وحفظته. ومنذ ذلك الحين، وهو يتوارث في العائلة. لكن لا أحد يعرف تفاصيل القصة بالضبط. إنها مجرد أساطير."
"أساطير؟" تمتم الحاج أحمد، وعقله بدأ ينسج خيوطًا من الاحتمالات. "ربما هذه الأساطير تحمل في طياتها حقيقةً ما."
نظر الحاج أحمد إلى الفانوس مرةً أخرى. شعر بجاذبيةٍ غريبة نحوه. "يا بني، هل تعتقد أن الحاج سعيد سيسمح لي برؤية الفانوس عن قرب؟ أرغب في إلقاء نظرةٍ فاحصةٍ عليه."
ابتسم يوسف. "بالتأكيد يا حاج. الحاج سعيد يحترمك كثيرًا. أعتقد أنه سيوافق."
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت الشمس قد بدأت تسطع، توجه الحاج أحمد ويوسف إلى منزل الحاج سعيد. كان الحاج سعيد رجلًا طيبًا، يشبه أباه في طيبته، لكنه كان أكثر انشغالًا بأمور التجارة. استقبلهما الحاج سعيد بحفاوةٍ وترحيب.
بعد أن تناولوا القهوة وبعض التمرات، أشار الحاج أحمد إلى الفانوس، الذي كان الحاج سعيد قد أحضره بعنايةٍ من محلّه. "يا حاج سعيد، بارك الله فيك. لقد رأيت اليوم هذا الفانوس، وشعرت بشيءٍ غريب. هل تسمح لي بفحصه قليلًا؟"
نظر الحاج سعيد إلى الفانوس، ثم إلى الحاج أحمد. "يا حاج أحمد، تفضل. هو لك كما هو لنا. لكنني لا أعرف عنه الكثير. سوى ما توارثناه من أبي وأجدادي."
أخذ الحاج أحمد الفانوس بين يديه. شعر ببرودته، وبثقل وزنه. بدأ يقلبه، ويدقق في نقوشه. لاحظ أن هناك بعض النقوش التي لم يرها من قبل، بعض الرموز الغريبة التي بدت وكأنها لغةٌ منسية.
"هذه النقوش… تبدو مألوفةً بعض الشيء"، قال الحاج أحمد، وهو يمرر أصبعه على أحد الرموز. "وكأنني رأيتها في كتابٍ قديمٍ في مكتبة جدتي."
"مكتبة جدتك؟" سأل يوسف بفضول. "هل كان لديها مكتبة؟"
"نعم يا بني"، أجاب الحاج أحمد. "كانت امرأةً مثقفةً جدًا. وكان لديها مجموعةٌ من الكتب القديمة، بعضها عن التاريخ، وبعضها عن الفلك، وبعضها الآخر عن… عن الألغاز. كنت أرافقها أحيانًا وهي تقرأ. ومنذ زمنٍ طويل، رأيت رموزًا تشبه هذه النقوش في كتابٍ قديمٍ غلافه بالجلد الأسود."
"كتابٌ غلافه بالجلد الأسود؟" كرر الحاج سعيد. "لم نسمع عن مثل هذا الكتاب."
"هذا الكتاب…" قال الحاج أحمد، وعيناه تدوران في ذكرياته. "لقد اختفى مع وفاتها. اعتقدت أن عائلتها قد تخلصت منه. لكن ربما… ربما لم يختفِ. ربما… كان له قصةٌ أخرى."
شعر الحاج أحمد بأن خيطًا رفيعًا قد بدأ يتكشف أمامه. خيطٌ يربط بين هذا الفانوس، وبين مكتبة جدته، وبين رموزٍ قديمةٍ لغةٌ منسية. كان يشعر بأن هذا الفانوس يحمل في طياته شيئًا أكبر بكثير من مجرد كونه قطعةً أثرية. كان يحمل قصة. قصةٌ مدفونةٌ في أعماق التاريخ، وفي أعماق روحه.
"يا حاج سعيد"، قال الحاج أحمد، وهو يعيد الفانوس بعناية. "هل لي أن أخذ هذا الفانوس معي لبضعة أيام؟ أرغب في البحث عن بعض المعلومات. أريد أن أعرف قصته الحقيقية."
نظر الحاج سعيد إلى الحاج أحمد، ثم إلى يوسف. رأى في عينيهما شغفًا غريبًا. "بالتأكيد يا حاج أحمد. خذه. ولكن… ما الذي تبحث عنه بالضبط؟"
"أبحث عن الحقيقة يا بني"، أجاب الحاج أحمد، وعيناه تلمعان. "عن الحقيقة التي قد تكون مدفونةً تحت رمال الزمن."
خرج الحاج أحمد من منزل الحاج سعيد، والفانوس موضوعٌ بعنايةٍ في حقيبةٍ قماشية. شعر بخفةٍ جديدة، وكأن حملاً ثقيلاً قد رُفع عن كاهله. لكنه في نفس الوقت، شعر بثقلٍ أكبر، ثقل مسؤوليةٍ جديدة. قصة الفانوس، وقصة جدته، وقصة الرموز الغريبة، كل هذه الأمور بدأت تتشابك في ذهنه، وتدفعه نحو رحلةٍ لم يكن يتخيلها. رحلةٌ إلى الماضي، بحثًا عن كنزٍ قد يكون أعظم من أي كنزٍ مادي.