حياة بسيطة
إدمانٌ على السراب
بقلم وليد المرح
كانت الأيام تمرّ ببطءٍ وثقلٍ في حيّ "الوردة البيضاء"، تتشابهُ في رتابتها وكأنّها صورٌ فوتوغرافيةٌ باهتةٌ لشمسٍ تغيبُ كلّ مساءٍ دون أن تتركَ خلفها نوراً ساطعاً. في بيتِ الحاجّ عبد الله، تزدادُ هذه الرتابةُ حدّةً، فهو الرجلُ الذي بنى حياتهُ على القواعدِ الصارمةِ والاعتدالِ، يجدُ نفسه اليومَ في مواجهةٍ لم تخطرْ لهُ على بال. إنّها مواجهةٌ معَ نور، ابنُهُ الوحيد، الشابُ الذي كانَ يراهُ في المستقبلِ خيرَ خلفٍ لخيرِ سلف، والذي بدأتْ ملامحُهُ تتغيّرُ شيئاً فشيئاً، كأنّما يمحوها قلمٌ خفيٌّ بخطوطٍ غامضة.
لم يكنْ الأمرُ وليدَ البارحة، بل كانَ يتسرّبُ إلى حياةِ نورٍ كالدخانِ الخانق، يلتفُّ حولَ روحهِ، يسلبُ منهُ بريقَ عينيهِ، ويستبدلُهُ بسوادٍ عميقٍ يثيرُ القلق. بدأَ الحاجّ عبد الله يلاحظُ صمتَ نورٍ المطبق، وشحوبَ وجههِ، وقلّةَ شهيتهِ التي كانتْ يوماً ما تُفرحُ قلبَ أمّهِ السيدةَ فاطمة. كانَ نورُ يقضي ساعاتٍ طويلةً وحيداً في غرفتهِ، لا يخرجُ إلاّ للضرورة، ولا يتفوّهُ إلاّ ببضعِ كلماتٍ مقتضبة، كأنّهُ يحملُ على كاهلهِ هموماً تفوقُ طاقتَهُ.
وفي إحدى الليالي، وبعدَ أنْ تناهى إلى سمعِ الحاجّ عبد الله صوتُ نوحٍ خافتٍ قادمٍ من غرفةِ ابنهِ، تملّكهُ خوفٌ غريب. طرقَ البابَ برفقٍ، ودخلَ ليجدَ نورَ جالساً على الأرضِ، وظهرهُ مسنودٌ إلى الجدار، ينظرُ إلى فراغٍ لا تراهُ عينٌ بشرية. "نور؟ ما بكَ يا بني؟" سألَ الحاجّ عبد الله بصوتٍ مهزوزٍ، حاولَ أنْ يخفيهِ تحتَ ستارِ القسوةِ المعتادة.
نظرَ إليهِ نورُ بعينينِ حمراوينِ، بدا فيهما مزيجٌ منَ الندمِ واليأس. "لا شيء يا أبي، مجرّدُ أرقٍ." قالَ بصوتٍ بالكادِ يُسمع، لكنّ الحاجّ عبد الله لم يقتنع. لقدْ عرفَ ابنهُ قبلَ أنْ يتكلم. رأى في عينيهِ شيئاً أعمقَ منَ الأرق، شيئاً يتعدّى حدودَ السهرِ والتفكير.
"الأرقُ لا يجعلُ الإنسانَ هكذا يا نور." أردفَ الحاجّ عبد الله، وجلسَ بجوارِ ابنهِ. "أتعلّمُ أنّك تخذلني؟ أتعلّمُ أنّكَ تقتلُ أحلامي فيكَ شيئاً فشيئاً؟"
ارتعشَ جسدُ نورٍ. "أبي... لا تقلْ هذا."
"ماذا عليّ أنْ أقولَ إذاً؟" رفعَ الحاجّ عبد الله صوتهُ قليلاً. "أينَ ذهبتْ شجاعتكَ؟ أينَ ذهبتْ طموحاتكَ؟ أينَ ذهبَ نورُ الذي عرفتهُ؟"
ابتلعَ نورٌ ريقهُ بصعوبة. "الحياةُ يا أبي... ليستْ كما نظنّها. هناكَ أشياءٌ... أشياءٌ تجعلُ الإنسانَ يشعرُ بالضعف."
"الضعفُ ليسَ عذراً لتركِ الدربِ يا نور." قالَ الحاجّ عبد الله بحزمٍ. "إلاّ إذا كنتَ تسمحُ لضعفِكَ أنْ يتحوّلَ إلى ضعفٍ في إيمانكَ. هلْ هذا ما يحدثُ؟"
لمْ يجبْ نور، وصمتُهُ كانَ أبلغَ منَ ألفِ كلمة. شعرَ الحاجّ عبد الله ببرودةٍ تسري في عروقه. لقدْ راودتهُ شكوكٌ منذُ فترة، شكوكٌ كانَ يخشى أنْ يصدّقها. سمعَ همساتٍ منَ الجيران، لمْ يعرها اهتماماً في البداية، لكنّها بدأتْ تتكرّرُ وتتزايد، حتى باتتْ كأنّها سكاكينُ تغرسُ في قلبه.
"أخبرني يا نور." قالَ الحاجّ عبد الله بصوتٍ خافتٍ، فيهِ رجاءٌ وألم. "ما الذي تفعلُهُ؟ ما الذي يدفعكَ إلى هذا؟"
تنهدَ نورٌ طويلاً. "إنّها... إنّها رغبةٌ قويةٌ يا أبي. رغبةٌ تلتهمُ كلَّ شيء. كلَّ شيءٍ آخرَ يبدو باهتاً أمامها."
"رغبةٌ في ماذا؟" للحظةٍ، تملّكَتْ الحاجّ عبد الله يأسٌ شديد، وشعرَ أنّهُ يدورُ في حلقةٍ مفرغة. "إذا كنتَ تخشى شيئاً، فلتتحدثْ إليّ. إذا كنتَ تشعرُ بالوحدة، فلتتحدثْ إليّ. نحنُ هنا من أجلك."
"إنّها ليستْ وحدةً يا أبي. إنّها... لذّةٌ تخفي ألماً. ولذّةٌ تبدأُ صغيرةً ثمّ تكبرُ حتى تصبحَ كلَّ شيء."
هذهِ الكلماتُ الأخيرةُ كانتْ بمثابةِ صاعقةٍ أصابتْ الحاجّ عبد الله. فهمَ الآنَ ما كانتْ تلمّحُ إليهِ الهمسات. لقدْ كانَ ابنهُ غارقاً في بحرٍ منَ الملذّاتِ الزائفة، بحرٍ يغرقُ فيهِ الكثيرونَ، وربّما يكونُ أخطرَ منَ الموتِ نفسه.
"ماذا تعني بهذا يا نور؟" سألَ الحاجّ عبد الله، وعيناهُ تتّسعانِ دهشةً وخوفاً. "أيّ لذّةٍ تتحدثُ عنها؟"
بدا على نورٍ وجهٌ أشدّ شحوباً، وعيناهُ تجمّدتْ في مكانهما. "إنّها... المخدراتُ يا أبي." قالَ بصوتٍ مخنوق، وكأنّهُ يلفظُ آخرَ أنفاسهِ.
شعرَ الحاجّ عبد الله وكأنّ الأرضَ انشقّتْ وابتلعتهُ. لمْ يستطعْ أنْ ينبسَ ببنتِ شفة. لقدْ كانتْ الكلمةُ ثقيلةً، مريرةً، تدمّرُ كلَّ ما بناهُ طوالَ عمرهِ. نظرَ إلى ابنهِ، هذا الشابُّ الذي كانَ أملهُ الوحيد، وقدْ أصبحَ أسيراً لآفةٍ قذرة، آفةٍ لا ترحم، لا تميّز، ولا تبقي ولا تذر.
"المخدرات؟" كرّرَ الحاجّ عبد الله الكلمةَ وكأنّهُ يذوقُ مرارتها. "هلْ أنتَ جادٌ يا نور؟ هلْ أنتَ غارقٌ في هذا المستنقع؟"
أومأَ نورٌ برأسهِ ببطءٍ، ورأى الحاجّ عبد الله في عينيهِ صورةَ نفسه، صورةَ إنسانٍ فقدَ السيطرة، وفقدَ الطريق. "لقدْ بدأتُ... قليلاً. ثمّ أصبحَ الأمرُ لا يُحتمل. كلُّ شيءٍ يصبحُ سهلاً معها. لا أشعرُ بالهموم، لا أشعرُ بالضغط."
"الضغطُ هوَ ما يجعلُ الإنسانَ أقوى يا نور! والمسؤوليةُ هيَ ما تبني الرجال! ما الذي تفعلُهُ بنفسكَ؟" صرخَ الحاجّ عبد الله، وقدْ انفجرَ غضبهُ المكبوت.
"لا أستطيعُ التوقف، أبي. لقدْ حاولتُ." قالَ نورٌ والدموعُ تنهمرُ على خدّيهِ. "إنّها أقوى منّي."
"أقوى منك؟" صاحَ الحاجّ عبد الله، واقتربَ منهُ. "هلْ نسيتَ منْ أنتَ؟ هلْ نسيتَ ما تعلّمتَ؟ هلْ نسيتَ ربّكَ؟"
"أتذكّرُ كلَّ شيء، أبي. لكنّني... أشعرُ بأنّي أتعفنُ منَ الداخل. وهذهِ... هذهِ هيَ الطريقةُ الوحيدةُ لأشعرَ بشيءٍ آخر."
أحسّ الحاجّ عبد الله بانهيارٍ داخلي. لقدْ كانَ يبني قصراً منَ الأحلامِ على أساسٍ هشّ. كانَ يتصوّرُ نورَ شاباً صالحاً، متديناً، يمثّلُه خيرَ تمثيل، فإذا بهِ يجدُهُ في أسفلِ سافلين.
"هذا ليسَ حلاً يا نور. هذا هلاكٌ. هذا دمارٌ. هلْ تركتَ أمّكَ؟ هلْ فكّرتَ في سمعةِ عائلتِنا؟ هلْ فكّرتَ في آخرتِكَ؟"
"أنا... أنا خائفٌ يا أبي. خائفٌ جداً." قالَ نورٌ، وكأنّهُ يعترفُ بذنبهِ الأعظم.
"الخوفُ مطلوبٌ في معصيةِ الله، لا في ارتكابِها!" قالَ الحاجّ عبد الله، وهوَ يشعرُ بالوهنِ يتملّكُه. "يجبُ أنْ نفعلَ شيئاً. يجبُ أنْ نجدَ لكَ علاجاً. هذهِ ليستْ حياةً. هذهِ مجرّدُ وهمٍ زائلٍ سيودي بكَ إلى التهلكة."
نهايةُ الفصلِ تركتْ الحاجّ عبد الله يصارعُ أفكارهُ المظلمة، وقلبهُ المليءُ بالأسى على فلذةِ كبده. لقدْ انكشفَ أمامهُ وجهٌ قبيحٌ للحياة، وجهٌ كانَ يحسبُ أنّهُ بمنأىً عنهُ، ولكنّهُ الآنَ يقفُ على أعتابِ بيتهِ، يهدّدُ بتدميرِ كلِّ شيء. ترى هلْ سيتمكّنُ الحاجّ عبد الله منْ إنقاذِ ابنهِ منْ هذا الجحيم؟ وهلْ سينجحُ نورٌ في استعادةِ السيطرةِ على حياتهِ، أمْ سيظلُّ أسيراً لهذا السرابِ اللعين؟