حياة بسيطة
خيوطٌ متشابكة
بقلم وليد المرح
كانَ الصباحُ يأتي إلى بيتِ الحاجّ عبد الله محمّلاً بعبءٍ أثقلَ منَ الأمس. الشمسُ التي كانتْ تبثُّ الدفءَ والأمل، بدتْ الآنَ شاحبةً، كسائرِ الأشياءِ في البيت. بعدَ المواجهةِ الصادمةِ معَ نور، باتَ الحاجّ عبد الله لا يعرفُ كيفَ يبدأ. لقدْ كانَ يفكّرُ في حلولٍ كثيرة، لكنّها كلّها كانتْ تبدو قاصرةً أمامَ هذا الشرّ المستطري.
اجتمعَ الحاجّ عبد الله والسيدةَ فاطمةِ في غرفةِ المعيشة، وهما في حالةٍ منَ الذهولِ والحزنِ العميق. بدتْ السيدةُ فاطمةُ وكأنّ الزمنَ قدْ سرقَ منها سنواتٍ عديدةً في ليلةٍ واحدة. عيناها حمراوانِ منَ البكاء، وتلفُّ يديها حولَ صدرها وكأنّها تحاولُ أنْ تحمي قلبها المكسور.
"كيفَ حدثَ هذا يا عبد الله؟" سألتْ بصوتٍ يرتجف. "كنتُ أرى نورَ مختلفاً. كنتُ أراهُ ملتزماً، وسيماً، وسيصبحُ رجلاً صالحاً. كيفَ وصلَ إلى هذا؟"
لمْ يجدِ الحاجّ عبد الله كلماتٍ تواسيها، فقدْ كانَ هوَ نفسه يصارعُ هذا السؤالَ المرير. "لا أعلمُ يا فاطمة. ربّما... ربّما انحرفَ عنِ الطريقِ في مرحلةٍ ما. ربّما شعرَ بضغوطٍ لمْ نستطعْ نحنُ أنْ نراها."
"ضغوط؟" تساءلتْ السيدةُ فاطمةُ بمرارة. "إنّنا لمْ نبخلْ عليهِ بشيء. حبٌّ، رعايةٌ، تعليمٌ، كلُّ شيءٍ أرادهُ كانَ بينَ يديهِ."
"ربّما ليستِ المادّةُ هيَ المشكلة، يا فاطمة. ربّما هيَ مشكلةٌ في الروح. مشكلةٌ في الفراغِ الذي يشعرُ بهِ الإنسانُ أحياناً." قالَ الحاجّ عبد الله، وهوَ يفكرُ في عالمِ الشبابِ المليءِ بالتحديات.
"يجبُ أنْ نساعدهُ. يجبُ أنْ ننقذهُ." قالتْ السيدةُ فاطمةُ بحزمٍ، واستجمعتْ بعضَ قوتها. "هلْ تحدثتَ معهُ عنِ العلاج؟"
"لقدْ أخبرني أنّهُ يحاولُ التوقفَ ولكنّهُ لا يستطيع. سأتصلُ بصديقي الدكتورَ أحمد، طبيبٌ معروفٌ بخبرتهِ في هذهِ الأمور. سمعتُ أنّهُ يساعدُ الكثيرين."
"اللهُ في عونِنا. اللهُ وحدهُ القادرُ على تغييرِ الأحوال." تنهدتْ السيدةُ فاطمةُ، وهيَ ترفعُ يديها بالدعاء.
في غضونِ ذلك، كانَ نورٌ مستيقظاً، يقلّبُ وجههُ في فراشه. لقدْ شعرَ بوخزةِ الندمِ تتسلّلُ إلى روحهِ بعدَ اعترافهِ لأبيهِ، لكنّ الشعورَ بالضعفِ والإدمانِ كانَ أقوى. كانَ يكرهُ ما أصبحَ عليه، ويكرهُ ضعفهُ، ويكرهُ الألمَ الذي سبّبَهُ لوالديه. لكنّ الرغبةَ كانتْ تغذّيها، وتجعلُهُ يبحثُ عنْ أيِّ وسيلةٍ لتخفيفِ وطأتها.
في الظهيرة، أتتْ السيدةُ سلوى، أختُ السيدةِ فاطمة، تزورهمْ كعادتها. كانتْ سلوى امرأةً حكيمةً، ذاتَ قلبٍ كبير، وتتمتّعُ بفراسةٍ عجيبة. منذُ دخولها، شعرتْ بوجودِ جوٍّ منَ الكآبةِ والحزنِ لمْ يعتدهُ البيت.
"ما الأمر؟" سألتْ سلوى، وقدْ لاحظتْ شحوبَ وجهِ الحاجّ عبد الله، وعينَي السيدةِ فاطمةِ المحمرّتين. "هلْ حدثَ مكروه؟"
ترددَ الحاجّ عبد الله في البداية، فهو لمْ يكنْ يرغبُ في أنْ ينتشرَ الخبر، لكنّ السيدةَ فاطمةَ، بقلبها الأموميّ، لمْ تستطعْ أنْ تخفي ما تعاني. "لقدْ اكتشفنا أمراً صعباً جداً يا سلوى. نور... نورُ لديهِ مشكلةٌ معَ المخدرات."
تجمّدتْ سلوى في مكانها، وبدتْ عليها علاماتُ الصدمةِ الشديدة. "ماذا؟ نور؟ ابنُ الحاجّ عبد الله؟ هذا غيرُ ممكن!"
"للأسف، إنهُ أمرٌ واقع." قالَ الحاجّ عبد الله، وقدْ شعرَ بأنّ ثقلَ السرِّ قدْ خفّ قليلاً بعدَ أنْ شاركَهُ معَ شخصٍ آخر.
"اللهُ المستعان. هذهِ مصيبةٌ عظيمة." قالتْ سلوى، وهيَ تمسكُ بيدِ السيدةِ فاطمة. "لكنّ لا تيأسوا. اللهَ لمْ يجعلْ داءً إلاّ وجعلَ لهُ دواء. يجبُ أنْ تتّبعوا الأسباب."
"لقدْ تحدثتُ معَ الدكتورِ أحمد، وسنذهبُ بنورٍ إليهِ غداً." قالَ الحاجّ عبد الله.
"هذا جيّد. يجبُ أنْ تتحلّوا بالصبرِ والعزيمة. والأهمُّ منْ ذلك، أنْ تدعوا لهُ كثيراً." قالتْ سلوى. "هلْ تعرفونَ متى بدأَ الأمر؟"
"لا نعلمُ بالضبط، لكنّنا لاحظنا التغييرَ منذُ فترة." أجابَ الحاجّ عبد الله.
"منْ الممكنِ أنْ يكونَ قدْ تعرّفَ على بعضِ الأصدقاءِ السوء. الشبابُ في هذا العمرِ يكونونَ عرضةً للتأثير." قالتْ سلوى. "هلْ لديكَ أيُّ فكرةٍ عنْ أصدقائهِ الجدد؟"
"لمْ يخبرنا شيئاً. إنّهُ منعزلٌ عنّا." قالَ الحاجّ عبد الله.
"يجبُ أنْ نحاولَ أنْ نعرفَ. معرفةُ الدائرةِ التي يتحرّكُ فيها قدْ تساعدنا كثيراً في العلاج." قالتْ سلوى. "سأحاولُ أنْ أتحدّثَ معَ بعضِ الناسِ الذينَ قدْ يكونونَ على اطّلاعٍ."
هذهِ الفكرةُ أضاءتْ بارقةَ أملٍ في نفسِ الحاجّ عبد الله. لقدْ شعرَ بأنّهُ ليسَ وحيداً في هذهِ المعركة. وجودُ سلوى، بحكمتها وقدرتها على التأثير، بدا وكأنّهُ نعمةٌ منَ الله.
في المساء، حاولتْ السيدةُ فاطمةُ أنْ تتحدّثَ إلى نور، لكنّها لمْ تجدْ منهُ إلاّ الصمتَ واللامبالاة. كانَ يبدو وكأنّهُ في عالمٍ آخر، عالمٌ لا يمكنُ لأحدٍ أنْ يصلَ إليه. لقدْ حزنتْ أمّهُ كثيراً، لكنّها لمْ تيأس. تذكرتْ حديثَ سلوى عنِ الدعاء، فرفعتْ يديها، ودعتْ منْ كلِّ قلبها أنْ يهديَ اللهُ ابنها، وأنْ يعينهمْ على تجاوزِ هذهِ المحنة.
في تلكَ الليلة، لمْ يستطعْ نورُ أنْ ينامَ. كانَ يشعرُ بثقلِ عينيهِ، لكنّ عقلهُ كانَ يعصفُ بالأفكار. لقدْ رأى في عينيّ والديهِ ألفَ سؤالٍ، ألفَ لوم، لكنّهُ رأى أيضاً ألفَ حبٍّ وألفَ أمل. هذهِ الرؤيةُ بدأتْ تُحدثُ تغييراً طفيفاً في أعماقِهِ. بدأَ يشعرُ بأنّ هذهِ الحياةَ التي يعيشها، ليستْ هيَ الحياةَ التي يريدها حقاً.
لكنّ خيوطَ الإدمانِ كانتْ متشابكةً ومعقّدة. لمْ يكنْ الأمرُ سهلاً، ولمْ يكنْ القضاءُ عليهِ ممكناً بقرارٍ واحد. لقدْ كانَ يحتاجُ إلى مساعدةٍ، إلى دعمٍ، إلى قوةٍ لا يملكها الآن.
معَ بزوغِ الفجر، شعرَ نورٌ ببعضِ الراحة. لقدْ اتخذَ قراراً. قراراً قدْ يكونُ صعباً، لكنّهُ ضروري. لقدْ قررَ أنْ يعطيَ نفسهُ فرصةً أخرى، فرصةً ليحاربَ هذا الشرّ الذي يلتهمهُ.
نهايةُ الفصلِ تركتْ القارئَ يتساءلُ عنْ مصيرِ نور. هلْ سينجحُ في البدءِ بعمليةِ العلاج؟ هلْ ستتضافرُ جهودُ أسرتهِ وسلوى في إنقاذِهِ؟ أمْ أنّ خيوطَ الإدمانِ ستظلُّ أقوى، وسيبتلعُ نورٌ في أعماقِها؟