الفصل 7 / 25

حياة بسيطة

مرارةُ التغيير

بقلم وليد المرح

كانَ لقاءُ نورٍ بالدكتورِ أحمدِ أشبهَ بوقوفِ متّهمٍ أمامَ قاضٍ، إلاّ أنّ القاضي هنا كانَ يحملُ في عينيهِ مزيجاً منَ التعاطفِ والحكمة. الدكتورُ أحمد، رجلٌ في أواخرِ الخمسينيات، ذو لحيةٍ بيضاءَ وشعرٍ بدأَ يخفُّ، كانَ يبدو وكأنّهُ يحملُ خبرةَ السنينِ في معالجةِ الأرواحِ المتعبة.

جلسَ نورٌ أمامَهُ، وقلبُهُ يخفقُ بشدة. لقدْ كانَ يشعرُ بحرجٍ شديد، وبخجلٍ عميقٍ منْ وضعهِ. لكنّ هدوءَ الدكتورِ أحمدِ واستقبالهُ اللطيفَ أخذا يخفّفانِ منْ وطأةِ الأمر.

"أهلاً بكَ يا نور." قالَ الدكتورُ أحمدَ بصوتٍ دافئ. "أعلمُ أنّ هذا ليسَ باللقاءِ السهل. لكنّك قمتَ بالخطوةِ الأولى، وهذا بحدِّ ذاته شجاعةٌ كبيرة."

"شكراً لكَ يا دكتور." قالَ نورٌ بصوتٍ خافت.

"لماذا أنتَ هنا يا نور؟" سألَ الدكتورُ أحمدَ، ليسَ بسؤالٍ يحملُ اتهاماً، بل بسؤالٍ يفتحُ بابَ الحوار.

بدأَ نورٌ يتحدثُ، في البدايةِ بكلماتٍ متقطعة، ثمّ بطلاقةٍ أكبر، شارحاً رحلتهُ معَ المخدرات. لقدْ كانتْ رحلةً بدأتْ بدافعِ الفضول، وتطوّرتْ إلى تعلقٍ، ثمّ إلى إدمانٍ لا يقوى على مقاومته. تحدّثَ عنِ الضغوطِ النفسيةِ التي كانَ يشعرُ بها، عنِ الوحدةِ رغمَ وجودِ عائلتهِ، وعنِ اللذةِ الزائفةِ التي وجدها في هذهِ المواد، والتي كانتْ تُنسيهِ همومَ الدنيا.

"في البداية، كنتُ أتناولها لأشعرَ بالنشوة، لأنسى. ثمّ أصبحتْ أحتاجُها لأشعرَ بأنّي طبيعي. ثمّ أصبحَ الأمرُ يسيطرُ على كلِّ حياتي." قالَ نورٌ، وعيناهُ تنظرانِ إلى الأرض. "لقدْ فقدتُ السيطرةَ تماماً."

"هلْ تعرفُ لماذا بدأتْ هذهِ الضغوط؟" سألَ الدكتورُ أحمد. "هلْ كانَ هناكَ شيءٌ معينٌ يحدثُ في حياتكَ؟"

فكّرَ نورٌ قليلاً. "ربّما... ربّما شعرتُ بأنّي لستُ على قدرِ التوقعات. أبي رجلٌ عظيم، ولهُ سمعةٌ طيبة. وأنا... أنا أشعرُ أحياناً بأنّي لا أستطيعُ أنْ أصلَ إلى هذا المستوى. هناكَ خوفٌ منَ الفشل، وخوفٌ منَ خذلانِهم."

"وهلْ تعتقدُ أنّ هذهِ الموادَ كانتْ الحلّ؟"

"لا. بالطبعِ لا. لقدْ أصبحتْ هيَ المشكلةُ الكبرى. لقدْ فقدتُ كلَّ شيءٍ تقريباً. دراستي، علاقاتي، احترامي لذاتي... كلَّ شيء."

"وهذا هوَ بيتُ القصيد يا نور. الإدمانُ هوَ قناعٌ يخفي ألماً أعمق، ولكنهُ في نفسِ الوقتِ يخلقُ ألماً جديداً، ألماً يفوقُ الألمَ الأول. مهمّتنا هنا هيَ أنْ نكشفَ هذا القناع، وأنْ نتعاملَ معَ الألمِ الأصلي، وأنْ نبنيَ لديكَ الأدواتِ اللازمةَ لمواجهةِ الحياةِ بدونِ هذا القناع."

شرحَ الدكتورُ أحمدُ لنورٍ خطةَ العلاج، والتي تتضمّنُ جلساتٍ نفسيةٍ فرديةٍ وجماعية، بالإضافةِ إلى الدعمِ الدوائيِّ في بعضِ المراحل. لقدْ كانتْ الخطةُ طموحةً، وشعرَ نورٌ بأنّها تتطلّبُ منهُ جهداً كبيراً.

"هلْ أنتَ مستعدٌ للمواجهةِ يا نور؟" سألَ الدكتورُ أحمد، وعيناهُ ثابتتانِ على عينَي نور. "المواجهةُ ستكونُ صعبةً. ستشعرُ بالألم، وبالقلق، وربّما باليأس. لكنّي أؤكّدُ لكَ، أنّ النهايةَ تستحقُّ العناء."

"أنا... أنا مستعدٌّ للمحاولة." قالَ نورٌ، وبدأتْ شرارةُ الأملِ تتوهّجُ في داخله.

بعدَ الجلسة، خرجَ نورٌ منْ عيادةِ الدكتورِ أحمدِ وهوَ يشعرُ ببعضِ التعب، ولكنْ بشعورٍ مختلف. شعورٌ بالوضوح، وبالرغبةِ في التغيير. لقدْ بدأتْ مرارةُ الاعترافِ تتحوّلُ إلى مرارةِ التغيير، وهوَ أمرٌ محمود.

في هذهِ الأثناء، كانتْ سلوى تبذلُ قصارى جهدها. لقدْ تحدثتْ إلى بعضِ معارفها في الحي، ممّنْ يعرفونَ شبابَ المنطقة. أخيراً، حصلتْ على بعضِ المعلوماتِ التي أثارتْ قلقها. يبدو أنّ نورَ كانَ يقضي وقتاً معَ مجموعةٍ منَ الشبابِ الذينَ يعرفونَ بسوءِ سلوكهم، ويتردّدونَ على أماكنَ مشبوهة.

"هذا أمرٌ خطير." قالتْ سلوى للحاجّ عبد الله والسيدةِ فاطمة. "يجبُ أنْ نراقبَ تحركاتِهِ بدقّة. وربّما نحتاجُ إلى تدخّلٍ أكبر."

"ما الذي تقترحينهُ؟" سألَ الحاجّ عبد الله، وقدْ شعرَ بأنّ شبكةَ المشاكلِ تتعقّد.

"يجبُ أنْ نكونَ حذرين. لا نريدُ أنْ نسبّبَ لهُ المزيدَ منَ النفور. لكنّنا لا نستطيعُ أنْ نتركهُ فريسةً سهلة." قالتْ سلوى. "ربّما نحتاجُ إلى التحدّثِ معَ والديهِ هؤلاءِ الشباب، إذا عرفناهم. لكنّ هذا قدْ يعرّضنا للمشاكل."

"الخطرُ قائمٌ بالفعل." قالَ الحاجّ عبد الله. "لكنّنا سنبذلُ ما في وسعنا."

شعرَ نورٌ بأنّ الأمورَ بدأتْ تتغيّرُ حولهُ. لقدْ لاحظَ نظراتِ والديهِ الحذرة، وبعضَ الأسئلةِ غيرِ المباشرةِ التي كانتْ تُطرحُ عليه. لقدْ بدأَ يشعرُ بأنّهمْ يراقبونَهُ، وهذا جعلَهُ يتذكّرُ كمْ كانَ قوياً عندما كانَ يخفي كلَّ شيء.

ولكنّ هذهِ المراقبةَ لمْ تكنْ قاسيةً. لقدْ رأى فيها حباً، ورغبةً في الحماية. وهذا الحبُّ بدأَ يُذيبُ جليدَ اليأسِ في قلبه.

في إحدى جلساتهِ معَ الدكتورِ أحمد، تحدّثَ نورٌ عنِ الخوفِ الذي يشعرُ بهِ منْ مستقبلِهِ. "أنا خائفٌ يا دكتور. خائفٌ منْ أنْ أفشلَ في العلاج. خائفٌ منْ أنْ أعودَ إلى ما كنتُ عليه. وخائفٌ منْ نظرةِ الناسِ إليّ."

"الخوفُ جزءٌ طبيعيٌّ منَ العملية، يا نور. لكنّنا يجبُ أنْ نحاولَ أنْ نجعلهُ دافعاً لكَ، لا عائقاً. أنتَ لستَ وحدكَ في هذهِ الرحلة. لديكَ عائلتكَ، ولديكَ أصدقاءُ جددٌ في مجموعاتِ الدعم، ولديكَ أنا. نحنُ هنا لنساعدكَ."

"لكنّني أخشى أنْ أكونَ عبئاً عليهم."

"ليسَ هذا صحيحاً. أنتَ لستَ عبئاً. أنتَ شخصٌ يحتاجُ إلى المساعدة، ونحنُ قادرونَ على تقديمِها. إنّما العبءُ الحقيقيُّ هوَ أنْ تتركَ نفسك تضيع. وأنْ تتركَ الألمَ يتفشّى."

بدأَ نورٌ يشعرُ بأنّ هناكَ بصيصَ نورٍ خافتٍ يلوحُ في نهايةِ النفق. لكنّهُ كانَ يعلمُ أنّ الطريقَ لا يزالُ طويلاً، وأنّ المعركةَ معَ إدمانِهِ لنْ تكونَ سهلة. مرارةُ التغييرِ كانتْ لا تزالُ حاضرة، لكنّها بدأتْ تُشعرُهُ بقيمةِ الحياةِ الحقيقية.

نهايةُ الفصلِ تركتْ القارئَ يتوقُ لمعرفةِ كيفَ ستتطورُ رحلةُ علاجِ نور. هلْ سيتمكّنُ منْ تجاوزِ هذهِ المرحلةِ الصعبة؟ وهلْ ستنجحُ جهودُ سلوى في كشفِ دائرةِ سوءِ السلوكِ التي كانَ نورٌ يرتادها؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%