حياة بسيطة
بوادرُ الصلاحِ وخفايا الشرّ
بقلم وليد المرح
بدأتْ أيامُ نورٍ تتّسمُ ببعضِ الروتينِ الجديد. جلساتُ العلاجِ معَ الدكتورِ أحمد، والقراءةُ في كتبٍ عنْ مساعدةِ الذات، ومحاولاتٌ خجولةٌ لاستعادةِ بعضٍ منْ عاداتِهِ القديمةِ الطيبة. كانَ يشعرُ أحياناً بانتكاساتٍ صغيرة، بلحظاتٍ ضعفٍ يتمنّى فيها لو يعودُ إلى عالمِ النسيانِ المؤقت، لكنّ الوعيَ المتزايدَ بخطورةِ ما كانَ يفعلهُ، كانَ يمنعُهُ منَ الغرقِ مجدداً.
والداهُ، الحاجّ عبد الله والسيدةَ فاطمة، كانا يشعرانِ ببعضِ الارتياح، رغمَ قلقهما المستمر. لقدْ رأوا في ابنهما بعضَ التغيير، بعضَ الاستجابةِ للعلاج. وهذا كانَ كافياً ليبثّ فيهما الأمل. لكنّ التحدّيَ الأكبرَ كانَ لا يزالُ قائماً: كيفَ يضمنونَ أنْ لا يعودَ نورٌ إلى تلكَ الدائرةِ الخطرة؟
في هذهِ الأثناء، لمْ تقفْ سلوى مكتوفةَ الأيدي. لقدْ أصرّتْ على معرفةِ هويّةِ الشبابِ الذينَ كانَ نورٌ يحتكُّ بهم. وبعدَ متابعةٍ حثيثةٍ، ومعلوماتٍ سربتها إليها بعضُ النسوةِ اللاتي سمعنَ الهمسات، استطاعتْ أنْ تحدّدَ اسمَ شابٍ يُدعى "مروان"، وهوَ معروفٌ في الحيّ بسلوكهِ المشبوهِ وتردّدهِ على أماكنَ غيرِ لائقة. يبدو أنّ مروانَ هذا هوَ الذي كانَ الوسيطَ لنورٍ في الحصولِ على الموادِّ المخدرة.
"علينا أنْ نفعلَ شيئاً حيالَ هذا مروان." قالتْ سلوى بجديةٍ في اجتماعٍ عائليٍّ مصغّر. "إذا لمْ نمنعهُ منَ الاقترابِ منْ نور، فإنّ جهودَنا ستكونُ بلا جدوى."
"ولكنْ كيف؟" سألَ الحاجّ عبد الله. "ليسَ لدينا دليلٌ قاطع. وقدْ يسبّبُ لنا هذا المزيدَ منَ المشاكل."
"أعلمُ ذلك. لكنّني لا أريدُ أنْ أرى نورَ يقعُ في الفخِّ مرةً أخرى." قالتْ سلوى. "ربّما علينا أنْ نستعينَ بشخصٍ ذي نفوذٍ في الحيّ، شخصٌ يحترمُهُ الجميع، ويمكنهُ التحدّثُ إليهِ بجدية."
"منْ برأيكِ؟" سألَ الحاجّ عبد الله.
"الشيخَ سالم. إنّهُ رجلٌ فاضلٌ، يحبُّ الخيرَ للجميع. وكلمتهُ مسموعةٌ عندَ الشباب."
كانتْ فكرةً وجيهة. الشيخُ سالمُ كانَ معروفاً بحكمتهِ وعدلهِ، وكانَ لهُ تأثيرٌ إيجابيٌّ على الكثيرينَ في الحيّ. قرّرَ الحاجّ عبد الله أنْ يتّصلَ بالشيخِ سالمِ ويشرحَ لهُ الوضعَ.
في غضونِ ذلك، كانَ نورٌ يشعرُ بتغييرٍ في طبيعةِ علاقاتهِ. لقدْ بدأَ يرى بعضَ أصدقائهِ القدامى، الذينَ كانوا قدْ ابتعدوا عنهُ بسببِ سلوكهِ، يعودونَ ببطءٍ إليه. كانَ هناكَ شبابٌ في الحيّ، يعرفونَ قصّةَ نورٍ، ويحاولونَ دعمه. وهذهِ العلاقاتُ الجديدةُ كانتْ تبعثُ فيهِ شعوراً بالدفءِ والقبول، لمْ يشعرْ بهِ منذُ فترةٍ طويلة.
وذاتَ مساء، وبينما كانَ نورٌ عائداً منْ إحدى جلساتِ العلاج، صادفَ مروانَ عندَ مدخلِ الحيّ. بدا مروانُ كعادتهِ، بملامحِهِ الحادةِ وعينيهِ اللامعتينِ بشيءٍ منَ الخبث.
"ماذا عنكَ يا نور؟" قالَ مروانُ بابتسامةٍ ساخرة. "لمْ أركَ منذُ فترة. هلْ اشتقتَ لي؟"
شعرَ نورٌ بغصةٍ في حلقه. كانَ يدركُ أنّ هذا الرجلَ هوَ أحدُ أسبابِ معاناتهِ. لكنّهُ تذكّرَ كلماتِ الدكتورِ أحمد: "لا تسمحْ لأحدٍ أنْ يعودَ بكَ إلى الوراء."
"لا يا مروان. لمْ أشتقْ إليكَ." قالَ نورٌ بجدية، وكانَ صوتهُ أكثرَ ثباتاً ممّا توقّع. "لقدْ بدأتُ حياةً جديدة."
تفاجأَ مروانُ بردِّ فعلِ نور. "حياةٌ جديدة؟ وماذا تعني بهذا؟ هلْ ستصبحُ شيخاً الآن؟"
"سأصبحُ إنساناً أفضل. إنساناً لا يخافُ منْ مواجهةِ الحياةِ بعقلٍ سليمٍ وقلبٍ قوي." قالَ نورٌ، وشعرَ بقوةٍ تنبعُ منْ داخله.
نظرَ مروانُ إلى نورٍ بنظرةٍ غريبة، فيها مزيجٌ منَ الاستغرابِ والازدراء. "لا تكنْ ساذجاً يا نور. الحياةُ لا ترحم. وإذا لمْ تستمتعْ بها الآن، متى ستستمتع؟"
"أنا أستمتعُ بطريقةٍ أخرى. طريقةٌ لا تدمرني." قالَ نورٌ، وبدأَ يمشي مبتعداً.
"ستندمُ على هذا الكلام!" صرخَ مروانُ خلفهُ، لكنّ نوراً لمْ يلتفت. كانَ يشعرُ بأنّ انتصارهُ على مروانَ لمْ يكنْ في المواجهةِ الكلامية، بل في قدرتهِ على تجاهلهِ والمضيِّ قدماً.
بعدَ هذهِ الحادثة، أصبحَ الحاجّ عبد الله وسلوى أكثرَ قلقاً. لقدْ أ