حياة بسيطة
همسات الشك في بستان الياسمين
بقلم وليد المرح
كانت نسمات الهواء العليلة التي تعبر بستان الياسمين في منزل عماد تحمل معها عبق الزهور الممزوج بعبق التراب الندي، إلا أن هذه الرائحة الزكية لم تستطع أن تزيح غيمة القلق التي بدأت تتكثف فوق قلب سلمى. منذ أن رأت رسالة غادة الملقاة على طاولة القهوة، والتي تحمل كلمات تبدو عادية لولا نظرات غادة المتوترة وخجلها المتصنع عند سؤاله عنها، بدأت شكوكها تتسلل كالنمل في أرض جافة. "هل هناك ما تخفيه عني؟" همست لنفسها وهي تعبث بأوراق وردة بيضاء، تتتبع خطوط عروقها الدقيقة كما تتتبع خطوط التساؤلات في ذهنها.
لم تكن سلمى غيورة بطبعها، بل كانت واثقة من حبها لعماد ومن صدق مشاعرها، لكن سر غادة المفاجئ، والذي أصبحت تتظاهر بالصحة والنشاط رغم علامات الإرهاق الواضحة، أثار فيها شعورًا غريبًا. كانت ترى عماد، زوجها الحنون، يتفانى في خدمتها، يحضر لها أطيب الطعام، ويستجيب لكل طلباتها بصبر وتفهم، حتى أنه بدأ يقضي ساعات أطول في مكتبه، يغلق على نفسه الباب دون سبب ظاهر. كان هذا التغيير في سلوكه، الممزوج ببعض التشتت الذي لاحظته مؤخرًا، يزيد من حيرتها.
في صباح اليوم التالي، قررت سلمى أن تتصرف. لم تستطع تحمل المزيد من التخمينات. توجهت إلى سوق الخضار، حيث اعتادت أن تلتقي بصديقتها القديمة فاطمة، زوجة أحد تجار الأقمشة المعروفين في الحي. جلست معها في مقهى صغير يعلو واجهة دكانه، وبينما كانت الأكواب تفور بالقهوة المرة، بدأت سلمى تنسج خيوط حديثها بحذر.
"كيف حال زوجك يا فاطمة؟ سمعت أن تجارته رائجة هذه الأيام." بدأت سلمى، تسترق النظر إلى وجه فاطمة بحثًا عن أي إشارة. "الحمد لله، يسعى ويجتهد، وكما تعلمين، التوفيق من الله. لكن، هل هناك ما يشغل بالك يا سلمى؟ أرى أن عينيك تحملان ثقلًا لم أعهده." ردت فاطمة، تلمح إلى صديقتها بنظرة فيها ود. أخذت سلمى نفسًا عميقًا. "يا فاطمة، أنتِ الوحيدة التي أثق بها في هذا الموضوع. هناك أمر يخص غادة، شقيقة عماد. أخشى أن يكون هناك شيء لا أعلمه." بدأت سلمى بسرد تفاصيل ملاحظاتها، ابتداءً من الرسالة الغامضة، مرورًا بتغير سلوك غادة، وصولًا إلى انشغال عماد المتزايد. تنهدت فاطمة. "يا سلمى، أحياناً لا يكون وراء الأشياء ما نظنه. غادة فتاة رقيقة، ولعلها تمر بظرف خاص. أما عماد، فهو زوج صالح، وقد يكون لديه ما يشغله في عمله. هل فكرتِ في التحدث إليه مباشرة؟" "حاولت، لكنه يتهرب من الإجابة، ويقول إنها أمور تتعلق بمسؤولياته. وهذا يزيد من قلقي." اعترفت سلمى، وقد اتسعت حدقتاها ببعض الدموع التي حاولت حبسها. "لا ترهقي قلبك بهذه الظنون. لعل الأمر أبسط مما تتصورين. هل أخبرتك غادة بشيء عن حياتها الشخصية؟ هل لديها خطيب أو شخص تهتم به؟" سألت فاطمة، تحاول أن تجد مسارًا منطقيًا للأمر. "لم تخبرني بشيء. وهي عادة ما تشاركني تفاصيلها الصغيرة، وهذا صمتها مفاجئ." أجابت سلمى، وهي تشعر بأن شكوكها تتغذى على كل معلومة جديدة.
في تلك الأثناء، كان عماد يشعر بثقل مسؤولية أخرى تتزايد عليه. لم يكن ما يقلقه مجرد عمله، بل كانت صحة غادة، التي ساءت بشكل مفاجئ في الأيام الأخيرة. لقد اكتشف أنها تعاني من مرض خطير، وأنها كانت تخفي عنه وعن عائلتها الأمر لحمايتهم من الحزن، ولتجنب أن تكون عبئًا عليهم. الرسالة التي وجدتها سلمى كانت من طبيب، يبلغها بضرورة إجراء فحوصات إضافية. وعمله المتزايد كان نتيجة بحثه عن أفضل الأطباء وأمهرهم، وترتيبه لمواعيد سرية، محاولًا قدر الإمكان ألا يثير شكوك أحد، وخاصة سلمى. كان يشعر بالذنب لتضليله إياها، لكنه كان يعتقد أن هذه هي الطريقة الوحيدة لحمايتها من الألم.
في المنزل، وبينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، دخلت سلمى إلى غرفة غادة، وجدتها شاحبة الوجه، وتستند على الوسائد. "كيف حالك يا حبيبتي؟" سألت سلمى، محاولة أن تبدو طبيعية، رغم اضطرابها الداخلي. نظرت غادة إلى سلمى بعينين مرهقتين. "أنا بخير يا سلمى، مجرد تعب بسيط." "تعب بسيط؟ يا غادة، أنتِ بالكاد تنهضين من سريرك. وما هذا الوجه الشاحب؟" اقتربت سلمى، ووضعت يدها على جبين غادة. لم تشعر بحرارة، لكنها شعرت ببرودة غريبة. "لا تقلقي يا سلمى، هذا مجرد إرهاق. أشعر بأنني بحاجة للراحة." قالت غادة، محاولة أن تبتسم. "أعلم يا غادة. ولكن، هل هناك شيء آخر؟ هل أنتِ بخير حقاً؟" سألت سلمى، تتفحص ملامح غادة بدقة. ترددت غادة للحظة، نظرت حولها كأنها تبحث عن مخرج، ثم قالت بخفوت: "صدقيني يا سلمى، كل شيء سيكون على ما يرام."
تركت سلمى غادة، لكنها لم تشعر بالاطمئنان. خرجت إلى الشرفة، ونظرت إلى زرقة السماء التي بدأت تتلون بلون الشفق. كانت تعلم أن هناك سرًا، وأن هذا السر له علاقة بعماد وغادة. كانت تشعر بالوحدة في مواجهة هذا اللغز، ورغم أنها كانت تعلم أن عماد يحبها، إلا أن هذه الظروف بدأت تلقي بظلال من عدم الثقة على علاقتهما. هل كانت مجرد أوهام؟ أم أن هناك حقًا ما هو أعمق وأخطر مما تتخيل؟ أغمضت عينيها، تستمع إلى حفيف أوراق الياسمين، تلك الهمسات الصامتة التي بدت وكأنها تروي لها قصة لا تفهمها.
في غرفته، كان عماد يقلب في أوراق بحث طبي. الأرقام والمعادلات كانت تتراقص أمام عينيه، لكن عقله كان يسبح في عالم من القلق والخوف. كان يفكر في غادة، وفي مستقبلها، وفي كيف سيواجه سلمى بالحقيقة عندما يحين الوقت. كان الأمر معقدًا، يتطلب تخطيطًا دقيقًا وصبرًا كبيرًا. كان يعلم أن سلمى ستكون متألمة، وأنها ستشعر بالأذى لتكتمانه، لكنه كان يعتقد أن تخفيف الألم عليها هو الأهم في الوقت الحالي.
بينما كانت الأفكار تتصارع في رأسيهما، وبينما كانت السماء تتوشح بثياب الليل، كان بستان الياسمين يشهد صراعًا صامتًا بين الشك واليقين، وبين الحب والخوف، صراع سيكشف عن أبعاده في الفصول القادمة، ويضع علاقتهما على محك حقيقي.