يوم بلا أخطاء الجزء الثالث
العاصفة التي سبقت الهدوء
بقلم سعيد الضحكة
كانت السماء تمطر بغزارة، تتساقط قطراتها كسهام فضية تخترق سدول الليل، لتعبث بسكون المدينة وتوقظ حواس الساكنين. في قلب هذا المشهد الماطر، وقف الأستاذ "أدهم" بثبات، يرتدي معطفه الداكن الذي ابتلّ جزئياً، وعيناه ترصدان الطريق المبلل. كان الانتظار قتلاً بطيئاً، وخاصة عندما تكون على موعد مع مجهول، أو ربما مع ماضٍ يرفض أن يندفن.
"يا رب، اجعلها خيرًا" تمتم لنفسه، وصوته بالكاد استطاع أن يعلو فوق همس المطر المتزايد. كان ينتظر سيارة أجرة، لكنها بدت وكأنها اختفت تمامًا من الوجود. كانت هذه الليلة بالذات محفوفة بالغموض. دعوة غريبة، تحمل توقيعًا مجهولًا، أُرسلت إلى هاتفه تحمل عنوانًا محددًا ووقتًا دقيقًا. شيء في مضمون الدعوة، وفي طبيعة المرسل المجهول، أثار فضوله وقلقه في آن واحد.
كان "أدهم"، في عقده الرابع، أستاذًا جامعيًا لمادة الأدب العربي، معروفًا بهدوئه الشديد، ورزانته، وحكمته التي تجاوزت سنوات عمره. كان يعيش حياة بسيطة ومنظمة، بعيدًا عن صخب الحياة العصرية، يجد متعته في الكتب، والتأمل، ورعاية حديقته الصغيرة. لكن الليلة، كان كل شيء مختلفًا. شعور غريب بالإثارة ممزوج بالرهش كان يتملكه.
لم يكن "أدهم" ممن يصدقون الخرافات أو ينجرفون وراء الأوهام، لكن شيئًا في داخله كان يصرخ بأن هذه الليلة تحمل بين طياتها حدثًا استثنائيًا. كان يعتقد أن الرسالة ربما تكون مزحة من أحد طلابه، لكن الأسلوب الرسمي والغريب للرسالة، والوقت المحدد، جعله يشك في ذلك.
فجأة، انصدم برؤية أضواء سيارة تقترب بسرعة، ولم تكن سيارة أجرة عادية. كانت سيارة فاخرة، داكنة اللون، تسير ببطء شديد، وكأنها تبحث عن شيء. توقفت السيارة أمامه مباشرة، وانفتح زجاج النافذة الأمامية.
"هل أنت الأستاذ أدهم؟" سألت امرأة صوتها بدا مخمليًا رغم برودة الطقس. كانت ترتدي حجابًا أنيقًا، يكشف عن وجه جميل، وعينين واسعتين تحملان بريقًا غامضًا.
أومأ "أدهم" برأسه، وهو يتفحصها بحذر. لم يرها من قبل.
"تفضل بالصعود، لقد تأخرنا." قالت المرأة بابتسامة خفيفة، لم تخلُ من دعوة غامضة.
تردد "أدهم" للحظة، لكن الفضول غلبه. لم يكن لديه خيار آخر في هذه الليلة الماطرة، ومن المحتمل أن تكون هذه السيارة هي الوسيلة الوحيدة التي ستوصله إلى وجهته. فتح الباب وجلس في المقعد الخلفي، ورائحة العطر الفاخر تملأ المكان.
"من أنتِ؟ وما هذه الدعوة؟" سأل "أدهم" بعد أن استقرت السيارة في حركتها، تلتف حول المنعطفات بحرفية عالية.
ابتسمت المرأة مرة أخرى، وقالت: "اسمي 'ليلى'. أما الدعوة، فستعرف كل شيء عندما نصل. فقط أرجو منك أن تتحلى بالصبر، وأن تثق بي."
"ليلى"... اسم جميل، لكنه لم يزد "أدهم" إلا حيرة. من تكون هذه المرأة؟ ولماذا اختارته هو بالتحديد؟
قادت "ليلى" السيارة عبر شوارع المدينة التي بدت وكأنها تعيد ترتيب نفسها تحت وطأة المطر. أضواء المصابيح كانت تتكسر على الأسطح المبتلة، مكونة لوحات فنية سريعة الزوال. كان "أدهم" يتأمل الوجوه المارة في السيارات الأخرى، يبحث عن أي شبه، عن أي خيط يربط هذه الليلة ببقية حياته.
"هل أنتِ مرتبطة بالجامعة؟" سأل "أدهم" محاولًا كسر حاجز الصمت.
"بشكل ما، نعم." أجابت "ليلى" بذكاء، دون أن تكشف عن تفاصيل.
"وهل تعرفين عن أي مشاكل قد أكون فيها؟"
ضحكت "ليلى" ضحكة رقيقة، وقالت: "لا تقلق يا أستاذ أدهم، لا يوجد ما يستدعي القلق. ربما هناك فقط... مفاجأة."
"مفاجأة؟" تكرر "أدهم"، وهو يشعر بقلبه يخفق بسرعة أكبر. كانت المفاجآت في حياته قليلة، ونادرة، وغالباً ما تكون مرتبطة بتقديم جائزة أدبية، أو احتفال بتفوق أحد طلابه. لكن هذه المفاجأة، التي تقوده فيها امرأة غامضة في ليلة ماطرة، كانت تبدو مختلفة تمامًا.
وصلت السيارة إلى منطقة هادئة، بعيدة عن صخب المدينة، حيث تحيط الأشجار الكثيفة بالطرقات. توقفت السيارة أمام منزل قديم، ذي طراز معماري فريد، تلتف حوله أضواء خافتة تبعث شعوراً بالدفء والأمان. كان المنزل يبدو وكأنه خرج من رواية قديمة.
"هذا هو المكان." قالت "ليلى"، وأوقفت السيارة.
نزل "أدهم" من السيارة، وشعر بالهواء البارد يلامس وجهه. نظر إلى المنزل، وقد اختفت عنه دهشة الطريق، ليحل محلها شعور عميق بالفضول.
"هل يجب أن أدخل؟" سأل "أدهم".
"بالطبع، هذا هو سبب وجودنا هنا." قالت "ليلى"، وهي تتقدم نحوه.
فتحت "ليلى" الباب الأمامي الكبير، الذي كان مزخرفًا بنقوش عربية قديمة. انفتح الباب ليُظهر بهوًا واسعًا، مضاءً بلمبات صفراء دافئة، يعبق برائحة البخور والياسمين. في وسط البهو، كانت هناك طاولة مستديرة، يحيط بها كراسٍ أنيقة. وعلى الطاولة، كانت هناك...
"لا يمكن!" تمتم "أدهم" وهو يتقدم بخطوات متثاقلة، لا يصدق ما تراه عيناه.
على الطاولة، لم تكن هناك دعوة، ولا مفاجأة، بل كانت هناك... أوراق. أوراق قديمة، مخطوطات، وكتب لا يعرفها، وكلها تحمل بصمات غريبة. ولكن ما جعله يتجمد في مكانه، هو أنه رأى على الطاولة، فوق كل هذه الأوراق، صورة. صورة قديمة، باللونين الأبيض والأسود، لشاب وفتاة. والفتاة في الصورة... كانت تشبه "ليلى" إلى حد كبير.
"من هذا؟" سأل "أدهم" بصوت مختنق، مشيرًا إلى الصورة.
نظرت "ليلى" إلى الصورة، وابتسمت بحزن. "هذه جدتي، يا أستاذ أدهم. وهذه... هي والدتك."
لم يكن "أدهم" يتوقع هذه الكلمات. لم يكن يتوقع أن تكون هذه الليلة، التي بدأت بمطر عاصف ودعوة غامضة، بداية لاكتشاف أعظم أسرار حياته. كانت العاصفة قد بدأت، لكنه لم يكن يعلم بعد أن الهدوء الحقيقي، أو ربما الهدوء الذي يسبق عاصفة أشد، كان على وشك أن يتكشف.