يوم بلا أخطاء الجزء الثالث

وهمُ الكمال وواقعُ الحياة

بقلم سعيد الضحكة

كانت سعاد، شقيقة زينب الكبرى، تعيش في دوامةٍ من التوقعات. لطالما كانت مثاليةً في أعين أسرتها، ونموذجاً يحتذى به. درجاتها الممتازة في الجامعة، خطبتها الرسمية من الشاب المرموق، خالد، الذي يعمل في مجالٍ مرموقٍ أيضاً، كلها كانت علاماتٍ تدل على أنها تسير على الطريق الصحيح. لكن خلف تلك الواجهة اللامعة، كانت سعاد تحمل عبءَ وهمٍ كاد أن يسحقها: وهمُ الكمال.

في كل خطوةٍ تخطوها، كانت تتخيل ردود أفعال الآخرين، وخاصةً والديها. أي خطأٍ صغيرٍ قد تقع فيه، كان يعني لها نهاية العالم. كانت تقضي ساعاتٍ طويلةٍ في التفكير، في تحليل كل كلمةٍ تقال، وفي محاولةٍ يائسةٍ لتجنب أي انتقادٍ محتمل.

في صباح ذلك اليوم، كانت سعاد تجلس في شقتها الجديدة، التي جهزتها بجهدٍ كبيرٍ مع خالد، استعداداً للزفاف الذي بات قريباً. كانت تنظم رفوف الكتب، وترتب المفروشات، وكل تفصيلٍ صغيرٍ كان يخضع لفحصٍ دقيق.

رنّ هاتفها. كانت والدتها.

"مرحباً يا أمي." قالت سعاد، حاولةً أن تبدو مرحةً ومتفائلة.

"مرحباً يا حبيبتي. كيف حالكِ؟ هل أنتِ بخير؟" سألت الأم بقلقٍ مصطنع.

"الحمد لله يا أمي. كل شيءٍ على ما يرام. أجهز الشقة، وأحاول أن أجعل كل شيءٍ مثالياً."

"مثالياً؟ يا سعاد، هل تذكرين ما حدث لزينب عندما حاولت أن تجعل كل شيءٍ مثالياً؟"

شعرت سعاد بوخزةٍ في قلبها. "لكن يا أمي، الفرق كبير. زينب ما زالت صغيرة، وأنا... أنا على وشك الزواج."

"وهل هذا يعني أنكِ فوق الأخطاء؟ يا سعاد، الحياة ليست لوحةً مرسومةً بدقة. فيها ألوانٌ زاهيةٌ وأخرى باهتة. فيها صعودٌ وهبوط."

"ولكن يا أمي، خالد... خالد لا يحب الأخطاء." قالت سعاد، وكأنها تكشف عن سرٍ دفين.

"خالد شابٌ جيد، ولكنه ليس معصوماً. لا تضعي كل آمالكِ ورغباتكِ في إرضائه. تذكري، أنتِ أيضاً لكِ احتياجاتكِ، ورغباتكِ. لا تضيعي نفسكِ في وهمِ الكمال."

أنهت الأم المكالمة، وتركت سعاد في حيرةٍ من أمرها. كانت كلماتها كالعادة، تحمل الكثير من الحكمة، ولكنها كانت تبدو كسلاحٍ ذي حدين. هل كانت سعاد فعلاً تخاطر بفقدان نفسها في سعيها لإرضاء الآخرين؟

كان خالد، خطيبها، شاباً طموحاً، ذكياً، وناجحاً. كان يقدر الكفاءة، والانتظام، والدقة. كان يحب أن تسير الأمور بسلاسةٍ ودون أي عقبات. ولم يكن يعلم، أن هذا الشغف بالتنظيم قد يتحول إلى قيدٍ على سعاد.

في عصر ذلك اليوم، جاء خالد لزيارة سعاد. كان يحمل معه هديةً بسيطة، وشيكاً بمبلغٍ من المال، كعادته، ليساعد في تجهيزات الشقة.

"كيف تسير الأمور؟" سأل خالد، وهو يتفحص الشقة بعينيه الثاقبتين.

"تسير بشكلٍ جيد." أجابت سعاد، وحاولت أن تخفي توترها.

"رأيتُ أنكِ وضعتِ هذه الوسائد بهذه الطريقة. هل أنتِ متأكدةٌ أن هذا هو أفضل ترتيب؟" سأل، وهو يقترب من الأريكة.

شعرت سعاد بأن قلبها بدأ يدق بسرعة. "نعم، أعتقد ذلك. لقد جربتُ عدة ترتيبات، وهذا بدا لي الأجمل."

"ربما. ولكنني أعتقد أن لو وضعتِ هذه الوسادة هنا، وتلك هناك، لكان المنظر العام أكثر تناسقاً." قال خالد، وبدأ يعيد ترتيب الوسائد بنفسه.

شعرت سعاد بإحباطٍ دفين. لم يكن الأمر يتعلق بالوسائد، بل بالانتقاد. أحست بأنها مهما فعلت، لن تكون كافيةً أبداً.

"خالد، هل أنتَ سعيدٌ بهذا الترتيب؟" سألت، محاولةً أن تبدو هادئة.

"بشكلٍ عام، نعم. ولكن دائماً هناك مجالٌ للتحسين." قال، وهو ينظر إليها بابتسامةٍ لا تحمل أي دفء.

في تلك اللحظة، أدركت سعاد أن المشكلة ليست في الوسائد، بل في نظرتها للأمور. كانت تبحث عن الكمال في كل شيء، وتتوقع أن يكون الآخرون مثلها. ولكن الحياة، كما قالت والدتها، ليست كذلك.

في تلك الليلة، قبل أن ينام خالد، تحدثت سعاد معه.

"خالد، أريد أن أتحدث معك في أمرٍ مهم." قالت، وهي تجلس بجانبه على السرير.

"تفضلي." قال، وهو لا يزال ينظر إلى هاتفه.

"أشعر بأنني... أشعر بأنني أحاول أن أكون مثاليةً في كل شيء. وهذا يرهقني."

رفع خالد رأسه، ونظر إليها باستغراب. "لكن هذا أمرٌ جيد. أن تكوني منظمةً، ودقيقةً، هذا ما أحبه فيكِ."

"ولكن هل هذا هو أنتَ فقط؟ أم أن هذا هو ما تتوقعه مني؟" سألت، بصدقٍ مؤلم.

صمت خالد للحظة. "أنا أتوقع منكِ أن تكوني نفسكِ يا سعاد. ولكنني أيضاً أحب أن تسير الأمور بشكلٍ جيد."

"ولكن ماذا لو لم تسِر الأمور بشكلٍ جيد؟ ماذا لو وقعتُ في خطأ؟ هل ستكون قادراً على تقبله؟" سألت، وعيناها تتسعان.

"بالطبع. لا أحد معصومٌ من الخطأ. ولكنني أفضل أن نتجنب الأخطاء قدر الإمكان." قال، وعاد إلى هاتفه.

شعرت سعاد بأن شيئاً ما قد انكسر بداخلها. لم تكن كلمات خالد مطمئنةً، بل كانت تزيد من قلقها.

في الأيام التالية، بدأت سعاد تشعر بثقلٍ متزايد. كانت تتجنب اتخاذ أي قراراتٍ مصيرية، خوفاً من أن تخطئ. كانت تطلب من زينب أن تساعدها في كل شيء، حتى في الأمور البسيطة.

"يا زينب، ما رأيكِ في هذا الفستان؟ هل هو مناسبٌ للون بشرتي؟"

"زينب، هل تعتقدين أن هذه الكلمات كافيةٌ في بطاقة الدعوة؟"

كانت زينب، على الرغم من مشاكلها الخاصة، تحاول أن تدعم أختها. "يا سعاد، أنتِ جميلةٌ في أي شيء ترتدينه. وأنتِ ذكيةٌ جداً، وكلماتكِ دائماً معبرة."

"ولكنني أخاف يا زينب. أخاف أن لا أكون عند حسن الظن."

"يا سعاد، من هو هذا الشخص الذي لا يخطئ؟ كلنا نخطئ، ولكن الأهم هو أن نتعلم من أخطائنا، وأن نتقدم."

"ولكن خالداً... خالد لا يتسامح مع الأخطاء."

"ربما خالد يحتاج أن يتعلم شيئاً عن الحياة. الحياة ليست خطاً مستقيماً، يا سعاد. فيها انحناءاتٌ وتعرجات."

ذات يوم، قررت سعاد أن تقوم بخطوةٍ جريئة. أرادت أن تثبت لنفسها، ولخالد، وللعالم، أنها ليست مجرد فتاةً تسعى للكمال.

تحدثت مع خالد، وقالت: "خالد، أريد أن ألغي حفل الخطوبة الرسمي، وأن نكتفي بعقد قرانٍ بسيط."

نظر إليها خالد بدهشة. "لماذا؟ هل أنتِ جادة؟"

"نعم. أشعر بأنني لا أستطيع أن أكون على طبيعتي في ظل كل هذه التوقعات. أريد أن أتزوجكِ لأنني أحبك، وليس لأننا سنقدم عرضاً مثالياً للعالم."

"ولكن، كل الترتيبات قد تمت." قال خالد، وبدا عليه الانزعاج.

"يمكن إلغاء كل شيء. أريد زواجاً قائماً على الحب، وعلى القبول، لا على صورةٍ وهميةٍ للكمال."

نظر إليها خالد طويلاً. لم يفهم تماماً ما كانت تمر به، ولكنه رأى في عينيها إصراراً لم يعهده من قبل.

"حسناً." قال أخيراً. "إذا كان هذا ما تريدينه، فسأحاول أن أتفهمه."

شعرت سعاد ببعض الارتياح. لم يكن الأمر سهلاً، ولكنه كان خطوةً إلى الأمام. ربما لم تكن الحياة دائماً مثالية، ولكنها كانت حقيقية. وربما، في النهاية، هذا هو ما يجعلها جميلة.

في تلك الليلة، نامت سعاد وهي تشعر بأنها قد بدأت تفهم معنى الحرية. حرية أن تكون نفسها، بكل عيوبها ومميزاتها. حرية أن تعيش حياتها، لا حياةً ترسمها توقعات الآخرين.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%