يوم بلا أخطاء الجزء الثالث
نسائم الشك العابرة
بقلم سعيد الضحكة
كانت الشمس ترسل خيوطها الذهبية الحانية على أسطح البيوت القديمة في حي الأبرار، وكأنها تحاول أن تداعب وجوه النائمين وتوقظهم بلطف. في منزل الحاج محمود، بدأت الحياة تدب ببطء، لكنها لم تكن كأي صباح عادي. كانت نورا، بقلبها الذي ما زال يحمل أثر الأحلام الجميلة، تستعد ليوم جديد. لم يكن صمت فراغ أخيها، عمر، هو ما يثقل كاهلها هذه المرة، بل كان ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إلى أعماق روحها، شعور بالشك لم تكن تعرف مصدره بالضبط.
جلست على سجادة الصلاة، تتلو الأذكار، لكن صوتها كان يرتجف قليلاً، كأنها تبحث عن إجابات في كلمات لم تعد تمنحها اليقين ذاته. كانت قد رأت ورقة صغيرة مخبأة بين ثنايا كتاب عمر المفضل، ورقة تحمل كلمات لا معنى لها في ظاهرها، لكنها أثارت في نفسها قلقاً عميقاً. "موعد الغروب، عند النهر القديم." كانت هذه العبارة كافية لتجعل خيالها الجامح ينطلق في اتجاهات لم تكن تود التفكير فيها. عمر، أخوها الشاب، الذي لطالما كان مثالاً للنقاء والطموح، هل يخفي عنها سراً؟
نزلت إلى المطبخ، حيث كانت والدتها، أمينة، تعد لهن فطوراً خفيفاً. كانت أمينة، بتجاعيدها التي تحكي قصص صبر وحب، تمتلك حساً مرهفاً تجاه أبنائها. "صباح الخير يا ابنتي، هل كل شيء على ما يرام؟ تبدين شاردة الذهن." قالتها بكلمات ناعمة، وهي تضع طبقاً من التمر وبعض الخبز الطازج أمام نورا.
ابتسمت نورا ابتسامة باهتة. "صباح النور يا أمي. كل شيء بخير، ربما لم أنم جيداً." لم تستطع أن تبوح بما في قلبها، فهي لم تكن متأكدة مما رأته، ولم تكن تريد أن تنشر القلق دون داعٍ. لكن نظرة أمها المتمعنة لم تخفَ عليها. "عمر لم ينزل بعد؟" سألت والدتها، وكأنها شعرت بشيء.
"لا، لم يصحُ بعد. ربما لديه عمل كثير في ذهنِهِ." أجابت نورا، وهي تحاول أن تبدو طبيعية.
بعد الفطور، انشغلت نورا بترتيب المنزل. كانت تضع الأشياء في أماكنها، وتكنس الغبار، وتفتح النوافذ ليدخل ضوء الصباح، لكن عقلها ظل معلقاً بتلك الورقة الغامضة. هل كان عمر يلتقي بشخص ما سراً؟ ومن يكون هذا الشخص؟ هل له علاقة بما حدث لها، بما حدث لعمر نفسه؟ بدأت الأفكار تتضارب في رأسها. ربما كان الأمر بسيطاً، مجرد رسالة لصديق، أو تذكير بموعد. لكن لماذا يخفيه؟
في وقت لاحق من ذلك اليوم، وبينما كانت نورا تساعد والدتها في تحضير بعض الحلوى التقليدية لتقديمها لجيرانهم، دخل عمر. كان يبدو شاحباً بعض الشيء، وعيناه تحملان تعباً لم يعتد عليه. "السلام عليكم." قال بصوت خفيض.
"وعليكم السلام يا بني. كيف حالك؟" ردت أمينة، وقامت لاحتضان ابنها. "تبدو متعباً."
"الحمد لله يا أمي، مجرد بعض الأرق." أجاب عمر، محاولاً أن يرسم ابتسامة على وجهه. نظر إلى نورا، التي كانت تدفن عينيها في وعاء العجين، وكأنها تخشاه. "نورا، هل تحتاجين مساعدة في شيء؟" سألها.
ترددت نورا للحظة. "لا، شكراً يا عمر. كل شيء منظم." كان جوابها مختصراً، وأكثر برودة مما كانت تقصد. شعرت بلسعة خفيفة من الذنب، لكن الشك كان أقوى.
قررت نورا أن تتخذ خطوة. بعد أن ذهب عمر إلى غرفته، وبدت والدتها مشغولة في قراءة القرآن، تسللت نورا إلى غرفة أخيها. كانت الغرفة مرتبة كالعادة، لكنها بدأت تبحث عن أي شيء قد يساعدها في فهم ما يحدث. فتشت في مكتبه، في درج طاولته، لكن لم تجد شيئاً. ثم وقعت عيناها على كتاب عمر المفضل، الذي كانت تخبئ الورقة بين صفحاته. أمسكت بالكتاب، وفتحت على الصفحة التي كانت فيه الورقة. لم تجد شيئاً آخر.
لكن بينما كانت تقلب الصفحات، انزلقت ورقة أخرى من بينها. كانت هذه الورقة مختلفة. مكتوبة بخط أنيق، تحمل تواقيع متعددة. قرأت نورا بقلب مرتجف: "اجتماع سرّي، اليوم، عند النهر القديم، بعد صلاة العصر. الأمانة أولاً."
تجمدت نورا في مكانها. "اجتماع سرّي؟" هل كان عمر عضواً في جماعة سرية؟ أم أنه كان يحاول أن يكتشف شيئاً؟ ومن هم هؤلاء الأشخاص؟ وهل لهذا الاجتماع علاقة بما حدث لعمر وما حدث لها؟ بدأت الصورة تتضح، لكنها أصبحت أكثر تعقيداً وظلاماً. شعرت بأنها على حافة كشف سر كبير، سر قد يغير مجرى حياتها وحياة عائلتها.
عندما سمعت صوت أمها تقترب، وضعت الورقة بسرعة في جيبها، وأعادت الكتاب إلى مكانه، وحاولت أن تمنع قلبها من القفز من صدرها. كان الشك قد تحول إلى يقين، يقين مزعج ومخيف. كان عليها أن تتأكد. كان عليها أن تعرف ما الذي يفعله عمر، وما هي هذه الاجتماعات. كانت تعرف أن النهر القديم ليس بعيداً عن منزلهم، وأن صلاة العصر ستبدأ قريباً.
نظرت إلى ساعتها. الوقت يمر. هل تذهب؟ هل تخاطر؟ تذكرت كلمات أمها دائماً عن أهمية الصدق والأمانة، وعن واجب الأخ على أخته. لكنها أيضاً تذكرت الخطر الذي عاشته، والخوف الذي انتابها. ربما كان عمر في خطر، وربما كان هو من يحاول حمايتها.
بعد لحظات من التردد، اتخذت نورا قرارها. كانت تعرف أن عليها أن تعرف الحقيقة. نهضت من مكانها، وهمست لنفسها: "سأذهب وأرى." كان قرارها يحمل في طياته قدراً من الخوف، لكنه كان مدفوعاً بحب عميق لأخيها ورغبة جامحة في فهم ما يحدث. اتجهت نحو باب غرفتها، وقلبها يخفق بقوة، وهي تستعد لاقتحام عالم مجهول، عالم قد يكون مفتاح حل كل الألغاز، أو بداية لمشاكل أكبر.