يوم بلا أخطاء الجزء الثالث
خطوات نحو المجهول
بقلم سعيد الضحكة
كانت الشمس في كبد السماء، ترسل أشعتها اللاهبة على شوارع حي الأبرار. قررت نورا أن تغادر المنزل بعد صلاة العصر مباشرة. ارتدت حجابها، ووضعت مفاتيح المنزل في جيبها، وقلبها يمتلئ بمزيج من القلق والفضول. لم تستطع أن تخبر والدتها بشيء، فقد كانت دائماً تخشى عليها من المشاكل، وكان إخبارها بما اكتشفته سيثير قلقها بلا شك.
خرجت من الباب الخلفي، متجهة نحو أزقة الحي الضيقة. كانت تعرف الطريق جيداً، لكن هذه المرة، كان كل شيء يبدو مختلفاً. ظلال الأشجار بدت أطول، وأصوات الناس بدت كأنها همسات غامضة. كانت تسير بسرعة، وكأنها تهرب من شيء، أو تسعى نحو شيء.
وصلت إلى النهر القديم. كان مكاناً هادئاً، عادة ما يجلس فيه العجائز ليتحدثوا، والأطفال ليلعبوا. لكن هذه المرة، كان المكان فارغاً تقريباً. لم يكن هناك سوى بعض الطيور التي كانت تحط على الأغصان. جلست نورا على صخرة كبيرة قرب الماء، تراقب النهر وهي تتنفس بعمق. تساءلت عما إذا كانت تتصرف بشكل صحيح. هل هذا هو ما تريده؟ هل هي مستعدة لما قد تجده؟
مرت دقائق بدت كأنها ساعات. بدأت الشمس تميل نحو الغروب، تلقي بظلال طويلة على الماء. وفجأة، سمعت صوت خطوات تقترب. لم يكن صوت رجل واحد، بل مجموعة. توقفت نورا عن التنفس، واختفت في الظل خلف الأشجار الكثيفة.
ظهروا أمامها. كانت مجموعة من الرجال، كلهم يرتدون ملابس متشابهة، ووجوههم جادة. وكان بينهم، من بين هؤلاء الرجال، شخص واحد كان مألوفاً جداً. كان عمر.
وقف عمر في وسط المجموعة، وكأنه قائد. بدأ يتحدث بصوت خفيض، لكن نورا استطاعت أن تلتقط بعض الكلمات. "الأمر أصبح خطيراً. يجب أن نتحرك بسرعة. لا نعرف من وراء هذه الحملة، لكنهم يستهدفوننا جميعاً."
"هل لدينا دليل قاطع؟" سأل أحدهم.
"لدينا ما يكفي." أجاب عمر. "لقد تأكدت بنفسي. إنهم يحاولون نشر الفتنة، وإثارة الشقاق بين الناس. هدفهم تخريب استقرارنا."
كان قلب نورا يخفق بقوة. كانت هذه المجموعة، يبدو، منظمة سرية، يعملون على كشف مؤامرة. لكن من هم "هم"؟ ومن هؤلاء "الناس" الذين يستهدفونهم؟ هل كان هذا له علاقة بما حدث لها، بالحادث الذي كاد أن ينهي حياتها؟
فجأة، رأى أحد الرجال نورا. "من هذه؟" سأل بصوت حاد.
تسمر عمر في مكانه، ونظر باتجاهها. بدت الصدمة واضحة على وجهه. "نورا!" صرخ.
لم تجد نورا مفراً. خرجت من مخبئها، ووجهها شاحب. "عمر، ماذا تفعل؟" سألت بصوت مرتجف.
نظر إليها عمر بعينين مليئتين بالقلق. "نورا، ماذا تفعلين هنا؟"
"لقد رأيت الورقة. وكنت قلقة عليك. ما هذا كله؟" سألت، وهي تشير إلى المجموعة.
تقدم أحد الرجال نحوهم. "يا أخي، هل هذه اختك؟ هل هي في خطر؟"
"لا، إنها في أمان." أجاب عمر، ثم التفت إلى نورا. "نورا، هذا ليس المكان المناسب للحديث. يجب أن نعود إلى المنزل."
"لكنني أريد أن أفهم! ما الذي يحدث؟ من هم هؤلاء الرجال؟ ولماذا تعملون سراً؟" كانت نورا مصرة.
تنهد عمر. "الأمر معقد يا نورا. سنشرح لك كل شيء لاحقاً. الآن، عودي إلى المنزل، من فضلك."
شعرت نورا بخيبة أمل. أرادت أن تعرف كل شيء الآن، لاحقاً. لكنها رأت في عيني عمر إصراراً، ورأت في وجوه الرجال خوفاً وحزناً. بدت وكأنها دخلت في عالم لا تفهمه، عالم خطير.
"لكن..." بدأت نورا، لكن الرجل الأكبر سناً من المجموعة قطعها.
"يا بني، إذا كانت أختك على علم بالأمر، فربما يكون وجودها هنا مفيداً. ربما تستطيع مساعدتنا. لكن يجب أن تكون حذرة للغاية. الخطر حقيقي."
نظر عمر إلى نورا، ورأى الإصرار في عينيها. "حسناً يا نورا. لكن بشرط. ستستمعين جيداً، ولن تتحدثي مع أحد عن هذا. أبداً. هذا أمر يتعلق بأمن الجميع."
أومأت نورا برأسها بسرعة. "أعدك."
قال عمر: "هؤلاء هم رفاقي. نعمل معاً لكشف مؤامرة خطيرة تهدد مدينتنا. هناك جهات تحاول زرع الفتنة، وتخريب وحدتنا. لقد كانوا يراقبونني، وكنت أراقبهم. وهذا الاجتماع هو لتبادل المعلومات الأخيرة قبل أن نتخذ إجراءات. أما بالنسبة لخطرك، فالأمر يتعلق بنفس المؤامرة. لقد حاولوا إيذاءك."
شعرت نورا بقشعريرة تسري في جسدها. "حاولوا إيذائي؟"
"نعم. لكننا سنحمي أنفسنا، وسنحميكِ." قال الرجل الأكبر.
كان عمر ينظر إلى نورا بعينين مليئتين بالأسف. "أنا آسف يا نورا لأنني لم أستطع إخبارك بكل شيء. كان الأمر خطيراً جداً. ولم أكن أريد أن أقلقكِ."
"لكنني كنت قلقة بالفعل. كنت أتساءل ما الذي تفعله، وأنت تخفي عني. الآن، أنا هنا، وأريد أن أساعد." قالت نورا، وهي تشعر بأنها أصبحت جزءاً من شيء أكبر.
"إذاً، استمعي جيداً." قال عمر. "سنذهب الآن إلى مكان آمن، وسأشرح لك كل التفاصيل. لكن تذكري، الأمانة ثم الأمانة."
وبينما كانت الشمس تغيب، تتبع نورا أثر أخيها والمجموعة، وهي تشعر بأنها لم تعد الفتاة البريئة التي كانت في الصباح. لقد دخلت في قلب الأحداث، وهي تعلم أن هذا المسار سيكون مليئاً بالمخاطر، ولكنه أيضاً قد يكون الطريق الوحيد لكشف الحقيقة، وللمساعدة في استعادة الأمان لعائلتها.