يوم بلا أخطاء الجزء الثالث
العاصفة تلوح في الأفق
بقلم سعيد الضحكة
تسللت خيوط الفجر الأولى إلى غرفة الاستقبال في منزل الحاج عبد الرحمن، حاملة معها هالة من السكون لا تخلو من الترقب. كانت أميرة، بعينيها اللتين انعكست فيهما أحزان الأيام الأخيرة، تجلس على طرف الأريكة، تحتضن وسادة كأنها تحاول استجداء بعض الدفء من قسوة الواقع. لم تكن قد أغمضت لها جفن منذ ليلة الأمس، فقد طاردتها صور والديها، وكلمات جدتها التي كأنها نذير شؤم.
"صباح الخير يا ابنتي،" جاء صوت الحاج عبد الرحمن هادئاً، لكنه كان محملاً بعبء ثقيل. جلس بجانبها، يمسح على شعرها برفق. "لا زلت مستيقظة؟"
أومأت برأسها، وعجزت كلماتها عن الخروج. نظرت إلى والدها، ورأت في عينيه نفس القلق الذي ينهش قلبها.
"يا أبي، هل تظن حقاً أن الأمر سيتم كما يخططون؟" سألت أخيراً، وصوتها يرتجف.
تنهد الحاج عبد الرحمن طويلاً. "يا أميرة، الحياة مليئة بالمفاجآت. والبعض منها، للأسف، لا يكون ساراً. لكن واجبنا هو أن نواجهه بكل ما أوتينا من قوة وصبر."
كان يعلم أن أي كلمة قد يقولها الآن ستقع كالصاعقة على ابنته. لقد وصلهم خبر أن عائلة السيد أحمد، الخطيب المزعوم الذي رتب له والده، قد أرسلت طلباً رسمياً للقاء اليوم، لإتمام ما تبقى من ترتيبات الزواج. لم يكن أمامهم سوى أيام قليلة قبل أن يصبح الأمر واقعاً لا يمكن الفرار منه.
"لكن يا أبي، كيف؟ كيف يمكن أن يحدث هذا؟" كررت أميرة، وعيناها تترقرق بالدموع. "أنا أحبه. أحب علي. لم أعد أحتمل فكرة أن أكون لغيره. والديّ لم يتصورا أبداً أن يصل الأمر إلى هذا الحد."
"أعلم يا ابنتي. وأعلم حجم الألم الذي تشعرين به. لكن جدتك، رحمها الله، كانت حكيمة. كانت تعلم أن هناك من لا يريد لنا الخير، ومن يسعى لتفريقنا. ربما كانت ترى ما لا نراه."
كان الحاج عبد الرحمن يشعر بعجز قاتل. لم يكن يملك القوة الكافية لمواجهة ابنته بكل الحقيقة. لم يكن يرغب في كسر قلبها بالكامل، لكنه كان يعلم أن الوقت يضيق، وأن مؤامرة خفية كانت تحاك حول عائلته.
في تلك الأثناء، وصل علي إلى منزل الحاج عبد الرحمن، وكان وجهه يعكس مزيجاً من التصميم والحزن. لم يكن قد زاره منذ الأمس، فقد حاول جاهداً جمع المعلومات، وفهم الأبعاد الحقيقية للأزمة. كان في يده ملف سميك، يمثل خلاصة تحقيقاته.
"السلام عليكم يا عمي، السلام عليكم يا أميرة،" قال بصوت خفيض.
"وعليكم السلام يا علي،" ردد الحاج عبد الرحمن، يشعر ببعض الارتياح لوجوده. "تفضل بالجلوس. يبدو أنك لم ترتح البارحة."
"الراحة بعيدة يا عمي، طالما أن أحباءنا في ضيق،" أجاب علي، وجلس وهو يضع الملف أمامه. "لقد اكتشفت أمراً خطيراً. وأعتقد أنه السبب وراء كل ما يحدث."
أقبلت أميرة وعيناها تلمعان بالفضول الممزوج بالخوف. "ما هو يا علي؟"
"لقد حاولت التواصل مع بعض المعارف في الدوائر التجارية، وسألت عن تاريخ شركة السيد أحمد، وعن صفقة والدك الأخيرة التي تعثرت. تبين لي أن هناك تلاعباً كبيراً في هذه الصفقة. وأن شخصاً ما، كان يسعى إلى إفلاس والدك، وتدمير سمعته، ليس لشيء سوى لأنه كان يرى فيه منافساً قوياً."
توسعت عينا الحاج عبد الرحمن، وعلامات الصدمة بدت واضحة على وجهه. "تلاعب؟ إفلاس؟ من هذا الشخص؟"
"هذا هو الجزء الأصعب يا عمي،" قال علي، وهو ينظر إلى أميرة. "الشخص الذي يملك الأدلة، والذي يقف وراء هذه الخطة، هو في الواقع... قريب جداً منا. شخص لم نتوقعه أبداً. شخص تربطه بعائلتنا علاقة مصاهرة. السيد فهد، شقيق زوجة أبيك، وصهر خالك."
كانت الكلمة الأخيرة بمثابة ضربة قاضية. ذهل الحاج عبد الرحمن، ولم يستطع استيعاب ما يسمع. أما أميرة، فقد شعرت وكأن الأرض تميد بها. فهد؟ الرجل الذي لطالما ظهر بمظهر الودود، والذي كان جزءاً من حياتهم العائلية، هو من يقف وراء كل هذا؟
"فهد؟ لا يمكن! هذا مستحيل!" صاح الحاج عبد الرحمن، وعلامات الغضب تظهر على وجهه. "فهد رجل طيب، لم أشك فيه يوماً."
"يا عمي، الأدلة لا تكذب. لقد وجدت مستندات، ورسائل بريد إلكتروني، وشهادات من بعض الموظفين السابقين في شركة فهد، تكشف عن خطة محكمة لزعزعة استقرار صفقة والدك. وقد نجح في ذلك. أما عن السيد أحمد، فهو ليس سوى أداة في يد فهد. أراد أن يقرب ابنته منك، ليحكم سيطرته عليك، وليضمن بذلك استمرار تعطيل أعمالك."
صمت الجميع. كانت الحقيقة المرة تفوق كل تصور. لقد انخدعوا جميعاً، بل وأنهم وضعوا حياتهم في يد عدو دفين.
"وماذا عن والدي؟" سألت أميرة بصوت ضعيف. "هل كان يعلم؟"
"لا أعتقد ذلك يا أميرة. كل ما بدا لي أنه كان يبحث عن مصلحة عائلته. لكن فهد استغل طيبته، ودفع به نحو هذه الصفقة المشبوهة. وقد استغل فهد أيضاً خلافات قديمة بين والدك وبين بعض المنافسين، ليظهر كمنقذ، ليقدم الحل، وليقنع والدك بعقد زواجك من السيد أحمد، لضمان استقرار الأمور المؤقتة، بينما هو يدمرك في الخفاء."
كانت هذه النقطة هي الأخطر. لقد أصبحت صفقة زواج أميرة جزءاً من خطة فهد. لم يكن الأمر مجرد زواج تقليدي، بل كان جزءاً من صفقة شيطانية.
"هذا يعني أن علينا أن نواجه فهد،" قال الحاج عبد الرحمن بحزم، وقد عاد إليه بعض من رباطة جأشه. "لا يمكننا أن نتركه يفعل ما يشاء. ولكن كيف؟ الأدلة التي لديك، هل هي كافية؟"
"الأدلة قوية يا عمي، لكن فهد رجل ذكي، وماكر. قد يتمكن من إخفاء بعض الأشياء. لكننا إذا واجهناه علناً، أمامه، فلن يكون لديه مجال للمناورة. بل الأهم، علينا أن نحمي أميرة. وأن نفضح نواياه أمام الجميع، قبل أن يتم الزواج."
نظرت أميرة إلى علي، وابتسامة ضعيفة ارتسمت على شفتيها. كانت ترى فيه الأمل الوحيد.
"لكن كيف سنواجهه؟" سألت. "عائلته قوية، وله نفوذ."
"سنواجهه بالحقيقة، يا أميرة. بالحقيقة التي لا تقبل الشك. سنجمع كل الأدلة، ونعرضها على والدي، وعلى أخوالك. علينا أن نجعلهم يرون الوجه الحقيقي لفهد. وأن نكشف عن مخططاته الخبيثة."
تنهد الحاج عبد الرحمن. "أخشى أن يكون الأمر قد بلغ حد المواجهة. ولا يمكننا أن نتردد. إذا تأخرنا، فقد نخسر كل شيء."
"أتفق معك يا عمي. يجب أن نتصرف بسرعة. فاليوم، سيصل السيد أحمد وعائلته. ويجب أن يكون لدينا خطة جاهزة."
ارتفعت الشمس في السماء، ولكن أشعتها لم تجلب الدفء المعهود. كانت تحمل معها شعوراً بالخطر، وبأن عاصفة هوجاء كانت على وشك أن تضرب بيت الحاج عبد الرحمن، وأن تغير مجرى حياتهم إلى الأبد. كانت لحظة حاسمة، لحظة نقطة اللاعودة، حيث لا خيار سوى المواجهة، لا مجال للتراجع.