يوم بلا أخطاء الجزء الثالث

ضيف من الماضي

بقلم سعيد الضحكة

دخل "أدهم" إلى البهو، وعيناه لا تفارقان تلك الصورة القديمة. كانت والدته، التي رحلت عن عالمه في سن مبكرة جدًا، تبتسم من بين طيات الزمن. والفتاة الشابة إلى جوارها، تبدو وكأنها انعكاس لوجه "ليلى" في شبابه. كانت هناك صلة، صلة قوية، تربط بين هذه الصورة، وهذه المرأة الغامضة، وهذا المنزل العريق.

"لا أفهم..." قال "أدهم"، وصوته يرتجف قليلاً. "كيف... كيف لكِ أن تعرفي والدتي؟ ومن تكونين أنتِ حقًا؟"

جلست "ليلى" على أحد الكراسي، ووجهها يعكس مزيجًا من الحزن والتصميم. "أنا حفيدة السيدة التي تقفين أمام صورتها يا أستاذ أدهم. اسمي 'ليلى'، وأمي هي ابنة خالتها. والدتك، 'سارة'، كانت بمثابة أخت لها، وكانت بينهما محبة وود لم تعرف الحدود."

توقفت "ليلى" قليلاً، وكأنها تستجمع قواها. "لكن الحياة، يا أستاذ أدهم، غالبًا ما تفصل بين الأحبة. وبعد رحيل والدتك، فقدنا الاتصال. لكننا لم ننسَ أبدًا. كانت الذكريات، ورسائلها، وبعض مقتنياتها، دليلًا على عمق العلاقة."

"لكن... لماذا أنا؟ ولماذا هذه الليلة؟" سأل "أدهم" وهو يشعر بأن الألغاز تتكاثر.

"لأنني وجدت شيئًا." قالت "ليلى"، وأشارت إلى كومة الأوراق والمخطوطات على الطاولة. "وجدت صندوقًا قديمًا، مخبأً في منزل جدتي، كان مليئًا بأغراض والدتك. بينها، وجدت هذه الرسائل، وهذه المخطوطات. ولأنني أعرف أنك تحمل اسم جدتي، 'أدهم'، وأعرف شغفك بالأدب، وبكل ما يمت بصلة إلى الماضي، ظننت أنك الوحيد الذي يمكنه أن يفهم. وأن يساعدني."

"يساعدكِ في ماذا؟" سأل "أدهم"، متناولاً إحدى المخطوطات بحذر. كانت مكتوبة بخط عربي جميل، لكنها بلغة لم يألفها.

"في كشف سر." قالت "ليلى" بجدية. "سر يتعلق بماضي والدتك، وبشيء كانت تسعى إليه، وربما لم تستطع تحقيقه. هذه المخطوطات، يبدو أنها تحتوي على قصائد، وعلى تأملات، وعلى... وصف لشعور غامض."

بدأ "أدهم" يقلب في الأوراق، يقرأ بصوت خافت. كانت الكلمات تحمل شجنًا عميقًا، وحنينًا جارفًا. وجد قصائد تتحدث عن الحب، عن الشوق، عن انتظار يمتد عبر الزمن. ثم، بين مجموعة من الرسائل، وجد رسالة بخط والدته. رسالة موجهة إلى جدتها.

"إلى جدتي العزيزة 'أميمة'،" قرأ "أدهم". "ها قد بلغتُ سن الثلاثين، وما زلتُ أحمل في قلبي جرحًا عميقًا، وشوقًا لا يبرح. أتذكر لقاءنا الأول، وتلك النظرات التي حملت معاني لا تُحصى. أتذكر كيف كنتِ ترسمين الحروف على الورق، وكيف كنتِ تهمسين لي عن لغة الأجساد، وعن لغة القلوب. إن كنتِ تسمعينني، يا جدتي، فاعلمي أن حبي لكِ لم ولن يموت. لكن هناك أمرٌ يشغل بالي، أمرٌ أخشى أن أشارك به أحدًا. هناك... شغفٌ غامضٌ يتملكني، شغفٌ يدفعني إلى البحث عن ما هو أبعد من الكلمات. هل هو حب؟ أم جنون؟ لا أعرف. لكنني سأبحث، سأبحث حتى أجد."

توقف "أدهم" عن القراءة، وشعر بأن الهواء قد انقطع من رئتيه. "شغف غامض"... "لغة الأجساد"... "لغة القلوب". كانت هذه الكلمات غريبة، وغير مألوفة في سياق حديث والدته، أو أي امرأة في جيلها.

"هل والدتك... هل كانت تكتب عن حب؟" سأل "أدهم" وهو ينظر إلى "ليلى" بترقب.

"لا أعرف يا أستاذ أدهم." أجابت "ليلى" بحيرة. "الرسائل الأخرى، التي لم أجدها في الصندوق، تدل على أنها كانت تراسل شخصًا ما. شخص لا تعرف هويته. لكن هذه المخطوطات، إنها تتحدث عن لغة، لغة لا أفهمها تمامًا. لغة تبدو وكأنها... مزيج بين الشعر، والحركة، والإحساس. هل يمكن أن تكون قد كتبت عن فن جديد؟ عن طريقة للتعبير عن المشاعر؟"

"لم أسمع قط عن مثل هذا الشيء." قال "أدهم" وهو يقلب في صفحة أخرى. وجد فيها رسومات غريبة، لأشكال بشرية في وضعيات معينة، مع تعليقات بخط والدته. كانت تشبه إلى حد كبير...

"إنها... إنها تشبه طريقة تدريس الرقص الحديث." تمتم "أدهم"، متذكرًا بعض المحاضرات التي حضرها عن تاريخ الفنون. "لكنها تبدو أكثر عمقًا، وأكثر تعبيرًا. وكأنها تتجاوز مجرد الحركة."

"بالضبط!" قالت "ليلى" بحماس. "كنتُ أقول هذا لنفسي! إنها ليست مجرد رقص. إنها طريقة للتواصل، للتعبير عن ما لا يمكن قوله بالكلمات. والدتي، كانت فنانة تشكيلية، وكان لديها شغف غريب بالأزياء، وبالحركة. لكنها لم تكن تتحدث كثيرًا عن هذا الأمر. ربما كانت تخبئ هذا السر."

"لكن السر... لمن كان موجهًا؟" سأل "أدهم"، ينظر إلى المخطوطات مرة أخرى. "لماذا لم تترك والدتك أي دليل واضح؟"

"هذا ما أحاول أن أفهمه." قالت "ليلى" بصوت خافت. "هل كانت تخاف؟ هل كان هذا الحب... محرمًا؟ أو ربما كان مجرد شغف فني، لكنها لم تجد الشجاعة للتعبير عنه بالكامل؟"

"محرمًا؟" تكرر "أدهم" ببطء. "أمي... 'سارة'. لم تكن من النوع الذي يتبع عواطفه دون تفكير. كانت دائمًا ملتزمة، دائمًا متزنة. ولكن... من يدري ما كان يدور في خلدها في تلك الفترة؟"

شعر "أدهم" بأن هذا الاكتشاف بدأ يلقي بظلاله على صورته النقية لوالدته. صورة الأم المثالية، الأم الحنونة، الأم الصالحة. هل كانت تخفي وراء هذا الوجه الملائكي، مشاعر جياشة، وشغفًا مجهولاً؟

"ولماذا الآن، يا 'ليلى'؟" سأل "أدهم" وهو ينظر إليها. "لماذا قررتِ أن تكشفي لي هذا الأمر بعد كل هذه السنوات؟"

"لأنني شعرت أن الوقت قد حان." أجابت "ليلى" بنظرة عميقة. "ولأنني أحتاج إلى مساعدتك. أنتَ، يا أستاذ أدهم، لديك فهم عميق للكلمات، وللغة، وللمشاعر. هذه المخطوطات، تبدو وكأنها تحتاج إلى مترجم. مترجم يفهم روح العصر، وروح المشاعر. وأنا، أحتاج إلى أن أفهم ما الذي كانت والدتك تحاول قوله. وما الذي حدث لها."

"لكن... ما الذي حدث لها؟" سأل "أدهم" بقلق. "هل اختفت؟ هل تخلت عن هذا الشغف؟"

"لا أعرف." قالت "ليلى" بصوت متقطع. "بعد فترة، توقفت الرسائل. توقفت المخطوطات. وبدأت جدتي في الحديث عن 'فقدان'. فقدان شيء ثمين، شيء لا يمكن تعويضه. ثم، بعد سنوات قليلة، توفيت جدتي. ووجدتُ هذه الأغراض، بين أشيائها. شعرتُ أن هناك سرًا، سرًا قد لا تكشفه إلا الأجيال القادمة."

نظر "أدهم" إلى أوراق والدته، ثم إلى "ليلى". شعر بعبء ثقيل يقع على كتفيه. كان هذا أكثر من مجرد اكتشاف لأسرار عائلية. كان هذا يتعلق بفهم روح امرأة، بفهم مشاعر كانت حبيسة الظل، بشغف كان يبحث عن نور.

"سأساعدكِ." قال "أدهم" أخيرًا، وصوته يحمل نبرة من التصميم. "سأحاول أن أفهم هذه المخطوطات. سأحاول أن أفهم ما كانت والدتي تحاول قوله. لكنني... أحتاج إلى وقت. أحتاج إلى أن أتصالح مع هذه الحقيقة الجديدة."

ابتسمت "ليلى" ابتسامة امتنان، وقالت: "شكرًا لك يا أستاذ أدهم. أنا أقدر لك ذلك. أعتقد أننا سنحتاج إلى العمل معًا. ربما... في هذا المنزل. هنا، حيث بدأت القصة."

نظرت "ليلى" حولها، وكأنها تتذكر شيئًا. "هنا، حيث كانت جدتي تلتقي بوالدتك. هنا، حيث كانا يتشاركان الأسرار. ربما، إذا استطعنا فهم هذه المخطوطات، سنفهم أيضًا... لماذا انتهت القصة بشكل مفاجئ."

كانت ليلة ماطرة، قد جلبت معها مفاجأة غير متوقعة. لكن "أدهم" لم يكن يعلم أن هذه المفاجأة، ستفتح أبوابًا لأسرار دفينة، ولعلاقات قديمة، ولحب كان ينتظر بصمت ليكتشف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%