يوم بلا أخطاء الجزء الثالث
المواجهة الحاسمة
بقلم سعيد الضحكة
ارتسمت على وجه الحاج عبد الرحمن نظرة تصميم لم تكن معهودة. لقد استيقظ فيه رباطة الجأش التي وهبها الله لعباده الصابرين، ورغبة في استعادة كرامته وسمعته التي حاول أحدهم أن يدنسها. نظر إلى علي، ثم إلى ابنته أميرة، وشعر بأن القوة تتدفق في عروقه.
"يا علي، يا بني، أنت على حق. لا مجال للتردد. يجب أن نفضح هذا الرجل، وننهي هذه المهزعة قبل أن تبتلعنا." ثم التفت إلى أميرة، وقال بحنان: "أما أنت يا ابنتي، فلا تخافي. ما دام الله معنا، فلن يضرنا أحد."
كانت كلمات والدها كبلسماً يشفي جراح قلبها. ورغم الخوف الذي لازال يساورها، إلا أنها شعرت ببعض الراحة.
"ولكن كيف؟" سألت بصوت خفيض، وما زال صوت الخوف يغلب عليها. "فهد رجل داهية، ولن يرضى بالخسارة بسهولة."
"لذلك، سنواجهه بما يخشاه،" أجاب علي، وعيناه تلمعان ببريق ذكاء. "سنواجهه بأدلتنا، وبالحقيقة، أمام من يهمه الأمر. والدي، وأخوالك، وربما بعض الشخصيات الموثوقة من العائلة الكبرى."
"وهل أنت متأكد من صحة هذه الأدلة؟" سأل الحاج عبد الرحمن، وهو يحاول أن يجمع شتات أفكاره.
"متأكد تماماً يا عمي. لقد استعنت بخبير في التحقيق الرقمي، وقد أكد لي أن الرسائل والمستندات سليمة، وأنها تدين فهد بشكل قاطع. بالإضافة إلى شهادة الموظفين السابقين، وهي شهادة قوية جداً."
"هذا جيد،" قال الحاج عبد الرحمن، وهو ينهض من مكانه. "علينا أن نبلغ والدك وأخوالك فوراً. وأن نطلب منهم اجتماعاً عاجلاً. قبل وصول عائلة السيد أحمد. الوقت ثمين جداً."
"سأذهب بنفسي لإبلاغ والدي،" قال علي بحزم. "وسأتأكد من أنهم يفهمون خطورة الموقف."
"وأنا سأتصل بخوالي،" قال الحاج عبد الرحمن. "سنجمعهم هنا في أقرب وقت ممكن."
مرت الساعات التالية محمّلة بالتوتر والترقب. كان الجميع يعملون على قدم وساق. أعد علي تقريراً مفصلاً بالأدلة، وقام الحاج عبد الرحمن بترتيب لقاء سريع مع والده وأخواله في مجلس العائلة في المساء. أما أميرة، فقد كانت تحاول استيعاب ما يجري، وتدعو الله أن يكشف عنها هذا البلاء.
في عصر ذلك اليوم، اجتمع رجال العائلة في مجلس الحاج عبد الرحمن. كان الجو مشحوناً بالأسئلة والدهشة. والد علي، الحاج أحمد، كان يبدو مصدوماً، فيما أبدى أخوال أميرة، الحاج إبراهيم والحاج خالد، قلقاً شديداً.
"فهد؟ هل أنتم متأكدون؟" سأل الحاج أحمد، وهو لا يصدق ما يسمع. "هذا الرجل الذي نشأنا معه، والذي كنا نعتبره من أهل البيت؟"
"يا حاج أحمد، الأدلة تتحدث عن نفسها،" قال علي، وهو يعرض عليهم الملف. "لقد استغل فهد طيبة قلبك، وزعزعت صفقتك، ثم حاول أن يضعك تحت رحمته، بتقديمه لابنته كزوجة لأميرة، لكي تستمر في إعاقة أعمالك. إنه مخطط شيطاني."
بدأ الحاج أحمد يتصفح المستندات، ووجهه يتغير من الذهول إلى الغضب. كانت الأدلة واضحة، لا تقبل التأويل. الشكوك التي كانت تراوده عن صفقة زوجته، وعن بعض التصرفات الغريبة لفهد، بدأت تتكشف أمام عينيه.
"هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً،" تمتم الحاج إبراهيم، وهو يشعر بالصدمة. "فهد رجل عملي، ولا يمكن أن يلجأ إلى هذا الحد."
"يا إبراهيم، إن الطمع يعمي الأبصار،" قال الحاج خالد بمرارة. "لقد رأينا منه ما يكفي لندرك أنه لا يألوا جهداً في سبيل مصلحته. وأعتقد أن هذه الأدلة، رغم قسوتها، إلا أنها منطقية."
"المشكلة الآن،" قال الحاج عبد الرحمن، وعيناه تتجهان نحو الباب، "أن عائلة السيد أحمد ستصل بعد قليل. وفهد، بلا شك، سيكون معهم. كيف سنواجههم؟"
"يجب أن نواجههم بكل قوة،" قال الحاج أحمد بحزم. "لن نسمح لفهد بأن يدمر حياتنا وحياة ابنتنا. يجب أن نكشف زيفه أمامهم، وأمام السيد أحمد نفسه."
"ولكن فهد قد ينكر كل شيء،" قال الحاج إبراهيم. "وقد يدعي أن الأدلة مزورة."
"لهذا السبب،" قال علي، وهو ينظر إلى أميرة، "يجب أن تكون أميرة حاضرة. شهادتها، ورؤيتها للأحداث، ستكون مهمة جداً."
نظرت أميرة إلى والدها، وإلى عمها، وإلى علي. شعرت بأنها تخوض معركة ليست لها وحدها.
"أنا مستعدة،" قالت بصوت ثابت. "مهما كان الثمن."
كانت اللحظة الحاسمة تقترب. عند الغروب، بدأت سيارات عائلة السيد أحمد تصل إلى منزل الحاج عبد الرحمن. كان الاستقبال الرسمياً قد تم ترتيبه، لكن خلف هذا الستار، كانت معركة أخرى على وشك أن تبدأ.
دخل السيد أحمد، رجل أعمال في منتصف العمر، يرتدي ثياباً فاخرة، بصحبة زوجته وابنته. وكان اللافت للنظر هو وجود فهد بينهم، يبتسم ابتسامة عريضة، ويبدو أكثر سعادة من أي وقت مضى.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،" قال السيد أحمد، وقد امتدت يده نحو الحاج عبد الرحمن.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،" رد الحاج عبد الرحمن، وهو يحاول إخفاء التوتر الذي يعتريه. "أهلاً بكم في منزلنا."
كانت أميرة تقف خلف والدها، ترى فهد وعينيه تلمعان بالانتصار. كان يدرك أن الوقت لم يكن في صالحها، وأن زواجها من السيد أحمد هو مجرد أسبوع يفصله عن فوز نهائي.
"يا زوجة المستقبل،" قال فهد لأميرة، وقد اقترب منها بابتسامة زائفة. "ألا تبدين متألقة اليوم؟ أرى أن فرحتك بالزواج قد بدأت تظهر."
نظرت أميرة إليه بازدراء، ولم ترد. شعرت بالاشمئزاز من أقرب الناس إليها.
"هل كل شيء جاهز يا عبد الرحمن؟" سأل السيد أحمد، وهو يبدو على وشك إنهاء الإجراءات.
"تقريباً،" قال الحاج عبد الرحمن، ثم التفت إلى والد علي. "يا حاج أحمد، هل لديك ما تود قوله؟"
نهض الحاج أحمد، وبدت علامات الغضب واضحة على وجهه. "نعم يا عبد الرحمن. لدي ما أقوله، ولدي ما يجب أن يعرفه السيد أحمد وعائلته."
نظر فهد إليه بدهشة، ثم إلى علي، وادرك أن الأمور قد لا تسير كما خطط لها.
"ما الذي تتحدث عنه يا أحمد؟" سأل فهد، وعيناه تضيقان. "هل هناك أي مشكلة؟"
"نعم يا فهد، هناك مشكلة كبيرة،" قال الحاج أحمد، وهو يضع الملف أمام السيد أحمد. "وهذه المشكلة، أنت طرف فيها."
فتح السيد أحمد الملف، وبدأ يتصفحه. بدأت ملامح وجهه تتغير. كان يتلقى الضربة تلو الأخرى.
"ما هذا؟" سأل السيد أحمد، وعيناه تحدقان في فهد. "هل هذا صحيح؟"
"هذه كذبة! مؤامرة!" صرخ فهد، وهو يحاول استعادة رباطة جأشه. "هذه الأوراق مزورة! وهذه الادعاءات كاذبة!"
"مُزورة؟" قال الحاج عبد الرحمن، وعيناه تشتعلان. "فهد، هل تظن أننا سنبقى صامتين أمام هذا التدمير؟ هل تظن أننا سنسمح لك بتدمير سمعتي وسمعة ابنتي؟"
"سمعتك؟" سأل فهد بسخرية. "أنت لم تكن أبداً أهلاً لتلك السمعة."
"كفى!" صاح الحاج أحمد. "الآن، ستقول الحقيقة، وإلا ستواجه عواقب وخيمة."
كانت لحظة المواجهة الحاسمة قد حلت. كانت العاصفة قد بدأت تشتد، وكان على الجميع أن يواجهوا حقيقة مؤلمة، وأن يتحملوا مسؤولية قراراتهم.