يوم بلا أخطاء الجزء الثالث

همسات من الماضي

بقلم سعيد الضحكة

بعد مغادرة "ليلى"، عاد "أدهم" إلى شقته الصغيرة، ولم تفارقه صورة والدته، وصورة جدة "ليلى" معها، والكلمات الغامضة التي وجدها في المخطوطات. كان الشعور بالفضول قد تغلغل في أعماقه، لكنه كان ممزوجًا بشعور غريب بالارتباك. كيف يمكن لأمٍ عاشت دائمًا في إطار العادات والتقاليد، أن تحمل في قلبها مثل هذا الشغف المجهول؟

جلس "أدهم" في مكتبه، وتأمل كومة الأوراق التي أحضرها معه. كانت المخطوطات، والرسائل، والصور، تشكل لغزًا معقدًا، وكان هو، الأستاذ الجامعي المتخصص في الأدب، هو من سيحاول حله. فتح إحدى المخطوطات، وبدأ يقرأ بصوت خافت، محاولًا أن ينطق الكلمات التي بدت وكأنها غريبة على لسانه.

"أيتها الروح الباحثة عن معنى،" بدأ يقرأ، "إن لغة الجسد هي أقدم اللغات. إنها لغة تتجاوز الكلمات، تتجاوز الحواجز. إنها تتحدث عن ألوان لا ترى، وعن أصوات لا تسمع، وعن مشاعر لا تُقال."

"لم أفهم الكثير في البداية." تمتم "أدهم" لنفسه. "لكنها تبدو وكأنها دعوة لاستكشاف أعمق ما في النفس البشرية."

وجد في المخطوطات وصفًا لحركات معينة، وكأنها تعابير عن حالات نفسية. كانت هناك رسومات تبدو وكأنها ترقص، أو تتألم، أو تفرح، بلغة لا يفهمها العقل، بل يفهمها القلب. كان يقرأ عن "الهمسة الصامتة"، وعن "الرقصة العاصفة"، وعن "العين التي تبكي دون دموع".

"ما هذا؟" تساءل "أدهم". "هل كانت والدتي تحاول ابتكار لغة جديدة؟ لغة للفنانين، للمشاعر؟"

تذكر "أدهم" والدته، "سارة"، كم كانت تحب الفن. كانت تزوره في محاضراته، وتسأله عن تفاصيل الحركات في قصائد عنترة العبسي، وعن إيقاع الحياة في شعر المتنبي. لكنها لم تتحدث قط عن الرقص، أو عن لغة الجسد بهذه الطريقة.

"ربما كانت تملك هذه الموهبة، وهذا الشغف، ولم تشارك به أحدًا." قال "أدهم" وهو يشعر بشيء من الحزن. "كم من المواهب قد تضيع في غياهب الحياة، بسبب الخوف، أو بسبب الظروف."

في إحدى الرسائل، وجد "أدهم" خطابًا موقعًا بحرف "ع". لم يكن هناك اسم كامل. فقط حرف واحد.

"إلى حبيبتي 'سارة'،" قرأ "أدهم". "لقاؤنا أمس كان كنسيم عليل، حمل إليّ أملًا جديدًا. كلماتكِ، وحركاتكِ، كل ما فيكِ يلهمني. إنني أتوق إلى لقائنا القادم، حيث سنبني عالمًا خاصًا بنا، عالمًا يتجاوز حدود الواقع. عالم تبدع فيه أرواحنا، وترقص فيه مشاعرنا. سأنتظركِ، في المكان الذي اعتدنا عليه، في الوقت الذي حددناه. قلبي معكِ."

"حبيبتي 'سارة'." تكرر "أدهم" بصوت خافت. كانت هذه الكلمات تحمل معاني عميقة، ومعاني ربما لم يكن والدته، "خالد"، يدركها. "شخص اسمه 'ع'." من يكون؟ وهل كان لهذا الشخص دور في هذا الشغف الغامض؟

شعر "أدهم" بأنه دخل إلى متاهة، وأن كل خيط يجده، يؤدي إلى خيط آخر أكثر غموضًا.

في صباح اليوم التالي، قرر "أدهم" أن يذهب لرؤية "ليلى" في منزلها. كان يشعر بأنه يجب أن يشاركها ما اكتشفه، وأن يتعاونا معًا في فهم هذا اللغز.

كان المنزل القديم، الذي يبدو وكأنه يحمل قصصًا وحكايات، يشع بوهج خاص في ضوء الشمس الصباحي. استقبلته "ليلى" بابتسامة، وكأنها كانت تتوق إليه.

"هل وجدت شيئًا؟" سألت "ليلى" بترقب.

"نعم." قال "أدهم"، ثم بدأ يروي لها كل ما وجده. عن الرسالة التي تحمل حرف "ع"، وعن وصف الحركات، وعن فكرة ابتكار لغة جديدة.

"حرف 'ع'؟" قالت "ليلى" بتفكير. "لم تذكر جدتي اسمًا لشخص معين. فقط كانت تتحدث عن 'شخص عزيز'. هل يمكن أن يكون هذا الشخص هو؟"

"لا أعرف." أجاب "أدهم". "لكنني شعرت أن هذه الرسالة، وهذه الكلمات، تحمل شيئًا مهمًا. ربما كان هذا الشخص هو الملهم لوالدتك."

"ولكن، لماذا لم تتحدث والدتك عن هذا الحب، أو عن هذا الشغف؟" سألت "ليلى" بحيرة. "ولماذا لم يتحدث عنه أحد بعدها؟"

"ربما كان حبًا ممنوعًا." قال "أدهم" بتفكير. "ربما كان هناك ظروف، أو عادات، تجعل مثل هذا الحب صعبًا. أنتِ تعلمين كيف كانت الحياة في تلك الفترة. الزواج كان يتم غالبًا بالاتفاق، والمشاعر كانت تُكتم."

"لكن والدتك كانت قوية." قالت "ليلى" بحزم. "لم تكن من النوع الذي يرضخ بسهولة. إنها لم تكن مجرد فنانة، بل كانت تحمل روحًا جريئة. أظن أن هناك شيئًا آخر."

"وما هو هذا الشيء الآخر؟" سأل "أدهم".

"لا أعرف." قالت "ليلى" وهي تنظر إلى المخطوطات. "لكن يبدو أن هذه المخطوطات، هي مفتاح فهم كل شيء. ربما إذا استطعنا أن نجسد هذه الحركات، أن نفهم هذه اللغة، سنفهم ما الذي كانت والدتك تحاول قوله، ولماذا لم تقله."

"تجسيدها؟" استغرب "أدهم". "كيف؟"

"لدي فكرة." قالت "ليلى" بابتسامة بدأت تشع بالجرأة. "أنا، لدي بعض الخلفية في الرقص. لم أمارسه بشكل احترافي، لكنني كنت أحب الحركة، وكنت أحب التعبير عن المشاعر من خلالها. ربما، إذا حاولنا أن نجسد هذه الحركات، أن نفهم معناها العميق، سنصل إلى الحقيقة."

نظر "أدهم" إلى "ليلى"، ثم إلى المخطوطات. كانت الفكرة مجنونة، لكنها في نفس الوقت، بدت منطقية. إذا كانت والدته قد ابتكرت لغة جديدة، فربما كانت الطريقة الوحيدة لفهمها، هي أن يعيشها، أن يجسدها.

"أنا... لست متأكدًا." قال "أدهم" بتردد. "لم أمارس أي شيء كهذا من قبل."

"لا تقلق." قالت "ليلى" بحماس. "سأكون معك. سنبدأ ببطء. خطوة بخطوة. ربما... ربما سنجد في هذا المنزل، مكانًا مناسبًا لهذا."

قادت "ليلى" "أدهم" إلى غرفة واسعة في الطابق العلوي. كانت الغرفة فارغة، إلا من نافذة كبيرة تطل على الحديقة.

"هذا المكان،" قالت "ليلى" وهي تقف في وسط الغرفة، "كانت جدتي تستخدمه لتدريس الفن. كانت تحب أن يكون لديها مكان واسع، لتعبّر عن أفكارها. ربما... يمكننا استخدامه لتدريبنا."

شعر "أدهم" بأن قلبه بدأ يخفق. كان هذا شيئًا جديدًا تمامًا بالنسبة له. كان عالمًا خارج نطاق كتبه ومحاضراته. عالم يتطلب منه أن يفتح قلبه، وجسده، لمشاعر كانت حبيسة.

"حسناً." قال "أدهم" أخيراً، بصوت يحمل نبرة من الإثارة. "دعنا نجرب."

وبدأت "ليلى" تشرح له بعض الحركات البسيطة، مستخدمة المخطوطات كدليل. كان "أدهم" يشعر ببعض الإحراج في البداية، لكن مع كل حركة، ومع كل تفسير من "ليلى"، بدأ يشعر بأن هناك شيئًا يتغير بداخله. بدأ يشعر بأن الكلمات المكتوبة على الورق، تبدأ بالخروج من حدود العقل، لتلامس روحه.

كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بظلال طويلة في الغرفة. لكن "أدهم" و"ليلى"، كانا قد نسيا الوقت، نسيا العالم الخارجي. كانا غارقين في عالم جديد، عالم لغة المشاعر، عالم الهمسات الصامتة، عالم والدة "أدهم"، التي كانت تنتظر، عبر الزمن، أن تُفهم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%