يوم بلا أخطاء الجزء الثالث

ثقل الحقيقة ووهج الندم

بقلم سعيد الضحكة

كانت الساعات تمر ثقيلة على قلب أحمد، وكل دقة من عقارب الساعة في مجلس والده لم تكن سوى ضربة توقظ فيه قلقًا جديدًا. أدرك حينها أن الهروب من الحقيقة لا يغير من طبيعتها شيئًا، بل يزدها تعقيدًا وشوكًا. في تلك الليلة، وبعد أن هدأت أصوات الأهل وانتهت جلساتهم المتناثرة في أرجاء المنزل، قرر أحمد أن يواجه ما بات يثقل روحه. لم يكن الأمر مجرد خطأ عابر، بل سلسلة من القرارات المتسرعة والأوهام التي بناها لنفسه، وأهمها تلك المتعلقة بـ "شركة الواحة" ومستقبلها.

اجتمع بأبيه، الحاج إبراهيم، في مكتبه الذي تفوح منه رائحة الكتب القديمة والبن العربي. كان الحاج إبراهيم رجلًا له هيبة الوقار، وعيناه تحملان حكمة السنين، لكنهما في هذه اللحظة بدتا تحملان بعض القلق المكتوم. بدأ أحمد حديثه بتردد، وكل كلمة كانت تشبه حجرًا يلقيه في بحر هائج. "يا والدي، أظن أن الوقت قد حان لأصارحك ببعض الأمور التي أثقلت كاهلي."

نظر إليه الحاج إبراهيم، وسحب نفسًا عميقًا. "تكلم يا بني، فقلبك أعرف به مني، ولكنني أرى ثقلًا ينهكك."

بدأ أحمد بسرد قصة "شركة الواحة" من وجهة نظره، كيف بدأت الحماسة والتفاؤل، وكيف تحولت الأمور إلى ما هي عليه الآن. لم يخفِ حقيقة استثمارات سريعة وغير مدروسة، وحقيقة أن جزءًا كبيرًا من رأس المال قد تبدد في مشاريع وهمية أو استنزفتها تكاليف باهظة لم تتحقق منها أرباح. اعترف بأنه كان يماطل في إبلاغه، خوفًا من خيبة أمله، ومن أن يظهر أمام عينيه بمظهر الفاشل.

"لقد كنت غريرًا يا والدي، ظننت أنني أمتلك القدرة على تحويل الأحلام إلى واقع بسرعة البرق. استهنت بتعقيدات السوق، وبقوة المنافسين. لقد وقعت في فخ الوعد السريع والربح الوفير الذي لم يكن موجودًا إلا في خيالي." شعر أحمد أن لسانه أصبح ثقيلًا، وأن كل اعتراف جديد هو طعنة في جسد ثقته بنفسه.

ظل الحاج إبراهيم صامتًا للحظات، ينظر إلى نقطة بعيدة في الغرفة، وكأنما يستحضر صورًا لماضٍ قريب. ثم قال بصوت هادئ ولكنه يحمل قوة لا تخطئها الأذن: "المال ليس كل شيء يا أحمد. المال الذي يُكتسب بالحلال ويُستثمر بحكمة هو بركة. ولكن مال يُخسر بتهور، ويُصبح سببًا للخسارة، يتحول إلى وبال. كنت أرى فيك الأمل، وكنت أثق بذكائك، ولكن يبدو أن الثقة وحدها لا تكفي. العقار لا يبنى على الثقة فقط، بل على الحساب والدراسة والخبرة."

استمر أحمد في الاعتراف، ملمحًا إلى بعض التنازلات التي اضطر إلى القيام بها، إلى بعض الاتفاقات التي ربما لم تكن دائمًا في إطار الشفافية التامة، ليس بدافع الغش، بل بدافع اليأس والرغبة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه. "لم أكن أريد أن أخذلك، ولا أريد أن أخسر كل شيء. لقد حاولت بكل الطرق، ولكن يبدو أنني كنت أزيد الطين بلة."

انتهى أحمد من كلامه، وشعر بأن الهواء في الغرفة قد أصبح باردًا. رفع بصره ليواجه أباه، فوجده ينظر إليه بحزن عميق، ولكنه لم يحمل أي غضب. قال الحاج إبراهيم: "يا بني، الخطأ ليس في الوقوع، بل في عدم النهوض. والاعتراف بالخطأ هو نصف الحل. ولكن هناك جانب آخر لم تتحدث عنه يا أحمد."

ارتعش قلب أحمد. كان يعلم أن والده أذكى من أن تمر عليه كل التفاصيل. "أي جانب يا والدي؟"

"جانب سارة."

ذبل وجه أحمد. كان يعلم أن هذه هي النقطة الأكثر حساسية. "لقد.. لقد أثرت الظروف على خطوبتنا. لم تكن الأمور واضحة لها، وربما أكون قد تعمدت إخفاء بعض الحقائق عنها أيضًا."

"الصدق يا أحمد، هو عماد أي علاقة، فما بالك بعلاقة زواج؟ إن كنت تخفي عليها أمرًا كهذا، فكيف ستعيش معها؟ كيف ستبني معها بيتًا على أساس من الظلم؟"

أحنى أحمد رأسه. كان كل ما قاله والده يتردد في أذنيه كأجراس إنذار. "لقد ظننت أنني سأصلح الأمور قبل أن تتكشف، وأنني سأفاجئها بالنجاح لا بالفشل."

"ولكنك فاجأتها، وإن لم يكن بالطريقة التي تمنيتها. سارة فتاة نقية، ومن حقها أن تعرف الحقيقة كاملة. لم تكن الخسارة المادية وحدها هي ما يهم، بل ضياع الثقة، وربما ضياع مستقبل لم يعد معلومًا."

شعر أحمد بغصة في حلقه. لقد فهم الآن حجم الخطأ الذي ارتكبه. لم يكن الأمر متعلقًا فقط بخسارة المال أو سمعته، بل يتعلق بمستقبل علاقته بمن يحب. لقد أدت رغبته في إخفاء عجزه إلى تفاقم المشكلة، وأبعدته عن الحل.

"ماذا ستفعل الآن يا أحمد؟" سأل الحاج إبراهيم، بنبرة تجمع بين التحدي والحكمة. "هل ستستسلم للأمر الواقع، أم ستبدأ رحلة إصلاح ما أفسدت؟ الرحلة لن تكون سهلة، وستتطلب جهدًا وصبرًا، وربما تضحيات أكبر."

وقف أحمد، وشعر بأن شيئًا قد انكسر بداخله، ولكنه في الوقت نفسه شعر ببداية قوة جديدة. "سأفعل يا والدي، سأحاول. سأواجه سارة، وسأواجه كل ما يترتب على قراراتي. أعرف أن الأمر سيكون صعبًا، وأن الثقة التي فقدتها لن تعود بسهولة، ولكنني سأبذل كل ما في وسعي."

نظر الحاج إبراهيم إلى ابنه، ورأى في عينيه لمحة من الندم الصادق، وإصرارًا على التصحيح. ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال: "هذا هو ابني الذي أعرفه. ابدأ بالإصلاح من الداخل، ثم انظر إلى الخارج. ابدأ بقلبك، وبصدقك، وبالتوبة عن الخطأ. الباقي سيأتي بإذن الله."

خرج أحمد من مكتب والده، ولم يكن يحمل ثقل اعترافه بنفس القدر، بل حمل عبء المسؤولية. أدرك أن "يوم بلا أخطاء" قد يكون بعيد المنال، ولكن الأهم هو كيفية التعامل مع الأخطاء عندما تحدث. لقد فتح اعترافه الباب أمام فصل جديد، فصل مليء بالتحديات، ولكنه فصل يبدأ بنور الصدق، ولو كان هذا النور قد أتى بعد عتمة كبيرة. كانت الأخطاء قد عرت دوافعه، وكشفت عن هشاشته، ولكنها في الوقت ذاته أضاءت له طريق التصحيح.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%