الجار المضحك الجزء الثالث

هواجس تحت سماء الرياض

بقلم وليد المرح

كانت سماء الرياض وقت الغروب تشتعل بألوانٍ تتناغم مع اضطراب مشاعر خالد. اختبأ خلف ستائر غرفة المعيشة، يراقب من النافذة ذلك البيت المجاور الذي بات مصدر قلقه الأكبر. لم يكن الأمر يتعلق بشخصٍ بعينه، بل بتلك الهالة الغامضة التي أحاطت بالعائلة الجديدة التي استقرت فيه. كانوا قد أتوا من مكانٍ بعيد، حاملين معهم قصصًا لم تُروَ بعد، ونوايا غير واضحة.

تنهد خالد، ومرر يده فوق شعره الناعم، يقلب في ذهنه كل ما سمعه وشاهده. ذلك الرجل، والد العائلة الجديدة، كان يتصرف بغرابة. لم يره إلا نادرًا، وعندما يراه، كان تبدو على وجهه ملامحٌ لا تفسير لها. هل هي حكمةٌ تخفى خلفها أسرار، أم شيءٌ آخر؟ أما الفتاة، ليلى، فكانت لوحةً فنيةً متكاملة، بجمالها الهادئ ورقتها التي تخفي وراءها ربما قوةً كامنة. كان يجد نفسه يراقبها أحيانًا، يتساءل عن حكايتها، عن سبب وجودها في هذا المكان.

تسلل إلى مسمعه صوت والدته الحنون، تناديه من المطبخ: "خالد يا بني، الغداء جاهز. لم تتناول شيئًا منذ الصباح." نهض خالد، متظاهرًا باللامبالاة، وسار نحو المطبخ. رائحة الملوخية الشهية كانت تملأ الأرجاء، ولكن شهيته كانت قد أُقفلت. جلس إلى المائدة، وحاول أن يبتسم لوالدته ووالده.

"ما بك يا خالد؟ تبدو شارد الذهن." سأله والده، بصوته العميق الهادئ. "لا شيء يا أبي، مجرد بعض الأفكار المتعلقة بالعمل." كذب خالد، وكان يكره الكذب على والديه. "العمل مهم، ولكن لا تنسَ نفسك يا بني. صحتك وراحتك أهم." قالت والدته، وهي تضع له طبقًا من الملوخية.

في خضم نقاشاتهم العائلية المعتادة، كانت روح خالد تنجرف نحو البيت المجاور. في كل حركةٍ، في كل ظلٍ يمر من خلف الستائر، كان يبحث عن إجابات. هل كانت هواجسه مجرد وساوس شيطانية، أم أن هناك ما يستدعي الحذر؟

في تلك الليلة، لم يستطع خالد النوم. تقلب في فراشه، وذهب إلى النافذة مرةً أخرى. رأى ضوءًا خافتًا في إحدى نوافذ البيت المجاور. كان شكلًا بشريًا يتحرك خلف الستار. من هو؟ وماذا يفعل في هذا الوقت المتأخر؟

قرر خالد أن الوقت قد حان لأن يتحرك. لم يعد بإمكانه الانتظار. كان عليه أن يعرف الحقيقة، أن يكشف الستار عن الغموض الذي يلف جيرانه الجدد. ربما كان عليه أن يتحدث إلى ليلى مباشرةً، أن يبحث عن خيطٍ رفيعٍ يقوده إلى ما وراء جدار الصمت. كان يعرف أن هذا قد يكون تصرفًا جريئًا، ولكنه لم يرَ فيه خيارًا آخر.

في صباح اليوم التالي، وعندما كانت أشعة الشمس الذهبية تبدأ في غزو المدينة، خرج خالد إلى الحديقة، متظاهرًا بالاستمتاع بالهواء الطلق. كان يترقب ظهور ليلى. وبعد لحظات، فتح باب الحديقة الخلفية للمنزل المجاور، وخرجت ليلى. كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، تحمل بيدها سلةً صغيرة.

"صباح الخير." قال خالد، بصوتٍ حاول أن يجعله طبيعيًا قدر الإمكان. توقفت ليلى، ونظرت إليه بابتسامةٍ خجولة. "صباح النور." "أتساءل، هل تحتاجين إلى مساعدة؟" سأل خالد، مشيرًا إلى السلة. "تبدو أنكِ ذاهبةٌ إلى السوق." ترددت ليلى قليلاً، ثم قالت: "في الحقيقة، كنت ذاهبةٌ لأشتري بعض الأغراض من المتجر القريب." "إن كان ذلك يريحك، يمكنني أن أوصلك." عرض خالد، وبدأ قلبه يخفق بسرعة. هذه هي الفرصة.

ابتسمت ليلى بامتنان. "هذا لطفٌ منك، ولكني أفضل المشي." لم ييأس خالد. "حسنًا، ولكن في طريق عودتك، ربما نلتقي؟ أود أن أتعرف عليكِ أكثر، وأتعرف على عائلتكِ. لم تتح لنا الفرصة بعد."

نظرت ليلى إليه، وفي عينيها لمحةٌ من الحذر، ولكنها سرعان ما تلاشت. "بالتأكيد، سيكون من دواعي سروري. تفضل بزيارتنا وقتما شئت." كانت هذه الكلمات بمثابة مفتاحٍ فتح بابًا جديدًا لخالد. غادر وهو يشعر ببعض الراحة، ولكن قلقه لم يتبدد بالكامل. كان يعلم أن هذه مجرد بداية، وأن رحلته لكشف الأسرار لم تبدأ بعد.

عاد خالد إلى منزله، وشعر بأن عبئًا قد خف قليلاً. ولكن في داخله، كانت تتراكم أسئلةٌ جديدة. ما هي الحقيقة التي تختبئ خلف ابتسامة ليلى الهادئة؟ وما هي الأسرار التي يخفيها والدها؟ كان عليه أن يضع خطةً محكمة، أن يقترب بحذر، دون أن يبدو فضوليًا أو متطفلاً. كان لديه يقينٌ واحد: أن هذه العائلة الجديدة جلبت معها شيئًا غامضًا إلى حيّهم الهادئ، وأن هذا الغموض سيغير مسار حياته بشكلٍ لا رجعة فيه.

في تلك الأمسية، بينما كانت الشمس تغرب، قرر خالد أن يضع حجر الأساس لخطةٍ جريئة. لن ينتظر. سيبدأ بالبحث عن أدلةٍ صغيرة، عن تفاصيل قد تبدو غير مهمة للآخرين، ولكنه كان يدرك أن في التفاصيل تكمن الحقائق. كان يتأمل نافذة ليلى، ويتساءل عما يدور خلف جدران تلك الشقة التي أصبحت محور اهتمامه. لم يكن يعلم أن خطوته الأولى هذه ستضعه في مسارٍ مليءٍ بالمفاجآت، وأن أسرار الماضي ستظل تطارده بقوة، لتلقي بظلالها على المستقبل.

نظر إلى ساعته. كانت الساعة تقارب وقت صلاة المغرب. قام واغتسل، ثم اتجه نحو المسجد. في المسجد، وبينما كان يركع ويسجد، كان يدعو الله أن يرشده إلى الصواب، وأن يحميه من كل شر. كان يشعر بأن هناك شيئًا كبيرًا على وشك الحدوث، وأن قدره يتشابك بشكلٍ لا يمكن تفاديه مع قدر جيرانه الجدد.

عاد إلى المنزل، ووجد والديه يتحدثان في الحديقة. اقترب منهما، وجلس يتأمل وجوههما المطمئنة. كم كان يحب هاتين الشخصيتين، اللتين تمثلان الأمان والسكينة في حياته. تساءل في نفسه، هل سيتمكن يومًا ما من مشاركتهما ما يقلقه؟ ربما. ولكن ليس الآن. الآن، عليه أن يجمع الأدلة بنفسه، وأن يتأكد قبل أن يثير قلقهم.

تذكر مرةً أخرى نظرة ليلى، ابتسامتها الخجولة، ولمحة الحذر في عينيها. كان يعتقد أن هذا الحذر لم يكن مجرد خجل، بل كان هناك شيءٌ أعمق. شيءٌ تخفيه. هل هو خوف؟ أم حذر؟ أم أنها تخفي شيئًا لا ترغب في أن يعرفه أحد؟

لم يكن لديه إجابات، ولكن لديه تصميم. تصميمٌ سيقوده إلى أعماق هذا الغموض. كان يعلم أن هذه الرحلة لن تكون سهلة، ولكن ليلى، تلك الفتاة الغامضة، أصبحت محور كل تفكيره. كان يعتقد أن معرفة الحقيقة المتعلقة بها، وبشكلٍ غير مباشر بعائلتها، هي مفتاح حل هذا اللغز.

جلس في غرفته، وفتح جهاز الحاسوب. بدأ في البحث عن أي معلوماتٍ يمكن أن تكون متاحة عن العائلات التي انتقلت حديثًا إلى الرياض. كان يعلم أن هذه محاولةٌ يائسة، ولكنه كان بحاجةٍ إلى القيام بشيء. كان يشعر أن كل ثانية تمر، تزيد من حجم الغموض، وتجعل كشف الحقيقة أكثر صعوبة.

في زاويةٍ من غرفته، كانت هناك صورةٌ قديمة تجمعه بوالديه في رحلةٍ إلى المدينة المنورة. تذكر تلك الرحلة، تذكر روحانية المكان، وسلامه. كان يتمنى لو أن هذا الهدوء والسكينة يكتنفان حياته الآن. ولكنه كان يعلم أن هذه مرحلةٌ تتطلب منه شجاعةً وحكمة.

نظر إلى السماء المظلمة، متمنيًا أن يكشف له الله ما يجب عليه معرفته. كان ينتظر اللحظة المناسبة، اللحظة التي سيتمكن فيها من الاقتراب أكثر من ليلى، وسيكون ذلك الخطوة الأولى نحو كشف المستور. كان يعلم أن المسألة ليست مجرد فضول، بل هي شعورٌ عميقٌ بأن هناك خطرًا يلوح في الأفق، وأنه يجب عليه أن يكون مستعدًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%