الجار المضحك الجزء الثالث
ظلال الماضي على دروب الحاضر
بقلم وليد المرح
تسللت خيوط الفجر الأولى إلى غرفة فاطمة، مطليةً جدرانها بلونٍ ورديٍ هادئ. كانت فاطمة، والدة خالد، تجلس عند نافذة غرفتها، تحتسي كوبًا من الشاي بالنعناع، وعيناها تتجولان في أرجاء الحي. كان قلبها يفيض بحنانٍ لا يوصف تجاه ابنها. كانت تدرك أن خالد في مرحلةٍ حساسةٍ من حياته، مرحلةٌ تتداخل فيها أحلام الشباب مع مسؤوليات الحياة.
"يا رب، احفظ لي ابني. أرشده إلى الطريق الصحيح، واحميه من كل شر." همست بصوتٍ خافت، رفعت يدها بالدعاء. كانت تشعر بأن خالد يحمل همًا ما، ولكنه كان يفضل أن يحتفظ به لنفسه. هذا ما كان يقلقها. حبها له كان يدفعها للتساؤل، هل هو في خطر؟ هل هناك ما يزعجه؟
في الجهة المقابلة، في ذلك المنزل الجديد الذي أثار فضول الحي بأسره، كانت ليلى تقف أمام مرآتها. تنظر إلى انعكاسها، وتتأمل خطوط وجهها التي تحمل آثار تجربةٍ قاسية. كانت تحمل في قلبها ثقل الذكريات، وأملًا هشًا في مستقبلٍ أفضل. والدها، الرجل الصامت ذو العينين الحزينتين، كان يعيش في عالمٍ آخر، عالمٍ لم تفهمه تمامًا. كانت تشعر بالمسؤولية تجاهه، وبحبٍ عميقٍ دفين.
"ماذا تخفي يا أبي؟" سألت نفسها بصوتٍ متردد. "ما هي تلك الأسرار التي جعلتك هكذا؟" كانت تتذكر حديثها مع خالد في اليوم السابق. ابتسامته الصادقة، ونبرة صوته الودودة. شعرت بقليلٍ من الراحة، ولكنها كانت تعلم أن التقرب منه قد يكون خطيرًا، ليس عليها فحسب، بل عليه أيضًا. فقد كانت تعلم أن والدها يحاول جاهدًا حمايتها، وأن أي انكشافٍ لقدمه قد يعرضهما للخطر.
في وقتٍ لاحقٍ من ذلك الصباح، قررت ليلى أن تزور عمها، الذي كان يقيم في حيٍ قريب. كان عمها، السيد سعيد، رجلاً صالحًا، ذا قلبٍ كبير. كانت تجد في حديثه معها ملاذًا من قلقها.
"كيف حالك يا ابنتي؟" سأل السيد سعيد، وهو يحتضنها بحنان. "تبدين متعبةً بعض الشيء." "الحمد لله يا عمي." أجابت ليلى، محاولةً إخفاء قلقها. "فقط بعض الأفكار تدور في رأسي." "هل الأمر يتعلق بوالدك؟" سأل عمها، وعيناه تفحصان وجهها. "نعم يا عمي." قالت ليلى، وبدأت دموعها تنهمر. "هو دائمًا هكذا، صامتٌ، حزينٌ، وكأنه يحمل هموم الدنيا كلها. وأنا لا أعرف ما الذي يمكنني فعله لمساعدته."
تنهد السيد سعيد، ووضع يده على كتفها. "والدك يا ابنتي مر بتجارب قاسية. لقد فقد الكثير في حياته، وخاصةً بعد رحيل والدتك. ولكنه رجلٌ قوي، وسيتجاوز كل شيء. المهم أن تظلي أنتِ قويةً بجانبه." "ولكن يا عمي، أشعر أن هناك شيئًا لا أعرفه. شيئًا كبيرًا." قالت ليلى، وعيناها تلمعان بالأمل. "هل هناك ما يمكن أن تخبرني به؟"
نظر السيد سعيد إلى خارج النافذة، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. "بعض الأسرار يا ابنتي، لا يجب أن تُكشف إلا في وقتها. ولكن اعلمي أن والدك يحبك كثيرًا، وأنه يحميكِ من كل شر. ولكن هناك قوى خارجية تحاول النيل منا، ولهذا السبب يتصرف بهذه الحذر." "قوى خارجية؟" سألت ليلى، بذهول. "من هي؟ وماذا تريد؟"
"هذا ما سيكشفه الله لنا في وقته." قال السيد سعيد. "أما الآن، فعليكِ أن تركزي على حياتكِ. واعلمي أنني موجودٌ دائمًا لكِ ولأبيكِ." ودعت ليلى عمها، وعادت إلى منزلها، حاملةً معها المزيد من التساؤلات. ما هي تلك القوى الخارجية؟ وما الذي كان يخشاه والدها؟
في تلك الأثناء، كان خالد قد قرر أن يتخذ خطوةً أخرى. بعد أن حصل على وعدٍ من ليلى بزيارتهم، قرر أن يعد نفسه جيدًا. لم يكن يريد أن يبدو كشخصٍ فضولي، بل كشخصٍ مهتمٍ بالتعرف على جيرانه.
بدأ في البحث عن معلوماتٍ عن أسماء عائلاتٍ مشابهة لاسم العائلة الجديدة، وإن كان لا يعرف اسمه الحقيقي. لم يجد شيئًا ذا قيمة. بدا الأمر وكأنهم قد اختفوا من السجل العام. هذا زاد من شكه.
في إحدى المكتبات العامة، وبينما كان يتصفح مجلاتٍ قديمة، وقعت عيناه على خبرٍ صغيرٍ في قسم الأخبار المتفرقة. كان يتحدث عن اختفاء أحد رجال الأعمال المعروفين قبل سنوات، ولم يُعثر له على أثر. كان اسم الرجل مرتبطًا بعائلةٍ معروفةٍ في الخارج. نظر خالد إلى الصورة المرفقة بالخبر. كان وجه الرجل يبدو غريبًا، ولكنه شعر بشيءٍ من التشابه في الملامح. هل يكون هو والد ليلى؟
احتفظ خالد بالصورة، وخرج من المكتبة وهو يشعر ببردٍ يتسلل إلى عظامه. كان الأمر أكبر مما تخيل. لم يكن مجرد جيران جدد، بل ربما كانوا يحملون أسرارًا خطيرة.
عاد إلى المنزل، ووجد والده يقرأ جريدة الصباح. "ماذا تفعل يا أبي؟" سأل خالد. "أتابع الأخبار يا بني." أجاب والده. "وهل لديك ما تشغل به وقتك؟" "في الحقيقة، لدي بعض الأمور التي أفكر فيها." قال خالد، وهو يجلس بجانب والده. "هل سمعت شيئًا عن أي عائلاتٍ جديدة انتقلت إلى الحي مؤخرًا؟"
رفع والده حاجبيه. "لم أسمع شيئًا مميزًا. ولكن هناك عائلةٌ انتقلت إلى البيت المجاور. بدا أنهم هادئون." "هل تعرف أسماءهم؟" سأل خالد، بلهفة. "لا، لم أركز في ذلك." أجاب والده. "ولماذا هذا الاهتمام المفاجئ؟"
ابتسم خالد ابتسامةً باهتة. "مجرد فضول، يا أبي. أردت أن أتعرف على جيراني." شعر خالد بأن والديه بدأوا يلاحظون تغييره. لم يكن يريد أن يقلقهم، ولكنه لم يكن يستطيع إخفاء ما اكتشفه. كان الأمر يتطلب حذرًا شديدًا.
في المساء، وبينما كان يتناول العشاء مع عائلته، استمع خالد إلى حديث والدته عن تفاصيل يومها. كانت تحكي عن زيارتها لصديقتها، وعن أخبار الجيران. "هل زرتِ عائلة السيد أحمد؟" سأل خالد، اسمًا اخترعه. "من تقصد يا بني؟" سألت والدته. "ذلك الرجل الذي انتقل إلى البيت المجاور." قال خالد. "آه، نعم. لم ألتقِ به شخصيًا، ولكن رأيت ابنته. فتاةٌ مهذبةٌ جدًا." قالت والدته. "اسمها ليلى." أضاف خالد، متذكرًا.
شعر خالد أن المعلومات تتجمع ببطء. كان عليه أن يكون صبورًا، وأن ينتظر اللحظة المناسبة ليكشف المزيد. ولكن كان يعلم أن كل ما يكتشفه يزيد من تعقيد الموقف، ويقربه من نقطةٍ لا رجعة فيها. كان يقف على حافة عالمٍ غامض، عالمٍ يجمع بين الأسرار والخطر، ولم يكن يعرف ما إذا كان سيتمكن من الخروج منه سالمًا.