الجار المضحك الجزء الثالث
اللقاء المشؤوم
بقلم وليد المرح
اشتدت وطأة قلق خالد مع مرور الأيام. كان ينتظر زيارة ليلى بفارغ الصبر، ولكن هذا الانتظار كان ممزوجًا بتوجسٍ متزايد. ما اكتشفه في المكتبة العامة كان قد قلب كيانه رأسًا على عقب. صورة رجل أعمالٍ مختفٍ، تتطابق ملامحه بشكلٍ مخيف مع صورة والد ليلى التي رآها في لمحاتٍ خاطفة. كانت المعلومات شحيحة، ولكنها كانت كافيةً لإشعال فتيل الشكوك في عقله.
قرر خالد أن يكون أكثر جرأة. بدلاً من الانتظار حتى تأتي ليلى لزيارتهم، قرر أن يذهب هو لزيارتها، وذلك بحجةٍ واهيةٍ ولكنه كان يأمل أن تتقبلها. ارتدى أفضل ثيابه، ونفض الغبار عن حذائه، وتوجه نحو باب جيرانه.
دقات قلبه كانت تتسارع مع كل خطوةٍ يخطوها. تخيل سيناريوهات مختلفة، بعضها مشرقٌ وبعضها مظلم. هل ستقابله ليلى بوجهٍ مبتسم، أم بنظرةٍ من الحذر؟ هل سيتمكن من رؤية والدها؟ وماذا لو اكتشف والده أن له علاقةً بهذا البيت؟
وصل إلى الباب، واستنشق نفسًا عميقًا. ثم دق. لم يطل الانتظار، فالباب فُتح. كانت ليلى. بدت أكثر جمالاً ورقةً مما كان يتذكر. ابتسامةٌ خجولةٌ ارتسمت على وجهها.
"أهلاً بك يا سيد خالد." قالت بصوتٍ هادئ. "تفضل بالدخول." ارتسمت ابتسامةٌ على وجه خالد، وبدأ قلبه يخفف من سرعته. "شكرًا لكِ يا ليلى. كنت أتمنى أن أتعرف على منزلكم، وعلى عائلتكِ." دخل خالد، ووجد نفسه في صالةٍ بسيطةٍ وأنيقة. الجو كان هادئًا، ولكن كان هناك شعورٌ غامضٌ بالثقل يخيم على المكان.
"عذرًا، والدي ليس موجودًا الآن." قالت ليلى، وبدت عليها لمحةٌ من الأسف. "لقد خرج في موعدٍ مهم." شعر خالد بخيبة أملٍ، ولكنه حاول ألا يبدو ذلك عليه. "لا بأس. ربما ألتقيه في وقتٍ آخر." "تفضل بالجلوس." قالت ليلى، وأشارت إلى أريكةٍ مريحة.
جلسا، وبدأت ليلى في التحدث عن يومها، عن قراءاتها، وعن اهتمامها بالطبخ. حاول خالد أن يبدو مهتمًا، ولكنه كان عينه تتفحص كل زاويةٍ في الغرفة. لاحظ صورًا قليلةً معلقةٍ على الحائط. صورٌ لعائلةٍ تبدو سعيدة، ولكن لم يكن هناك أي صورةٍ لوالدها. هل كان ذلك متعمدًا؟
"كنت أتساءل، يا ليلى." بدأ خالد، بصوتٍ حاول أن يجعله طبيعيًا. "لقد رأيت في الأخبار مؤخرًا بعض التقارير عن رجل أعمالٍ اختفى قبل سنوات. هل سمعتِ شيئًا عن ذلك؟" تصلبت ليلى في مكانها. اختفت الابتسامة من وجهها، وحلت محلها نظرةٌ من الحذر والقلق. "لا، لم أسمع شيئًا." قالت بصوتٍ خافت.
شعر خالد بأن جلده قد قشعر. كان متأكدًا الآن. لقد لامس وترًا حساسًا. "ولكن..." استمر خالد، وهو يراقب رد فعلها. "تبدو الملامح متشابهةً جدًا مع صورةٍ رأيتها في جريدة." تجمدت ليلى. عيناها اتسعتا، وكان هناك شيءٌ من الخوف يلمع فيهما. "لا أعرف عما تتحدث." قالت بصوتٍ أقرب إلى الهمس.
في تلك اللحظة، سُمع صوت مفتاحٍ يدخل إلى قفل الباب. تجمّدت كلتاهما. "إنه والدي." قالت ليلى، بصوتٍ مرتجف. "لقد عاد مبكرًا." دخل الرجل. كان طويل القامة، بعينين ثاقبتين تخفيان الكثير. بدت عليه علامات الإرهاق، ولكن كان هناك شيءٌ من القوة والحزم في وقفته. عندما رأى خالد، تجمد للحظة، ثم قال بصوتٍ أجش: "من هذا؟"
"إنه جارنا، سيد خالد." قالت ليلى، بصوتٍ بالكاد مسموع. "لقد جاء لزيارتنا." نظر الرجل إلى خالد بنظرةٍ فاحصة، نظرةٌ جعلت خالد يشعر وكأنه يخضع للاستجواب. "تفضل بالجلوس." قال الرجل، بصوتٍ بارد.
جلس خالد، وهو يشعر بأن الجو قد أصبح متوترًا. كان الرجل يراقبه بنظراتٍ ثاقبة، وكأنه يحاول قراءة ما يدور في رأسه. "سمعت أنك تسأل عن بعض الأمور المتعلقة بالأخبار." قال الرجل، بنبرةٍ اتهامٍ خفية. "هل لديك سببٌ خاص لذلك؟" "في الحقيقة، أنا مهتمٌ بالأخبار بشكلٍ عام." أجاب خالد، بصوتٍ حاول أن يجعله واثقًا. "ولم أكن أعرف أن حديثي سيثير هذا الانزعاج."
"الانزعاج؟" ضحك الرجل ضحكةً قصيرةً بلا مرح. "لا أحد هنا منزعج. ولكن نحن نحب الخصوصية، وربما لم تعتادوا على ذلك." شعر خالد بأن هذا الرجل يحاول تهديده. كان عليه أن يكون حذرًا. "بالطبع، أفهم ذلك." قال خالد. "ربما حان وقت انصرافي. أشكركِ على حسن الضيافة يا ليلى."
وقف خالد، وشعر بأن هناك شيئًا ما قد حدث. لقد شعر بأن زيارته لم تكن عادية، وأن اكتشافه قد أثار رد فعلٍ قويًا. "إلى اللقاء." قال خالد، ونظر إلى ليلى. كانت عيناها تطلب منه أن يذهب، وعيناه تقول لها: "سأعود."
عندما خرج خالد من منزل الجيران، شعر وكأن ثقلًا قد أُلقي على كاهله. لقد اكتشف شيئًا، ولكنه لم يعرف بعد حجم هذا الشيء. لقد رأى في عيني والد ليلى ذلك الشرود، وذلك الذعر الخفي. لقد أدرك أن هذا الرجل يخفي سرًا كبيرًا، وأن ليلى تعيش تحت وطأة هذا السر.
عاد خالد إلى منزله، وكان قلبه يضطرب. لقد وضع نفسه في موقفٍ خطير. ولكنه لم يندم. لقد كان مدفوعًا بشعورٍ بالمسؤولية، وبإحساسٍ قويٍ بأن هناك ظلمًا ما يحدث، وأنه يجب عليه أن يكشف الحقيقة.
في تلك الليلة، لم يستطع خالد النوم. تقلب في فراشه، يتذكر نظرات والد ليلى، وكلماته الباردة. كان يعلم أن هذه مجرد البداية، وأن هناك الكثير من التحديات في انتظاره. ولكن كان هناك شيءٌ يدفعه للاستمرار، شيءٌ يتعلق بليلى، وبعينيها اللتين كانتا تطلب المساعدة.