الجار المضحك الجزء الثالث
غيمة سوداء فوق بيت الهاشمي
بقلم وليد المرح
استيقظت نورا على صوت قرع الأبواب المعتاد، لكنه كان هذه المرة يحمل إيقاعاً مختلفاً، إيقاعاً ثقيلاً، يوحي بما هو أبعد من مجرد زيارة صباحية. كان شعاع الشمس يتسلل خجولاً من ثقوب الستائر، يرسم خطوطاً ذهبية على أرضية الغرفة، لكنها لم تستطع أن ترى فيه دفء الأمس. كان قلبها ينقبض بصمت، تشعر بخوف غير مبرر يتسلل إلى عروقها. نهضت من فراشها، وشعرها المبعثر ينم عن قلق متزايد. ارتدت ملابسها بسرعة، متجاهلة تفاصيلها، فالمهم هو النزول ومقابلة ما ينتظرها.
نزلت إلى الدور السفلي، حيث كان والدها، الحاج أحمد، يجلس في صدر المجلس، وجهه عابس، ويداه متشابكتان أمامه بعصبية. بجانبه، كان عمها، أبو سعيد، يبدو متأثراً أيضاً، لكنه كان يحاول أن يظهر رباطة جأش تخفف من وطأة الموقف. عند رؤيتها، أومأ إليها الحاج أحمد برأسه إيماءة خفيفة، دون أن يرفع بصره عن الأرض. كانت والدتها، أم نورا، تقف بالقرب منه، وعيناها زائغتان، تبدو وكأنها تحاول جمع شتات أفكارها.
"صباح الخير يا أبي، صباح الخير يا عمي," قالت نورا بصوت خافت، لا يخلو من تردد. "صباح النور يا ابنتي," أجاب الحاج أحمد بصوت أجش. "اجلسي."
جلست نورا على طرف الأريكة، تنتظر بقلب يخفق. كانت تعلم أن هناك أمراً جللاً قد حدث. عيونها تتنقل بين وجهي الرجال، تبحث عن أي إشارة.
"نورا،" بدأ أبو سعيد الكلام، وصوته يحمل نبرة جدية لم تسمعها منه من قبل. "هل أنتِ متأكدة تماماً مما سمعته بالأمس؟"
ارتعش جسد نورا قليلاً. أمس. أمس الذي شهدت فيه ما غير مجرى حياتها، وما جعلها تقضي ليلة بأكملها لا تنام، تتصارع مع ما رأته. "نعم يا عمي، أنا متأكدة. لم أكن أتخيل. رأيت بعيني."
شحب وجه الحاج أحمد أكثر. "وماذا رأيتِ بالضبط يا ابنتي؟ تحدثي بصراحة."
ترددت نورا. هل تستطيع أن تفضح جارهم؟ هل تستطيع أن تفسد سمعة رجل، حتى لو كان ما فعلته يستحق ذلك؟ لكن صمتها لن يغير شيئاً، ولن يحمي أحداً. تنفست بعمق، واستجمعت قواها. "رأيت السيد إبراهيم، جارنا، في وقت متأخر من الليل. كان يضع شيئاً في حقيبة. وبعد ذلك، تحدث مع رجل غريب، وكانوا يحملون الحقيبة إلى سيارة داكنة اللون. بدا الأمر سرياً وخطيراً."
ساد الصمت للحظات، صمت ثقيل كصخرة. كان الجميع يدرك خطورة ما قالته نورا. السيد إبراهيم. الرجل الذي يبدو مهذباً، والذي يمازح الحاج أحمد في كل فرصة، والذي يبدو محترماً أمام الجميع. هل يمكن أن يكون متورطاً في أمر مشبوه؟
"وهل تعرفين ما كان في الحقيبة؟" سأل الحاج أحمد بصوت منخفض.
"لا يا أبي، لم أرَ ما بداخلها. لكن الطريقة التي كانوا يتعاملون بها، السرية، الوجوه المتوترة، كل ذلك جعلني أشعر بالخوف. خاصة عندما سمعت السيد إبراهيم يقول للرجل: 'هذه الصفقة يجب أن تتم بهدوء، لا نريد أن يلتفت أحد إلينا'."
هذه الكلمات وقعت كالصاعقة. "صفقة" و"هدوء". هذه المصطلحات لا تخرج من فم رجل بريء.
"هذا ليس بالأمر الهين يا نورا," قال أبو سعيد بجدية. "اتهام جار، وخاصة السيد إبراهيم، هو أمر يتطلب دليلاً قاطعاً. هل أنتِ متأكدة أنك لم تتوهمي؟ ربما كان لديه سبب آخر؟"
"يا عمي، أنا لم أذهب لأبحث عن شيء، كنت ألعب في الحديقة، وفجأة سمعت أصواتاً. ثم رأيت الظلام والتحركات. أنا أقسم أنني رأيت ما رأيت."
تنهد الحاج أحمد، وشعر بالعبء يزداد ثقلاً. كان يعرف طيبة قلب نورا، وعدم ميلها للكذب أو المبالغة. ولكن في نفس الوقت، كان يخشى التسرع في الحكم.
"إذا كان الأمر كما تقولين يا نورا، فهذا يعني أن جارنا قد يكون متورطاً في أمور لا ترضي الله ولا تخاف الله," قال الحاج أحمد بنبرة فيها حزن وغضب. "لكن ما العمل؟ لا يمكننا أن نواجهه مباشرة دون دليل، فقد ينكر، وربما يقلب الأمر ضدنا. خاصة وأنه يمتلك نفوذاً في الحي."
"ربما يجب أن نبلغ الشرطة؟" اقترحت والدة نورا بخوف.
"الشرطة؟" تكرر الحاج أحمد بصوت متشكك. "ونقول لهم ماذا؟ رأينا جارنا يضع شيئاً في حقيبة مع رجل غريب؟ دون أن نعرف ما هو؟ قد يظنون أننا نختلق القصص، أو أننا نغار منه. ونحن لا نريد أن نثير المشاكل مع السلطات دون سبب قوي."
"لكن لا يمكننا أن نسكت," قالت نورا بعزم. "إذا كان يفعل شيئاً سيئاً، فمن واجبنا أن نمنعه. ماذا لو كان هذا الشيء يؤذي أحداً؟"
"نعم، نورا على حق," قال أبو سعيد. "السكوت عن المنكر، إذا استطعنا أن نغيره، هو مشاركة فيه. ولكن كيف؟"
بدأ الحاج أحمد يدور في الغرفة، يفرك ذقنه، يفكر بعمق. "يجب أن نجمع المزيد من المعلومات. يجب أن نتأكد. السيد إبراهيم شخصية معروفة، وله سمعة. لا يمكن أن ندمر سمعته وسمعة عائلته لمجرد شبهة، مهما بدت قوية. ولكن في نفس الوقت، لا يمكن أن نترك الأمر يمر هكذا."
"ماذا لو حاولنا أن نرى إذا كان سيكرر ذلك؟" اقترحت نورا. "ربما يمكننا أن نراقب تحركاته لليلة أخرى، أو اثنتين. إذا رأينا شيئاً آخر، يمكننا أن نأخذ الأمر إلى الجهات المختصة."
نظر الحاج أحمد إلى ابنته، ثم إلى أخيه. كانت عيناه تحملان خليطاً من القلق والتصميم. "هذا اقتراح جيد يا نورا. سنحاول أن نراقب، لكن بحذر شديد. لا نريد أن يكشفنا. يجب أن نتجنب أي احتكاك مباشر. إذا كان السيد إبراهيم يشارك في أمور خطيرة، فقد يكون خطيراً هو الآخر."
"وإذا اكتشف أننا نراقبه؟" سألت والدة نورا بقلق.
"سنتصرف بحذر شديد يا أم نورا. أهم شيء الآن هو سلامتنا وسلامة عائلتنا. ولكن لا ننسى أن الله يرى كل شيء. وإذا كان السيد إبراهيم يفعل شيئاً حراماً، فالله سيظهر الحق."
كانت الغيمة السوداء قد انقضت فوق بيت الهاشمي. القلق بدأ يتغلغل في قلوبهم، والتساؤلات تطرح نفسها بقوة. لم يعد الأمر مجرد مزاح من جار، بل أصبح شبهة حقيقية، شبهة قد تقودهم إلى مواجهة صعبة، إلى كشف حقيقة مظلمة، إلى وضعهم في موقف لا يحسدون عليه. هل كان السيد إبراهيم مجرد جار مشاغب، أم أنه يمتلك وجهاً آخر، وجهاً خفياً، مظلماً، لا يعرفه إلا هو؟ كان المستقبل يحمل في طياته الكثير من الغموض، والكثير من الخوف.