الجار المضحك الجزء الثالث
ظلال الماضي تحت سماءٍ غائمة
بقلم وليد المرح
كانت المزرعة المهجورة، بكل ما تحمله من وحشةٍ وصمت، قد تركت في نفس حسان وفواز شعورًا بالاختلاط بين الأمل والارتباك. الصور التي وجداها في الصندوق لم تكن تخصّ ليلى، ابنة فواز، بل كانت تخصّ فتاةً أخرى تدعى "سعاد"، ابنة صديقٍ قديم لفواز يُدعى "موسى".
"سعاد... موسى..." ردد حسان اسميهما بصوتٍ خفيض، وهو يراقب وجه فواز الذي بدا وكأنه قد عاد بالزمن إلى الوراء. "هل تعرف عنهما شيئًا؟"
أجاب فواز وهو يقلب صفحات ألبوم الصور بعينين تلمعان بالحنين والألم: "لقد كنا أصدقاء مقربين جدًا أنا وموسى. كنا نعمل معًا في نفس الشركة في الماضي. ثم، فجأة، اختفى هو وزوجته وابنته سعاد. لم يخبر أحدًا بما حدث. كل ما أعرفه هو أنه كان يعاني من مشاكل مالية كبيرة قبل اختفائه."
"ولماذا لم تبحث عنه؟" سأل حسان.
"حاولت يا حسان، بكل الطرق. ذهبت إلى منزله، وسألت عنه زملائه، لكن لا أحد كان يعرف شيئًا. كأنهم تبخروا. ولم أعد أسمع عنه شيئًا منذ ذلك الحين."
تلاقت عينا حسان وعينا فواز. كانت هناك نقطةٌ مشتركةٌ تجمع بين بحثهما: الاختفاء. اختفاء ليلى، واختفاء موسى وعائلته.
"هل تعتقد أن هناك رابطًا بين اختفاء ليلى واختفاء موسى وعائلته؟" سأل حسان.
"لا أستطيع الجزم"، أجاب فواز، وعلامات الشك تلوح على جبينه. "لكنني أتذكر جيدًا أن موسى كان لديه ديونٌ كبيرة، وكان يبحث عن مخرجٍ من أزمته. هل يمكن أن يكون قد فعل شيئًا مدفوعًا باليأس؟"
"لكن ما علاقة سعاد، ابنته، باختفاء ليلى؟" تساءل حسان.
"هذا هو السؤال الذي يدور في رأسي الآن"، قال فواز وهو ينظر إلى صورة سعاد الصغيرة في الألبوم. "هل كان هناك اتفاقٌ بين موسى وشخصٍ آخر؟ هل كان اختفاء ليلى جزءًا من خطةٍ أكبر؟"
شعر حسان بالدوار. كانت القصة تزداد تعقيدًا، وتتشابك خيوطها بطرقٍ لم تكن متوقعة. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالبحث عن ليلى، بل ربما كشف مؤامرةً قديمة.
"سيدي"، قال حسان بجدية، "إذا كان الأمر يتعلق بـ'موسى' وعائلته، فربما يكون هناك طريقٌ آخر للبحث. هل تعرف عن أي مكانٍ كان يتردد عليه موسى؟ أي أصدقاء آخرين له؟"
فكر فواز مليًا. "أتذكر أنه كان يتردد على مقهىً قديم في وسط المدينة. وكان لديه صديقٌ يدعى 'عادل'، وكانوا دائمًا ما يتحدثون عن العمل. ربما يمكن لعادل أن يعرف شيئًا."
"إذن، سنذهب للبحث عن السيد عادل"، قال حسان، وشعر بأن هذه هي الخطوة المنطقية التالية.
بعد عودتهما من المزرعة، أخبر حسان والده بما حدث. استمع الأب طارق بحذر، وبدت علامات القلق على وجهه.
"هذا الأمر أصبح أكثر تعقيدًا مما كنت أتوقع يا حسان"، قال طارق. "هذا الرجل، فواز، يبدو أنه يخفي شيئًا. لماذا لم يخبرك عن صديقه موسى وابنته سعاد من قبل؟ ولماذا لم يبحث عنهم؟"
"لا أعرف يا أبي. ربما لم يكن الأمر مهمًا بالنسبة له حتى الآن. ولكن الآن، بعد أن وجدنا هذه الصور، يبدو أن كل شيء قد تغير."
"يجب أن نحذر يا بني"، قال طارق بحكمة. "هناك قصصٌ لا يجب أن نفتحها بسهولة. قد تكون هناك عواقب وخيمة."
"ولكن كيف يمكننا تجاهل البحث عن ليلى، يا أبي؟" سأل حسان. "إنها روحٌ بريئة اختفت، ووالدها يبحث عنها بقلبٍ منفطر."
"أتفهم شعورك يا بني. ولكنني أخشى أن يكون السيد فواز يستخدمك لغرضٍ آخر. ربما ليبحث عن شيءٍ شخصي له، وليس بالضرورة عن ابنتك."
"ولكن الألبوم كان في المزرعة التي ربما تكون مرتبطة باختفاء ليلى. أليس كذلك؟"
"هذا صحيح"، اعترف طارق. "ولكن المزرعة كانت مهجورة منذ سنوات. ومن يدري من وضع هذه الصور فيها."
في اليوم التالي، ذهب حسان وفواز إلى المقهى القديم الذي كان يتردد عليه موسى. كان المقهى لا يزال يحتفظ بعبق الماضي، برائحة القهوة ودخان الشيشة. سأل حسان النادل عن "عادل"، صديق "موسى".
"عادل؟" قال النادل وهو يمسح الطاولة. "لم أره منذ سنوات. لقد كان دائمًا مع موسى. ولكنني سمعت أنه تعرض لحادثٍ منذ فترة، وأنه يعيش في عزلة."
"هل تعرف أين يعيش؟" سأل فواز بترقب.
"نعم، سمعت أنه انتقل إلى منطقةٍ قريبة من السوق القديم. في حيٍّ صغيرٍ هناك."
قادهم هذا الخيط الرفيع إلى البحث عن "عادل". بعد فترةٍ من البحث، وجدوا منزلًا متواضعًا في أحد أزقة السوق القديم. طرق حسان الباب.
فتحت الباب امرأةٌ مسنة، وجهها يعكس علامات الشقاء.
"هل السيد عادل موجود؟" سأل حسان بابتسامة.
"من يسأل؟" قالت المرأة بفضول.
"أنا حسان، وهذا السيد فواز. نحن نبحث عنه بخصوص صديقه القديم موسى."
"موسى؟" كررت المرأة، وبدأت تظهر علامات الحزن على وجهها. "عادل... لم يعد على ما يرام منذ حادثه. إنه يعيش في عالمٍ آخر."
"هل يمكننا مقابلته؟" سأل فواز بإلحاح. "لدينا بعض الأمور الهامة التي نريد أن نتحدث فيها معه."
ترددت المرأة، ثم قالت: "تفضلوا، ولكن لا تتوقعوا الكثير. لقد فقد القدرة على الكلام تقريبًا."
دخل حسان وفواز إلى المنزل. كان عادل رجلًا في منتصف العمر، يجلس على كرسيٍّ متحرك، وعيناه زائغتان. كان صامتًا، لا يبدو أنه يسمع شيئًا.
"سيدي عادل"، قال حسان بصوتٍ هادئ، "نحن نبحث عن معلوماتٍ بخصوص صديقك موسى. وهل تعرف شيئًا عن ابنته سعاد؟"
لم يستجب عادل. ظل صامتًا.
"لقد وجدنا بعض الصور القديمة التي تبدو تخصّ ابنته سعاد"، قال فواز، وهو يحاول شد انتباهه. "هل تعرف شيئًا عن هذه الصور؟"
فجأة، تحرك عادل. نظر إلى فواز، ثم إلى الألبوم الذي كان يحمله. بدأت عيناه تتفتحان قليلًا، وكأن شيئًا ما قد استفاق بداخله.
"سعاد..." قال عادل بصوتٍ ضعيف، أشبه بالهمس. "ليلى..."
شهق فواز. "ليلى؟ هل ذكرت ليلى؟"
"نعم... نعم..." قال عادل وهو يحاول التركيز. "موسى... كان يريد المال... كان يريد الهروب... صفقة... صفقة سيئة."
"صفقة؟" سأل حسان. "ما هي الصفقة؟"
"كان سيأخذ... شيئًا... ويبيعه... لم يكن يعلم... أنها تخصّ... شخصًا قويًا."
"شخصًا قويًا؟ ومن هو؟" سأل فواز.
"رجلٌ... لا يحب... أن يُزعج... سمعته."
شعر حسان بأن الخيط قد اقترب. "هل تقصد أن موسى كان متورطًا في اختطاف ليلى؟"
"ليس اختطافًا... بل... تهريبًا... مقابل المال... ولكن... الشخص القوي... اكتشف الأمر... وأراد... أن يخرس الجميع."
"هل تقصد أنه قتل موسى وعائلته؟" سأل فواز، وصوته يرتجف.
"لا أعرف... تفاصيل القتل... ولكن... سمعت... ضجة... في تلك الليلة... وسيارةٌ سريعة... اختفت... في اتجاه... المزرعة."
"المزرعة!" قال حسان. "هذا ما سمعته أنا أيضًا!"
"لكن... لم تكن... ليلى... هي الهدف... الوحيد... كان هناك... شيءٌ آخر... أهم... شيءٌ... كان موسى... يحاول... أن يسرقه... قبل أن يهرب."
"ما هو هذا الشيء؟" سأل فواز، وقلبه يخفق بعنف.
"لا أعرف... ولكن... كان شيئًا... ذا قيمةٍ عالية... يتعلق... بتجارةٍ قديمة... ثمينة."
شعر حسان بأن الأمور قد استدارت بشكلٍ خطير. لم يعد الأمر يتعلق فقط باختفاء ليلى، بل ربما جريمةٍ أكبر، مؤامرةٍ تمتد جذورها في ماضٍ بعيد. لم يعد "الجار المضحك" مجرد شخصٍ يبث البهجة، بل أصبح جزءًا من شبكةٍ معقدة من الأسرار والظلال، يصارع لاستعادة ضوء الحقيقة في هذا الظلام المتزايد.