الجار المضحك الجزء الثالث
سديم الخوف وطيف الغواية
بقلم وليد المرح
كان الليل ينسج ستائره الداكنة فوق مدينة الرياض، وقد خيم الصمت الثقيل على منزل آل السالم. في غرفة فراس، لم يكن الهدوء سوى وهم زائف. الضوء الوحيد كان المنبعث من شاشة هاتفه، يلقي بظلال متراقصة على وجهه الشاحب. كانت عينيه محمرتين، تشعان بقلق عميق، وقلبه يخفق بضجيج مزعج. لم تكن تلك ليلة عادية، بل كانت ليلة انكشاف، ليلة يتصارع فيها فراس مع وحش خفي يلتهمه من الداخل.
لقد بدأ كل شيء ببراءة، بذريعة بسيطة لتخفيف ضغوط العمل، بلمسة فضول في عالم لم يكن يعرف عنه شيئًا. لكن سرعان ما تحولت تلك اللمسة إلى عناق، ثم إلى قبضة لا ترحم. أصبحت المكالمات الهاتفية، الرسائل النصية، وحتى الصور ومقاطع الفيديو، غياهب مظلمة يغوص فيها، باحثًا عن متعة زائلة تهرب منه كلما اقترب منها. كان يعرف أن هذا طريق محفوف بالمخاطر، طريق لا يوصل إلا إلى الدمار.
في تلك الليلة، كان قد وعد نفسه بأنها الأخيرة. وعد والدته، وعد زوجته، ووعد نفسه. لكن الرغبة كانت أشد من أي وعد. كانت كجرعة سم تدب في عروقه، تطلب المزيد والمزيد. هاتفه أصبح امتدادًا لجسده، وكلمة "متابعة" على الشاشة، تحولت إلى طقس مقدس. كان يشعر بالاشمئزاز من نفسه، لكنه لم يستطع التوقف. كانت هناك لذة ممنوعة، شعور بالسيطرة المزيفة، ثم يأتي بعدها فراغ أعمق، وشعور بالذنب يلتهمه.
تذكر كلمات والده، الشيخ أحمد، التي كانت دائمًا تتردد في أذنيه: "يا بني، أقوى الناس ليس من يملك القوة البدنية، بل من يملك قوة نفسه. الشيطان لا يغريك إلا إذا رأى باب قلبك مفتوحًا." كان يرى في عين والده ذلك النور الإيماني، ذلك اليقين الذي افتقده هو. والآن، كان الشك ينهش روحه، والخوف من انكشاف أمره بدأ ينمو ككرة ثلج تتدحرج من أعلى جبل.
فجأة، سمع صوت خطوات خفيفة تقترب من باب غرفته. تجمد في مكانه، وقلبه قفز إلى حلقه. هل هي زوجته، سارة؟ هل لاحظت شيئًا؟ كيف تفسر إغلاقه المستمر لبابه؟ كيف تفسر سهراته الطويلة؟ كانت سارة، بكل ما تحمله من نقاء وطيبة، أشد ما يخشاه. كانت ترى فيه البطل، الشريك، الأب المثالي لأبنائهما المستقبليين. كيف سيواجه نظرتها البريئة إذا اكتشفت هذه الحقيقة المرة؟
فتحت سارة الباب بهدوء، ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها. "فراس؟ لم تنم بعد؟" كان صوتها يحمل قلقًا لطيفًا. تظاهر فراس باللامبالاة، وأغلق هاتفه بسرعة، محاولًا إخفاء ذعره. "لا يا حبيبتي، كنت أراجع بعض الأمور العاجلة للعمل." اقتربت منه، ووضعت يدها على جبينه. "تبدو متعبًا جدًا. هل أنت بخير؟" نظر في عينيها، ورأى فيهما عالمًا كاملاً من الحب والوفاء. شعر بوخزة حادة في صدره، مزيج من الامتنان والذنب. "أنا بخير، فقط ضغط العمل."
لكن سارة، بحدسها الأنثوي العميق، شعرت بشيء غريب. لم تكن تلك المرة الأولى التي يبدو فيها فراس هكذا. كان هناك شيء في عينيه، في حركاته، يشي بقلق داخلي عميق. "هل هناك شيء يقلقك يا فراس؟ يمكنك دائمًا التحدث معي." تردد فراس. كان يرغب بشدة في الاعتراف، في إلقاء هذا الحمل الثقيل عن كاهله. لكن الخوف كان أقوى. الخوف من حكمها، الخوف من خذلانها، الخوف من فقدان احترامها. "لا شيء يا سارة، فقط مشاغل الحياة."
انحنت سارة وقبلت جبينه. "إذا احتجت أي شيء، أنا هنا." ثم غادرت، تاركة فراس وحده مع شياطينه. بعد رحيلها، عاد فراس إلى هاتفه. كان سديم الخوف يحيط به، لكن طيف الغواية كان لا يزال يغويه. كانت هناك رسالة جديدة، دعوة خفية إلى عالم مظلم آخر. شعر بقبضة باردة تتسلل إلى قلبه، لكنه لم يستطع المقاومة. إنها ليست مجرد متعة، بل هي إدمان، مرض يحتاج إلى علاج. وهو، في تلك اللحظة، كان أبعد ما يكون عن أي علاج. كان يغوص أعمق وأعمق في مستنقع الظلام، ولا يرى نورًا في الأفق.
في نفس الوقت، في غرفة مجاورة، كانت والدة فراس، الحاجة فاطمة، لا تنام. كانت تصلي، تدعو لابنها. كانت تشعر بقلق لا تعلم مصدره، لكنه يتسرب إلى روحها كبرد شتاء قارس. كانت تراقب أبنائها عن كثب، وتشعر بأن هناك شيئًا ما يحدث، شيء يهدد صفو عائلتها. كانت تتذكر دائمًا قول جدتها: "البيت الذي لا يغسله الدعاء، تجف روحه." وكانت هي حريصة على أن يظل بيتهم مغسولًا برائحة الدعاء.
لكن في قلب فراس، كان الضوء الديني الذي ورثه عن عائلته يخبئ. كان يتصارع مع ظلام داخلي، ظل لم يكن يتوقع أن يلوح في الأفق. كان هذا الإدمان، هذا الخوف، هذه الغواية، هي بداية معركة شرسة، معركة سيحدد فيها مصيره، ومصير علاقته بمن يحب. ونهاية هذا الفصل لم تكن إلا بداية فصل أكثر قتامة، فصل يحمل في طياته أسئلة عميقة، وإجابات مؤلمة.