الجار المضحك الجزء الثالث
أشباح الماضي ووساوس الحاضر
بقلم وليد المرح
كان الصباح يتسلل ببطء، ناثرًا خيوط الشمس الذهبية على أسطح الرياض، لكن نور النهار لم يستطع اختراق الظلام الذي يخيم على روح فراس. استيقظ على صوت المنبه، وصداع يضرب رأسه، وجسد منهك، وقلب مثقل بالذنب. كانت ليلة أمس قد تركت ندوبًا عميقة، ليست على جلده، بل في أعماق روحه. استعاد لحظات الضعف، لحظات الاستسلام للإدمان، ولحظات الخوف من نظرة سارة، نظرة برائتها التي باتت كالسيف المسلط على رقبته.
في المطبخ، كانت والدته، الحاجة فاطمة، تحضر له فطوره المعتاد. كانت تحضر له طبق البيض المخفوق الذي يحبه، وتضع أمامه كوبًا من الشاي بالنعناع. كانت تحاول أن تخلق أجواء طبيعية، لكن قلقها الداخلي كان يعكر صفو ابتسامتها. كانت تشعر ببرودة غريبة في منزلها، برودة لم تكن موجودة من قبل.
"صباح الخير يا بني،" قالت بصوت دافئ، لكنه يحمل قلقًا مخفيًا. رد فراس بصوت خافت، بالكاد مسموع: "صباح النور يا أمي." جلست بجانبه، ونظرت في عينيه. "لماذا تبدو شاحبًا هكذا؟ هل قلقت النوم الليلة الماضية؟" تظاهر فراس بالانشغال بفطوره. "لا يا أمي، فقط بعض التفكير في العمل." ثم، وبجرأة لم يتوقعها من نفسه، قال: "أمي، هل تذكرين عندما كنت صغيرًا، وكنا نلعب في الفناء، وتعثرت وسقطت؟ شعرت وقتها بالخوف الشديد، وتذكرت أنك قلت لي: 'الشجاعة ليست في عدم السقوط، بل في النهوض بعد كل سقوط'."
ابتسمت الحاجة فاطمة، واعتبرت كلماته نوعًا من الاعتراف، ولو مبطنًا. "بالتأكيد أتذكر يا ولدي. والحياة مليئة بالسقطات، ولكن الأهم هو النهوض والاستمرار. ما الذي جعلك تتذكر هذا الآن؟" تنهد فراس، وشعر بأن شيئًا ما يتحرك بداخله. كان يرى في وجه والدته الصبر، والحكمة، والتسامح. كان يتمنى لو يستطيع أن يلقي بحمولة قلبه عليها، لكن الخوف من رد فعلها، من خيبة أملها، كان لا يزال يثبط عزيمته.
"لا شيء يا أمي، فقط تذكرت كلماتك الطيبة. أريد أن أكون قويًا، كما كنتِ تقولين دائمًا." لم تقبل الحاجة فاطمة تفسيره تمامًا. كانت تعرف ابنها جيدًا. شعرت بأن هناك أشباحًا من الماضي، ووساوس من الحاضر، تتصارع في داخله. كانت تدرك أن الأمر أكبر من مجرد ضغوط عمل.
وبينما كانا يتحدثان، دخلت سارة المطبخ، حاملة معها رائحة عطرها اللطيف. كانت ابتسامتها مشرقة، لكنها لم تخفِ قلقها الطفيف وهي ترى فراس يبدو شاحبًا. "صباح الخير أحبائي،" قالت بصوت مبهج. "صباح النور يا سارة،" ردد الأب والأم. لاحظت سارة نظرة والدة فراس، وشعرت بأن هناك شيئًا ما يدور بينهما. اقتربت من فراس، وضعت يدها على كتفه. "تبدو متعبًا يا فراس. هل تريد أن أعد لك كوبًا من القهوة؟" هز فراس رأسه بالرفض. "لا، شكرًا لكِ يا عزيزتي. أريد فقط أن أنتهي من فطوري وأذهب إلى مكتبي."
في الواقع، كان يريد الهرب. يريد الهرب من نظراتهم، من حبهم، من توقعاتهم. يريد أن يعود إلى عالمه الخاص، إلى عالم الهاتف، إلى ذلك الوهم الزائل الذي يمنحه شعورًا مؤقتًا بالنشوة، قبل أن يعود الشعور بالخواء. كان هذا الإدمان قد أصبح حياته، وأصبح هو أسيرًا له.
بعد مغادرة فراس، تحدثت سارة إلى والدته. "يا حماتي، أرى أن فراس ليس على ما يرام. هل هناك شيء يقلقه؟" نظرت الحاجة فاطمة إلى سارة، وشعرت بأنها شريكة في هذا الهم. "لا أعرف يا سارة. لكنني أشعر بأن هناك شيئًا ما يثقل قلبه. لعلها ضغوط العمل، ولكنني أخشى أن يكون الأمر أعمق من ذلك." "أنا أيضًا أشعر بذلك،" قالت سارة بصوت حزين. "لقد حاولته مرارًا أن أتحدث معه، ولكنه دائمًا ما يتجنبني. أشعر بأن هناك جدارًا يرتفع بيننا."
كانت هذه الكلمات تزيد من قلق الحاجة فاطمة. كان حب سارة لفراس حبًا نقيًا، حبًا قائمًا على الاحترام والتفاهم. كانت تخشى أن يخسر فراس هذه الجوهرة الثمينة بسبب ضعفه. كانت تعرف أن الخطأ الأول قد يكون سهلاً، ولكنه يفتح الباب لأخطاء أخرى، ولكل خطأ ثمن.
في مكتبه، جلس فراس أمام حاسوبه، لكن شاشته لم تكن تعرض له بيانات العمل. كانت تعرض له صورًا، رسائل، أسماء. كانت تلك هي الوساوس التي تلاحقه. فتح هاتفه، ووجد رسالة جديدة. كانت من شخص لا يعرفه، لكن محتواها كان واضحًا: عرض مغرٍ، وعد بمتعة لا حدود لها. شعر بقبضة باردة تعود إلى قلبه، ولكنها كانت مصحوبة بجرعة أخرى من الأدرينالين.
كان يعرف أن هذه اللحظة هي مفترق طرق. يمكنه أن يرفض، أن يقطع هذا الحبل الذي يربطه بهذا العالم المظلم. أو يمكنه أن يستسلم، أن يغرق أكثر وأكثر. كانت قوته الداخلية في أضعف حالاتها. كان يتذكر كلمة "الشجاعة" التي قالها لوالدته، لكنه الآن لم يكن يشعر بأي شجاعة. كان يشعر بالضعف، بالخوف، بالهزيمة.
نظر إلى صورة سارة التي كانت معلقة على مكتبه. كانت ابتسامتها تذكره بأنه يملك عالمًا كاملاً من الحب والسعادة، عالمًا يسعى إليه الكثيرون. لكنه، بغباء، كان يدمر هذا العالم لبضع لحظات من المتعة الممنوعة.
"لا،" قال بصوت خافت، يكاد لا يسمع. "لن أفعل ذلك." أغلق هاتفه، ووضعه جانبًا. حاول التركيز على عمله، لكن الشاشة كانت تومض أمامه، تحمل صورًا ورسائل لا يريدها. كانت أشباح الماضي تلاحقه، ووساوس الحاضر تنهش روحه. لم يكن يعلم إن كانت هذه المقاومة مؤقتة، أم أنها بداية انتصاره على نفسه. لكن المؤكد هو أن هذه المعركة كانت أشد صعوبة مما تخيل، وأنها لم تنته بعد. الفصل الخامس لم يكن نهايته، بل كان إيذانًا ببداية صراع أشد ضراوة، صراع ستتضح فيه طبيعة الضعف البشري، وقوة الإرادة.