الجار المضحك الجزء الثالث
قناع الانهيار وسقوط الأقنعة
بقلم وليد المرح
كانت الأيام تمضي ثقيلة، كل يوم يلقي بثقله على صدر فراس، يزيد من كربه وقلقه. بدأ آثار الإدمان والابتزاز تظهر بوضوح على وجهه. شحوب، وهالات سوداء تحت عينيه، وانكسار في وقفته. لم يعد ذلك الرجل النشيط، المرح، الذي يعرفه الجميع. أصبح شبحًا يمشي على قدمين، يحمل سرًا ثقيلًا ينوء بحمله.
في المكتب، لم تعد الهمسات كافية. بدأ زملاؤه يتحدثون علانية عن تغيره. "هل لاحظتم كيف يبدو فراس؟" "لم يعد مركزًا في عمله." "ربما يمر بمشكلة عائلية." كانت هذه الأقاويل، رغم أنها لم تكشف الحقيقة، إلا أنها كانت تزيد من الضغط عليه. كل كلمة، كل نظرة، كانت كإبرة تخترق جسده.
في أحد الأيام، بينما كان في طريقه إلى المكتب، رأى سارة تقف أمام محل صغير، تتحدث مع بائع. بدت سعيدة، تتناقش بابتسامة. شعر فراس بغصة في قلبه. هذه هي السعادة التي كان يدمرها. هذه هي البراءة التي كان يخونها. تراجع قليلاً، وأدار وجهه. لم يكن يستحق حتى أن ينظر إليها.
حاول أن يبدو طبيعيًا في المنزل، لكنه كان يفشل فشلًا ذريعًا. سارة لم تعد تصدق أعذاره الواهية. "فراس، ألا تلاحظ أنك تتغير؟ أصبحت منعزلًا، وغاضبًا أحيانًا. ألا يمكنك أن تشاركني ما الذي يحدث؟" كانت عيناها تفيضان قلقًا وحبًا، لكنه لم يستطع أن يرى سوى انعكاس خيانته فيهما. "لا شيء يا سارة، فقط بعض الإرهاق." "الإرهاق لا يجعل الإنسان يتجنب عائلته،" قالت بصوت مختنق. "أنا زوجتك، فراس. وأنا أشعر بأنك لم تعد تشاركني حياتك."
في إحدى الليالي، استيقظ فراس مفزوعًا. كان يحلم بأن شاشة هاتفه تتحول إلى مرآة، يرى فيها وجهًا مشوهًا، وجه إنسان ضائع. ثم انطلقت صفارات الإنذار، وهتف صوت: "لقد انكشف الأمر! لقد انكشف الأمر!" تصبب عرقًا باردًا، وجلس في سريره، يتنفس بصعوبة. كانت هذه الكوابيس تلاحقه، تعكس خوفه العميق من المستقبل.
وصل إلى فراس اتصال تهديدي آخر. هذه المرة، كان أكثر تطرفًا. "لقد اكتشفنا أنك تماطل. لا وقت لدينا للمزيد من التسامح. إذا لم تحصل على المبلغ فورًا، سنقوم بالخطوة التالية. وسنبدأ بالأشياء التي تهمك أكثر." فهم فراس التهديد. لم يعد الأمر مجرد نشر صور. لقد أصبح يهدد حياته، وسمعته، وكل ما بناه.
عاد إلى المنزل ذلك اليوم، وقد استنفد قواه. رأى سارة جالسة في غرفة المعيشة، تقلب في ألبوم صور قديم. كانت هناك صور لهما في بداية زواجهما، صور تفيض بالسعادة والحب. دمعت عيناه. لقد كان ذلك زمنًا مختلفًا، زمنًا كان فيه نقيًا، طاهرًا.
"فراس، تعال اجلس،" قالت سارة، وهي تبتسم له ابتسامة حزينة. "انظر، هذه صورة يوم زفافنا. كم كنا سعداء." نظر فراس إلى الصورة، وشعر بأنه غريب عن ذلك الرجل الذي يراه. كان ذلك الرجل يملك مستقبلًا، يملك أحلامًا. أما هو، فلم يعد يملك سوى الماضي المشين والخوف من المستقبل.
"أتذكرين يا سارة، عندما وعدتك في عقد قراننا، بأنني سأكون سندك، وحمايتك، وشريك حياتك؟" قال فراس بصوت متقطع. "أتذكر جيدًا،" قالت سارة، وعيناها تلمعان بالدموع. "وأنا أثق بك، فراس." كانت ثقتها هي أكبر سيف مسلط على رقبته. كان يعرف أنه يخونها، وأنه يخيب ظنها.
في تلك الليلة، لم يستطع فراس كتمان ما بداخله. وصل إلى نقطة الانهيار. اقتحم غرفة سارة، وهي نائمة. أوقظها برفق، وشعر بقلبه يخفق بقوة. "فراس؟ ما بك؟" سألت سارة، وهي ترى وجهه شاحبًا، وعيناه مليئتين بالألم. "سارة،" بدأ فراس، صوته يرتجف. "يجب أن أخبرك بشيء. شيء لا يمكن أن يبقى مخفيًا أكثر من ذلك." نظرت سارة إليه، وقلبها يخفق بقلق.
"لقد... لقد ارتكبت خطأ فادحًا،" قال فراس، وعبرت كلماته كأنه يمزق روحه. "لقد... وقعت في فخ. فخ... لم أستطع الخروج منه." كان يتحدث بصعوبة، ويشرح لسارة، شيئًا فشيئًا، عن إدمانه، وعن الابتزاز، وعن الخوف الذي كان يعيشه. كانت سارة تستمع بصدمة، وعيناها تتسع. لم تكن تتخيل أبدًا أن يتحول فراس، الرجل الذي أحبته، إلى هذا الوضع.
عندما انتهى فراس من اعترافه، ساد صمت ثقيل. كانت سارة تنظر إليه، وقد اختلطت دموعها بمشاعر الحزن، والغضب، وخيبة الأمل. لم تستطع أن تتكلم. شعرت بأنها سقطت من أعلى سماء، وأن الأرض قد ابتلعتها.
"فراس،" قالت سارة أخيرًا، بصوت بالكاد مسموع. "كيف... كيف فعلت هذا؟" "لم أكن أفكر، سارة. لقد ضعفت، ووقعت في الفخ. ولقد... لقد كنت خائفًا جدًا من أن أخبرك." "خائفًا؟" صرخت سارة، وبدأت دموعها تنهمر. "لقد كنت تخاف عليّ، أم كنت تخاف من أن تخسرني؟"
كانت هذه الكلمات كالسهم في قلب فراس. لم يكن لديه إجابة. كل ما كان يشعر به هو الندم العميق، واليأس. لقد سقط قناعه. لقد انكشف كل شيء. ولم يعد هناك شيء يمكن إخفاؤه. نهاية هذا الفصل كانت سقوطًا مدويًا، بداية مرحلة جديدة، مرحلة ستكون فيها الأقنعة قد سقطت، وستواجه الحقائق العارية.