حياة مرحة الجزء الثالث

رحلة نحو الفرح المفقود

بقلم وليد المرح

كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، تلقي بأشعتها الذهبية على أزقة "حي النخيل" العتيق، وهو حيٌّ يعج بالحياة، تتردد فيه أصداء ضحكات الأطفال وباعة الأطعمة المتجولين، ورائحة البهارات العطرية التي تنبعث من النوافذ المفتوحة. في أحد هذه الأزقة، عند مفترق طرقٍ يفوح منه عبق الياسمين، كان يقف "بدر"، شابٌ في مقتبل العمر، تتطاير لحيته القصيرة الممشطة بعناية، وتلمع عيناه الواسعتان ببريقٍ ممزوجٍ بالحيرة والتصميم. كان يرتدي جلابيب بيضاء أنيقة، وتزين رأسه عمامةٌ مطرزة، مما يضفي عليه هالةً من الوقار والرصانة.

لم يكن بدر مجرد شابٍ عادي، بل كان الوريث الوحيد لـ "مقهى الأصدقاء"، تلك المؤسسة العائلية التي توارثتها الأجيال، والتي اشتهرت بجلساتها الأدبية، ونكهة قهوتها الفريدة، وحلوى "لقمة القاضي" التي لا تضاهيها حلوى أخرى في المدينة. لكن الحزن كان قد غطى على المكان مؤخراً، بعد رحيل جده، صاحب القلب الكبير والحكمة البالغة، الذي كان يمثل الروح النابضة للمقهى. كان بدر يحاول عبثًا أن يملأ الفراغ الذي تركه جده، وأن يعيد البهجة التي تلاشت من وجوه رواد المقهى.

في هذا الصباح، كان بدر قد قرر اتخاذ خطوة جريئة. لقد استيقظ قبل أذان الفجر، وصلى ركعتي شكرٍ، ثم توجه إلى المطبخ الخلفي للمقهى، حيث كانت جدته، الحاجة "أمينة"، وهي امرأةٌ تجاوزت السبعين عاماً، لكنها ما زالت تحتفظ بقوةٍ ونشاطٍ ملحوظين، تقلب العجين بيدين خبيرتين. كانت الحاجة أمينة، رغم حزنها على فقدان زوجها، تتمتع بروحٍ مرحةٍ قادرةٍ على إضفاء البهجة على المكان.

"صباح الخير يا جدتي العزيزة!" قال بدر وهو يقبل يدها بحنان. ابتسمت الحاجة أمينة، وارتسمت على وجهها تجاعيدٌ تروي قصص سنينٍ طوال. "صباح النور يا نور عيني. ما الذي أتى بك إلى هنا مبكراً هكذا؟ هل اشتقت إلى رائحة العجين؟" ضحك بدر. "اشتقت إلى رائحة كل شيءٍ هنا يا جدتي. واشتقت إلى تلك الابتسامة التي تضيء وجهك كل صباح. لدي فكرةٌ أريد أن أشاركك إياها."

جلسا على طاولةٍ خشبيةٍ قديمة، كانت شاهدةً على العديد من الأحاديث والضحكات. قدمت له الحاجة أمينة كوباً من الشاي بالنعناع، مع قطعةٍ من الكعك الطازج. "تفضل يا بني. قل لي ما في جعبتك." بدأ بدر يشرح بفكرةٍ بدت في البداية غريبةً وغير تقليدية. "يا جدتي، ما رأيك أن ننظم 'يوم الفرح والمرح' في المقهى؟ يومٌ مخصصٌ لإعادة الضحكات، وإحياء الذكريات الجميلة، وجذب الشباب من جديد؟" رفعت الحاجة أمينة حاجبها، ونظرت إليه باستغرابٍ ممزوجٍ بالفضول. "يوم الفرح والمرح؟ كيف سيكون ذلك يا بني؟ المقهى مكانٌ للهدوء والتأمل، وليس للسهرات الصاخبة." "لا يا جدتي، ليس صاخباً. بل مبهجاً. سنقيم مسابقاتٍ بسيطة، مثل مسابقة إلقاء الشعر، أو مسابقة رواية القصص المضحكة، أو حتى مسابقة أجمل ابتسامة. وسنقدم ضيافةً خاصة، ربما حلوى جديدة لم نعتد عليها. أريد أن نجعل الناس يتذكرون أن الحياة فيها متعةٌ وبهجة، حتى في خضم صعوباتها."

تأملت الحاجة أمينة كلماته، ورأت في عينيه شغفاً لم تره فيه منذ وفاة جده. لقد كان جد بدر، "الحاج سالم"، هو من علم بدر كيف يحب الحياة، وكيف يرى الجمال في التفاصيل الصغيرة. كان الحاج سالم يؤمن بأن الابتسامة هي أقوى سلاحٍ ضد الهموم. "فكرةٌ جريئة يا بدر. لكنها تحمل في طياتها روح جدك. هو كان دائماً يقول: 'الحياة زهرة، ورائحتها هي الضحك'." اشتعلت عينا بدر. "بالضبط! ولهذا السبب يجب أن نفعل ذلك. أريد أن أعيد إلى هذا المكان روحه الطيبة. أريد أن أرى تلك الابتسامات تعود إلى وجوه الناس."

بدأت الحاجة أمينة تفكر. "ولكن كيف سنعلن عن هذا اليوم؟ وكيف سنضمن أن الأمور تسير بسلاسة؟" "سنقوم بتوزيع منشوراتٍ صغيرة في الحي، وسنخبر جيراننا وأصدقاءنا. وسأطلب المساعدة من الشباب المتحمسين في الحي. بالتأكيد سيحبون الفكرة." "حسناً يا بني. أنا أرى في عينيك ذلك البريق الذي كان في عين جدك. سأساعدك بكل ما أملك. لكن تذكر، الأهم هو أن يكون كل شيءٍ في إطاره الشرعي والأخلاقي. لا نريد أن نثير استياء أحد." "أبداً يا جدتي. لن يكون هناك إلا الخير والفرح."

انتهى اللقاء بدفءٍ يغمر القلوب. كان بدر قد وجد في جدته سنداً قوياً، وفي فكرته هذه بصيص أملٍ لاستعادة ما فقده. وبينما كان يغادر المطبخ، سمع صوت الحاجة أمينة تناديه: "وهل نسيت الحلوى الجديدة التي ذكرتها؟ ما رأيك في 'كنافة بالمانجو'؟ ستكون مفاجأةً رائعة." ابتسم بدر ابتسامةً عريضة، ورفع رأسه نحو السماء. "بالتأكيد يا جدتي! كأنها نزلت من الجنة!"

في هذه اللحظة، ومع شعاع الشمس الذي توغل بين السحب، أدرك بدر أن رحلته لاستعادة الفرح قد بدأت للتو. رحلةٌ لن تكون سهلة، لكنها رحلةٌ مليئةٌ بالتحديات والفرص، وأهمها، فرصةٌ لتكريم ذكرى جده، وإعادة الحياة إلى "مقهى الأصدقاء". كانت تلك مجرد بداية. كان يعلم أن هناك الكثير من المفاجآت تنتظره، والكثير من الأشخاص الذين سيلتقيهم في هذه الرحلة، بعضهم سيصبح عوناً، والبعض الآخر قد يكون عقبة. لكن الأكيد، أن "يوم الفرح والمرح" هذا سيكون له أثرٌ لا يمحى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%