حياة مرحة الجزء الثالث
ظلال الماضي الخفية
بقلم وليد المرح
استيقظت أمينة على ضوء شمس الصباح الذي تسلل عبر ستائر غرفتها، مرسلةً خيوطًا ذهبية على الأرض. لكن ضوء الشمس لم يستطع أن يبدد الظلام الذي خيّم على روحها. كانت كلمات سالم الأخيرة ترن في أذنيها: "لقد أرسلوا لي إنذارًا رسميًا. إذا لم أدفع المبلغ المطلوب خلال أسبوع، فسوف يلجؤون إلى المحكمة."
كان هذا الإنذار بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. كان الضغط يتزايد، وكان الخطر يلوح في الأفق. نظرت إلى سالم وهو لا يزال نائمًا، وبدت ملامح وجهه تعكس قلقًا عميقًا. شعرت بأنها مسؤولة، مسؤولة عن دعم زوجها، وعن مساعدته في تجاوز هذه المحنة.
قررت أن تبدأ بخطوة عملية. لم تكن تملك المال الكافي للمساعدة، ولم تكن تمتلك الخبرة القانونية، ولكنها امتلكت شيئًا لا يقدر بثمن: إرادة قوية وعزيمة لا تلين. بدأت بالتحدث إلى والدة سالم، الحاجة فاطمة، بهدوء وتفكير.
"يا أمي," قالت أمينة، وهي تجلس بجانبها في الصالة، "أريد أن أفهم طبيعة هذه المشكلة بشكل أعمق. هل كان هناك خلاف بين والدك وعم سالم بشأن الورثة؟"
تنهدت الحاجة فاطمة، وبدت عليها علامات الحزن. "الأمور معقدة يا أمينة. كان والد سالم، رحمه الله، ووالده، عم سالم، إخوة متحابين. لكن بعد وفاة والده، بدأت تظهر بعض الخلافات بين عمك وبين سالم، تتعلق ببعض الأملاك التي تركها جدي."
"وما هي هذه الأملاك؟" سألت أمينة بفضول، وعينيها تلمعان بالرغبة في المعرفة.
"كانت هناك قطعة أرض زراعية كبيرة، ومنزل قديم في وسط البلد. الورثة الآخرون، أبناء عموم سالم، كانوا يرون أن نصيبهم لم يكن عادلًا، وبدأوا يطالبون بالمزيد."
"ولكن سالم هو الوريث الشرعي لكامل هذه الممتلكات بعد وفاة والده، أليس كذلك؟"
"نعم، ولكن عمك، سامي، كان دائمًا يتدخل. لقد كان شخصًا ذا طمع، ويريد دائمًا أن يأخذ أكثر مما يستحق. لقد حاول سالم أن يتنازل عن بعض الأشياء حتى يحافظ على الود، ولكنه لم يفلح."
شعرت أمينة بأن الخيوط بدأت تتضح. كان هناك شخص متورط، شخص يضغط من أجل الحصول على المزيد. "ومن هم الورثة الآخرون الذين يطالبون؟"
"هم أبناء عمك، الذين تركوا البلاد منذ سنوات. لقد عادوا مؤخرًا، وبدأوا يطالبون بحقوقهم، كما يقولون. ولكن سامي، عمك، هو من يقف وراء كل هذا. إنه يحرضهم ويضغط على سالم."
تذكرت أمينة تلك الورقة التي رأتها في حقيبة سعاد. هل كان هناك أي رابط بين هذه القضية وبين سعاد؟ شعرت بأن هناك شيئًا مفقودًا.
قررت أمينة أن تخاطر. ذهبت إلى مكتب سالم، وبدأت تبحث في أوراقه. كانت تعرف أن هذا قد يغضب سالم، ولكنه كان ضروريًا. بدأت تبحث في الأدراج، وبين الأوراق المتراكمة. وجدت عقودًا قديمة، وفواتير، وأوراقًا بنكية. ثم، وبين مجموعة من الرسائل، وجدت وثيقة غريبة. كانت تبدو كوصية قديمة، تحمل توقيع والد سالم.
قرأت الوصية بتمعن. كانت تتحدث عن توزيع بعض الممتلكات، وعن وصية خاصة تتعلق بقطعة أرض معينة، كانت محددة بوضوح. هذه القطعة كانت جزءًا من الأرض الزراعية التي ذكرتها والدة سالم. كانت هناك تفاصيل دقيقة حول كيفية استغلالها، وكيفية توزيع عائداتها.
ثم، وبين الأوراق نفسها، وجدت رسالة موجهة من سامي، عم سالم، إلى والد سالم. كانت الرسالة تحمل لهجة تهديد واضحة، تتحدث عن "الحقوق المهدرة" و "الظلم الذي لا يغتفر". التاريخ على الرسالة كان قبل سنوات طويلة، وقبل وفاة والد سالم.
"إذن،" قالت أمينة لنفسها بصوت خافت، "الموضوع أعمق من مجرد خلاف على المال. هناك تاريخ من التهديدات والطمع."
في هذه الأثناء، كانت سعاد تتصرف بشكل أكثر غرابة. كانت تقضي وقتًا طويلاً خارج المنزل، وتعود متعبة. كانت تبتسم ابتسامات خفية، وتبدو وكأنها تخفي سرًا. في أحد الأيام، بينما كانت أمينة في السوق، رأت سعاد تتحدث إلى رجل غريب المظهر، يرتدي ملابس داكنة. كانا يتحدثان بصوت منخفض، وبدت سعاد وهي تعطي الرجل شيئًا. شعرت أمينة بشيء من الريبة، لكنها لم تستطع أن تحدد ما هو.
عادت أمينة إلى المنزل، وهي تحمل في رأسها أفكارًا متضاربة. ماذا كانت سعاد تفعل؟ ولماذا كانت تتواصل مع هذا الرجل؟ هل كان له علاقة بالضغوط التي يتعرض لها سالم؟
قررت أمينة أن تواجه سعاد. كان ذلك قرارًا صعبًا، لأنها لم تكن تريد أن تخلق مشاكل في بيت زوجها. ولكن الضرورة كانت تقتضي ذلك. في إحدى الأمسيات، بينما كانت سعاد تجلس في غرفتها، ذهبت أمينة إليها.
"سعاد," قالت أمينة بصوت هادئ، "هل يمكن أن أتحدث معكِ قليلاً؟"
نظرت سعاد إليها بارتياب. "تفضلي."
"لاحظت أنكِ تقضين وقتًا طويلاً خارج المنزل مؤخرًا," قالت أمينة، محاولة أن تبدو طبيعية. "هل كل شيء على ما يرام؟"
تصلبت سعاد قليلاً. "لا شيء يخصكِ."
"ولكننا عائلة واحدة," ردت أمينة بلطف، "وإذا كان هناك ما يزعجكِ، فربما يمكنني المساعدة."
نظرت سعاد إلى أمينة بنظرة حادة. "لا تحتاجين لمساعدتي. ولستِ جزءًا من هذه العائلة بالكامل لتسألي."
شعرت أمينة بالبرودة تتسلل إلى قلبها. كانت كلمات سعاد قاسية، وكأنها تحمل غضبًا دفينًا. "أنا زوجة سالم، وهذا البيت بيتي أيضًا," قالت أمينة بثبات، محاولة كبح انفعالها.
"ليس بالضرورة. أنتِ هنا بالزواج، ولكنكِ لم تعيشي معنا ما عشناه. هناك أشياء لا تفهمينها."
"ربما لا أفهم كل شيء، ولكنني أحاول. وأشعر بأن هناك شيئًا ما يحدث، شيئًا يتعلق بسالم."
تنهدت سعاد، وبدت عليها علامات التعب. "اتركي سالم وشأنه. هو يعرف ما يفعله."
"ولكنه يبدو قلقًا جدًا. هل أنتِ تعرفين شيئًا عن الضغوط التي يتعرض لها؟"
تغيرت ملامح سعاد فجأة. بدت وكأنها تخشى أن تكشف شيئًا. "لا أعرف شيئًا. ولست مهتمة."
انسحبت أمينة من الغرفة، وهي تشعر بالإحباط. كان من الواضح أن سعاد تخفي شيئًا، وأنها ليست على وفاق مع سالم. ولكن لماذا؟ وما علاقتها بذلك الرجل الغريب؟
شعرت أمينة بأن خيوط المؤامرة تتشابك، وأن ظلال الماضي بدأت تلقي بظلالها على حاضرهم. كان عليها أن تجد الإجابات، وأن تكشف الحقائق، قبل أن يصبح الوقت متأخرًا جدًا. كانت تعلم أن المعركة ليست سهلة، وأنها قد تواجه معارضة شديدة، ليس فقط من الخارج، بل ومن داخل البيت أيضًا.