حياة مرحة الجزء الثالث
كشف الأوراق وصدام الحقائق
بقلم وليد المرح
واصلت أمينة تفكيرها في المكالمة الهاتفية الغامضة. "إذا كنتِ تريدين معرفة الحقيقة، فكوني في المكان الذي كانت فيه سعاد قبل نصف ساعة. ولكن كوني وحدكِ، ولا تخبري أحدًا." كانت هذه الكلمات تتردد في أذنيها. الخوف كان يمزج نفسه بالفضول، والرغبة في كشف ما يجري كانت أقوى من أي خوف.
قررت أمينة أن تخاطر. في اليوم التالي، حددت موعدًا في نفس المقهى الذي ذهبت إليه سعاد. أخذت معها حقيبة يد صغيرة، ووضعت فيها هاتفها، وقلماً، ودفتر ملاحظات صغيرًا، بالإضافة إلى بعض المال. ذهبت إلى المقهى، وجلست في زاوية بعيدة، تنتظر.
مر الوقت ببطء. بدأ رواد المقهى يتناقصون. وفجأة، رأت نفس الرجل الذي كانت قد رأته مع سعاد سابقًا. كان يجلس بمفرده، ويبدو منتظرًا. بعد قليل، جاء إليه رجل آخر، يحمل حقيبة جلدية. بدأ الرجلان يتحدثان بهدوء، وأخرج الرجل الآخر شيئًا من حقيبته، وبدأ يعرضه على الرجل الأول.
كانت أمينة تراقب عن كثب. عندما رأى الرجل الأول الورقة، بدت عليه علامات الرضا. ثم أخرج مبلغًا من المال، وبدأ يعده. شعرت أمينة بأن هذه هي فرصتها.
بعد أن انتهت الصفقة، وغادر الرجل الذي قدم الورقة، انتظرته أمينة حتى ابتعد قليلاً. ثم نهضت، وتوجهت نحو الرجل الآخر.
"عذرًا،" قالت أمينة بصوت متردد، "هل يمكن أن أرى ما كان لديك؟"
نظر إليها الرجل بدهشة. "ومن أنتِ؟"
"أنا زوجة سالم," قالت أمينة بثبات، "وأنا أحاول فهم ما يحدث."
تردد الرجل قليلاً، ثم قال: "الأمر خطير. ولا يمكنني التحدث هنا."
"ولكنني أحتاج إلى معرفة الحقيقة," قالت أمينة، وعيناها تتوسلان. "هناك أموال تُدفع، وهناك أوراق تُباع. وأنا أريد أن أعرف إلى أين يؤدي كل هذا."
بعد لحظة من الصمت، قال الرجل: "حسنًا. سأعطيكِ بعض المعلومات. ولكن عليكِ أن تعديني بعدم إخبار أي شخص، خاصةً سالم."
"أعدك," قالت أمينة بجدية.
"هذه الأوراق," قال الرجل، مشيرًا إلى حقيبته، "هي وثائق تثبت ملكية بعض الأراضي، ولكنها متهالكة. ولقد تم استبدالها بأوراق جديدة، رسمية، تثبت ملكية سالم لهذه الأراضي. ولكن هناك من يريد أن يستغل هذه "الأوراق القديمة" لابتزاز سالم."
"ومن هو هذا الشخص؟" سألت أمينة.
"هو سامي، عم سالم. ولكنه ليس وحده. هناك شخص آخر، شخص يوجهه، شخص يملك المال والقوة."
"ومن هو هذا الشخص؟" سألت أمينة بلهفة.
"إنه رجل أعمال معروف، يدعى السيد فاروق. لديه مطامع كثيرة، ويعتقد أن هذه الأراضي تدر عليه أرباحًا خيالية."
شعرت أمينة بصدمة. السيد فاروق! هذا الاسم كان معروفًا في الأوساط التجارية. "ولماذا سعاد متورطة في كل هذا؟" سألت أمينة، متذكرة مشاهدتها لسعاد مع رجال غرباء.
"سعاد," قال الرجل بابتسامة ساخرة، "سعاد هي التي تجمع المعلومات لسيد فاروق. إنها تحصل على تفاصيل دقيقة عن تحركات سالم، وعن مشاريعه، وتمررها له. وهي تحصل على مقابل مادي جيد، بالإضافة إلى وعود بمساعدتها في أمور خاصة بها."
"أجل! هذا ما كنت أخشاه!" قالت أمينة، تشعر بالمرارة. "إنها تخون زوجها، وتخون العائلة!"
"الناس يفعلون أشياء كثيرة عندما يغلبهم الطمع أو اليأس," قال الرجل. "والآن، يجب أن أذهب. تذكري، لا تخبري أحدًا."
غادر الرجل، تاركًا أمينة وحدها، غارقة في بحر من المعلومات الصادمة. لقد كُشفت الأوراق. لم يعد الأمر مجرد خلافات عائلية، بل كان مؤامرة متكاملة.
عادت أمينة إلى المنزل، وهي تشعر بالثقل. كيف ستواجه سالم بهذه المعلومات؟ كيف ستواجه سعاد؟
في تلك الليلة، لم تستطع أمينة أن تنام. كانت الأفكار تتسارع في رأسها. كيف يمكنها حماية سالم؟ وكيف يمكنها إثبات تورط سعاد؟
في صباح اليوم التالي، قررت أمينة أن تواجه سعاد. كان ذلك قرارًا صعبًا، ولكنها لم تعد تحتمل رؤية الخيانة في بيتها. جلست مع سعاد في غرفة المعيشة، بينما كان بقية أفراد العائلة مشغولين.
"سعاد،" قالت أمينة بصوت هادئ ولكن حازم، "لقد عرفت كل شيء."
تصلبت سعاد، وبدت عليها علامات الخوف. "ماذا تعرفين؟"
"أعرف أنكِ تتعاونين مع السيد فاروق. وأعرف أنكِ تبيعين أسرار سالم له. وأعرف أنكِ تضغطين على سامي لابتزاز سالم."
بدأت سعاد ترتعش، وبدت عليها علامات الذعر. "أنتِ تكذبين! ليس لدي علاقة بأي شيء!"
"لدي أدلة، سعاد," قالت أمينة بثقة، "لقد رأيتكِ. وسمعتُ الرجل الذي تتحدثين معه. إنكِ تخونين عائلتكِ، وتخونين سالم. وبسببكِ، سالم على وشك أن يخسر كل شيء."
بدأت سعاد بالبكاء. "لقد أجبروني! السيد فاروق هدّدني! وقال إن لديه معلومات عني... معلومات خطيرة!"
"وما هي هذه المعلومات؟" سألت أمينة.
"معلومات عن الماضي... عن خطأ ارتكبته قبل الزواج... معلومات يمكن أن تدمر سمعتي وسمعة هاشم!"
شعرت أمينة بشيء من الشفقة، ولكنها لم تستطع أن تتنازل عن الحق. "ولكن هذا لا يبرر ما تفعلينه. أنتِ تضرين سالم، وتضرين العائلة بأسرها."
"وماذا تريدين مني؟" قالت سعاد بلهجة يائسة.
"أريد منكِ أن تتوقفي عن ذلك فورًا. وأن تعترفي بكل شيء. وأن تساعدي سالم في تجاوز هذه المشكلة."
كانت لحظة صدام الحقائق. الشكوك التي كانت تحيط بأمينة قد تحولت إلى يقين، والمؤامرة التي كانت تتخفى في الظلال قد انكشفت أوراقها. لكن المعركة لم تنتهِ بعد، فقد كانت تعلم أن التحديات القادمة ستكون أكبر.