حياة مرحة الجزء الثالث

همسات القدر ونيران الشك

بقلم وليد المرح

فتحت نور الصباح ستائر الغرفة على عالمٍ جديد، عالمٌ لم تكن تتوقعه، بل ربما كانت تخشاه بصمت. كان الهواء محملاً برائحة الياسمين المتسللة من الحديقة، لكن في صدرها، كانت هناك زوابع تجتاح. أمسكت بقارورة الماء وارتشفت منها رشفة باردة، كأنها تحاول إخماد نارٍ سرت في عروقها منذ الأمس. لم تفارقها صورة سالم وهو يغادر، وجهه يعكس مزيجًا من الأسف والتردد، كلماته الأخيرة ظلت تدوي في أذنها: "نور، ما حدث بالأمس… يجعلني أعيد النظر في كل شيء."

يا له من رجل! رجلٌ يفكر مليًا، يزن الأمور بعناية، ولكن أحيانًا، يكون التفكير الزائد قتلاً للحب. لقد كانت هي المبادرة، نعم، لكنها مبادرةٌ نابعة من فيض مشاعرٍ جياشة، من شوقٍ دفينٍ استجمع قواه بعد طول انتظار. هل كان تصرفها جريئًا؟ ربما. هل كان خروجًا عن المألوف؟ قد يكون. ولكنها لم تكن ترى فيه إلا تعبيرًا عن حبٍ خالصٍ صادق.

نهضت من سريرها، وبدأت ترتدي ملابسها بخفةٍ ورشاقة. نظرت إلى المرآة، فرأت فتاةً ذات عينين واسعتين، تعكسان قلقًا مبهمًا. هل كان سالم قد فهمها بشكلٍ خاطئ؟ هل ظن أنها تفتح أبوابًا لا ينبغي فتحها؟ كانت تعلم أنه رجلٌ صالح، ملتزمٌ بتعاليم دينه، لا يرضى إلا بالحلال. ولكن، ألم يكن الحب جزءًا من هذا الحلال؟ ألم يكن تقارب القلوب، وتآلف الأرواح، طريقًا لتعزيز هذا الرباط المقدس؟

تسللت إلى المطبخ، حيث كانت والدتها، أمينة، تعد الفطور. استقبلتها بابتسامةٍ دافئة، وقبلةٍ على جبينها. "صباح الخير يا حبيبتي. ما الذي يجعلكِ بهذه الهيبة؟ هل رأيتِ شبحًا؟"

ابتسمت نور ابتسامةً باهتة. "صباح النور يا أمي. لا، لستُ هائبة، بل فقط… أفكر."

"أتفكرين فيمن؟" سألت أمينة بحنانٍ، وهي تضع أمامها صحنًا مليئًا بالجبن والزيتون وخبزٍ طازج.

لم تجد نور الكلمات المناسبة. كيف تشرح لأمينة، المرأة العظيمة التي ربّتها على الصدق والحياء، عن ليلةٍ كانت فيها هي المبادر؟ عن كلماتٍ قيلت، وعن نظراتٍ تبادلت، لم تكن تراها إلا بدايةً لقصةٍ جميلة؟ "أتفكر… في المستقبل يا أمي. في كل شيء."

نظرت إليها أمينة بعمق، عيناها تخترقان السطور. كانت تعرف ابنتها جيدًا. "المستقبل يا نور؟ أهو قادمٌ إليكِ بخطواتٍ سريعة؟"

شعرت نور بحرجٍ طفيف. "ربما… يا أمي. سالم… سالم تحدث معي بالأمس."

ارتسمت على وجه أمينة علامات الاهتمام. "وماذا قال؟ هل أخبارٌ سارة؟"

ترددت نور. "قال… إنه يفكر. إنه يعيد النظر في بعض الأمور."

تنهدت أمينة ببطء. "الرجال يا نور، قد يحتاجون وقتًا أطول لفهم نبضات القلب. لا تقلقي، فالحب الصادق يجد طريقه دائمًا. فقط كوني على طبيعتكِ، وعلى يقينٍ بما تشعرين به."

في منزل والد سالم، كان الأب، السيد عبد الله، يتناول قهوته السوداء بينما يقرأ في صحيفته الصباحية. كان سالم يمشي ذهابًا وإيابًا في مكتبه، وجهه متجهم، وعيناه زائغتان.

"ما بالك يا بني؟" سأل السيد عبد الله دون أن يرفع عينيه عن الصحيفة. "منذ البارحة وأنت على هذه الحال. هل حدث مكروه؟"

توقف سالم عن المشي، ونظر إلى أبيه. "لا يا أبي، ليس مكروهًا بالمعنى الحرفي، بل… أمرٌ يتعلق بنور."

أغلق السيد عبد الله الجريدة ووضعها جانبًا. "نور؟ الفتاة الطيبة؟ ما بها؟ هل أساءت إليك؟"

"لا، بل العكس يا أبي." قال سالم وهو يجلس على كرسيٍ أمامه. "لقد… كنتُ أتحدث معها بالأمس، وبدت لي… مختلفة. كانت عفويةً جدًا، وجريئةً بعض الشيء."

نظر إليه السيد عبد الله باستفهام. "جريئة؟ كيف؟"

روى سالم، بترددٍ واضح، ما حدث. لم يفصح عن كل التفاصيل، ولكنه أشار إلى أن نور أبدت مشاعرها بطريقةٍ لم يعهدها.

استمع السيد عبد الله بصبر، ثم هز رأسه. "يا بني، إن الفتاة الطيبة، عندما يمتلئ قلبها بالحب، قد تخرج أحيانًا عن نطاق التحفظ المتوقع. هل كنتَ أنتَ على قدرٍ من الاستجابة؟"

شعر سالم ببعض الانزعاج. "ولكن يا أبي، هذا ما جعلني أفكر. هل كنتُ أنا الطرف الذي لم أكن أتوقعه؟ هل لم أكن مستعدًا لهذا المستوى من… التعبير؟"

"لا يا سالم." قال أبوه بحزم. "أنت رجلٌ طيب، وقلبك نقي. ربما أنت تخشى أن تكون هذه العفوية مجرد انطباعٍ عابر، أو ربما تخشى أن تكون قد تجاوزتَ أنتَ الحدود. ولكن، هل أنتَ تحب نور؟"

صمت سالم للحظة. "نعم يا أبي، أحبها."

"إذًا، دع قلبك يتحدث. لا تجعل الشكوك تفسد ما قد يكون نعمةً من الله. نور فتاةٌ كريمة، وصالحة، وبيتكم سيتبارك بها. ربما كانت جرأتها هي مفتاحٌ لفتح بابٍ مغلقٍ داخل قلبك أنتَ أيضًا."

في هذه الأثناء، كانت سارة، صديقة نور المقربة، تتلقى مكالمةً منها. بدت نور مرتبكةً في حديثها، تحاول أن تجمع خيوط القصة.

"لا أفهم ما تقصدين يا نور!" قالت سارة بلهفة. "هل تشعرين بالندم؟ هل كان سالم منزعجًا؟"

"لا أدري يا سارة." أجابت نور بصوتٍ يكاد يكون مسموعًا. "لقد قال إنه يعيد النظر. أخشى أن أكون قد أفسدت كل شيء."

"توقفي يا نور!" صاحت سارة. "أنتِ رائعة! ولم تفعلي شيئًا خاطئًا. ربما كان سالم يحتاج فقط للصدمة الإيجابية هذه. ربما كان يحتاج ليرى أن مشاعركِ قويةٌ وصادقة. لا تفكري أبدًا في الندم. أنتِ كنتِ على طبيعتكِ، وهذا هو أجمل ما في الأمر."

حاولت كلمات سارة أن تخفف من وطأة القلق الذي يعتري نور، لكن جذور الشك كانت قد بدأت تنمو في صدرها.

في المساء، تلقى سالم رسالةً نصيةً من نور. كانت بسيطةً ومباشرة: "أتفهم حيرتك. ولكني أردتُ أن أقول لكَ أن مشاعري صادقة، ولن تتغير. أتمنى أن تجد الوقت الكافي للتفكير."

قرأ سالم الرسالة مرارًا. أثارت مشاعر متناقضة في نفسه. حبٌ لنور، ورغبةٌ في استقرار حياته، وفي نفس الوقت، خوفٌ من الوقوع في خطأ، أو من عدم القدرة على تلبية توقعاتٍ قد لا يعرفها.

على الجانب الآخر، كانت لينا، أخت سالم، تتابع التطورات عن كثب. كانت تعلم بحب سالم لنور، ولكنها كانت تخشى دائمًا من أن يعترض طريقهما شيءٌ ما. كان لديها شكوكٌ حول هذه العلاقة، شكوكٌ لم تستطع أن تتخلص منها. هل كانت نور مناسبةً لشقيقها حقًا؟ أم أن هناك ما هو أعمق من مجرد حبٍ سطحي؟ كانت تبحث عن دلائل، عن مؤشرات، لتقنع نفسها بأن قرار سالم قد يكون صحيحًا.

تسللت أفكارٌ سوداء إلى ذهنها. ماذا لو كانت نور تستغله؟ ماذا لو كانت تخفي عنه شيئًا؟ كانت تبدو بريئةً، ولكن في عالمٍ مليءٍ بالمفاجآت، لا يمكن الوثوق بالظواهر.

ارتفعت نجوم السماء، لتشهد صراعًا صامتًا في قلوب الأبطال. همسات القدر كانت تدوي، ونيران الشك كانت تتأجج، تاركةً الباب مفتوحًا أمام ما لا يُحمد عقباه. هل سينجح الحب في تجاوز هذه العقبات؟ أم أن الظلال ستلتهم الضوء؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%