حياة مرحة الجزء الثالث
سرٌّ بين الظلال
بقلم وليد المرح
امتدّ الليل بستره المخملي على مدينة القاهرة، ناشرًا هدوءًا زائفًا فوق شوارعها المضاءة بنور خافت. في شقة الحاج عبد الرحمن، كانت الأجواء على النقيض من ذلك السكون. جلست أمينة، وهي الشابة ذات القلب الرقيق والروح الفياضة، متعبةً من طول الانتظار، وعيناها تترقبان بلهفةٍ مشوبةٍ بالحذر باب الغرفة التي يقضي فيها والدها ما استطاع من وقتٍ مع الدكتور نبيل، طبيب العائلة الموثوق. كانت رائحة القهوة العربية، التي أعدتها الخادمة المخلصة فاطمة، تتسلل من المطبخ، ممزوجةً برائحة البخور الذي اعتاد الحاج عبد الرحمن إشعاله في لحظات تأمله.
قال الدكتور نبيل، بصوتٍ هادئٍ لكنه يحمل ثقلًا غير معتاد: "الحاج عبد الرحمن، الحالة معقدةٌ بعض الشيء. هناك أسبابٌ متعددةٌ لتدهور الصحة، ولا يمكن إرجاع الأمر إلى سببٍ واحدٍ بسيط."
ارتعش الحاج عبد الرحمن قليلًا. كان يعلم أن الوقت يمضي، وأن جسده لم يعد يقوى على تحمل عبء الحياة كما كان من قبل. لكنه لم يتوقع أبدًا أن تكون الأخبار بهذا القدر من الغموض. "ولكن يا دكتور، هل هناك ما يمكن فعله؟ هل هناك أملٌ في الشفاء، أو على الأقل في إبطاء هذا التدهور؟"
نظر إليه الدكتور نبيل بأسى. "الأمل موجودٌ دائمًا، ولكن يجب أن نكون واقعيين. جسدك قد استنفد الكثير من طاقته. الأهم الآن هو الراحة التامة، وتجنب أي إجهادٍ جسدي أو نفسي. وهناك أمرٌ آخر، وهو ما أود التحدث فيه معك بصراحةٍ تامة."
توقفت أنفاس الحاج عبد الرحمن. كان الدكتور نبيل رجلًا صريحًا، قليل الكلام، وإذا أطال الوقوف بجانبه، فهذا يعني أن الأمر خطير. "تفضل يا دكتور. قل ما عندك."
"أتذكر يا حاج عبد الرحمن، قبل سنوات، عندما استشرتني في مسألةٍ تتعلق بأحد استثماراتك الخارجية، وما كنت تبدو عليه من قلقٍ شديد؟"
ومضت ذكرى في ذهن الحاج عبد الرحمن. كانت فترةً عصيبة، حينما واجه مشكلةً قانونيةً معقدةً في أحد مشاريعه خارج البلاد. كان قد أخبر الدكتور نبيل وقتها جزءًا من الحقيقة، ولكنه لم يكشف عن كامل التفاصيل. "أتذكر. كانت فترةً صعبة."
"في تلك الفترة، وعلى ما يبدو، كان هناك تدخلٌ خارجيٌّ من شخصٍ ما، شخصٌ أراد استغلال الوضع. لم أكن متأكدًا وقتها، ولكن المؤشرات كانت قوية. واليوم، وأنا أراجع بعض التقارير الطبية القديمة، لاحظت نمطًا غريبًا في بعض الفحوصات التي أجريت لك حينها. يبدو أن هناك مادةً ما، بجرعاتٍ صغيرةٍ جدًا، كانت تدخل جسمك بشكلٍ دوري."
اتسعت عينا الحاج عبد الرحمن. "مادة؟ تقصد... سم؟"
أومأ الدكتور نبيل برأسه ببطء. "التحاليل لم تكن دقيقةً بما يكفي في تلك الفترة لتأكيد ذلك بشكلٍ قاطع، ولكن التفسير الأقرب هو ذلك. والآن، لاحظت أن أعراضًا مشابهة، وإن كانت أضعف، قد بدأت تظهر مرةً أخرى. وهذا ما يزيد الأمر تعقيدًا، ويشرح سبب التدهور السريع."
صمت الحاج عبد الرحمن، وقلبه يدق بعنفٍ شديد. لم يكن ليتخيل أبدًا أن هناك من يتآمر عليه بهذا الشكل، ولفترةٍ طويلة. من؟ ولماذا؟ هل هي جريمةٌ قديمةٌ بدأت تتكشف آثارها مرةً أخرى؟
"من برأيك يا دكتور؟ من يمكن أن يكون له مصلحةٌ في إيذائي؟" سأل بصوتٍ متقطع.
"هذا هو السؤال الأصعب، يا حاج عبد الرحمن. لم أكن أرى مصلحةً واضحةً في ذلك الوقت، والآن المؤشرات لا تزال غامضة. ولكن، يجب أن ننظر إلى الأشخاص الذين كانوا حولك في تلك الفترة، والذين لديهم درايةٌ بشؤونك المالية أو الصحية."
فكر الحاج عبد الرحمن في كل من كان في محيطه. كان لديه أعداءٌ كثر في عالم التجارة، ولكنه لم يتصور أن يصل الأمر إلى هذا الحد. هل هو أحد منافسيه؟ أم ربما شخصٌ أقرب؟
في الخارج، كانت أمينة قد بدأت تشعر بالقلق. قررت أن تتسلل إلى جانب الغرفة، وتقف بالقرب من الباب، محاولةً التقاط أي صوت. سمعت صوت والدها يتحدث ببطء، ثم صوت الدكتور نبيل يطمئنه. ولكن شيئًا في نبرة صوت والدها بدا مختلفًا، بدا فيه مزيجٌ من الأسى والقلق الشديد.
انفتح باب الغرفة، وخرج الحاج عبد الرحمن والدكتور نبيل. كان الحاج عبد الرحمن يبدو شاحبًا، وخطواته متعثرة. ألقت أمينة نظرةً على وجه والدها، ورأت فيها شيئًا لم تره من قبل: خوفٌ عميقٌ، وحزنٌ لا يوصف.
"أبي، ما بك؟" سألت وهي تسرع نحوه.
"لا شيء يا ابنتي. مجرد بعض الأخبار ليست بالسارة." قال بصوتٍ مرهق.
"أتفضلون الحديث لاحقًا؟" قال الدكتور نبيل بلطف، وهو يدرك حجم الصدمة التي يعيشها الحاج عبد الرحمن.
"لا، ابقوا. أريد أن أقول شيئًا." قال الحاج عبد الرحمن، ثم نظر إلى أمينة، وإلى فاطمة التي وقفت هي الأخرى بقلقٍ شديد. "الليلة، ستعرفون سرًا دفينًا، سرًا سيغير الكثير."
تسمرت أمينة في مكانها. لم تكن مستعدةً لأي اعترافاتٍ مفاجئة. والدها، الذي لطالما كان صخرةً صامدةً، بدا الآن وكأنه على وشك الانهيار.
"قبل سنوات، يا أمينة، كنت أعتقد أنني نجوت من مؤامرةٍ كادت تدمرني. ولكن يبدو أن هذه المؤامرة لم تنتهِ، بل عادت لتطاردني. الدكتور نبيل اكتشف أن هناك مادةً غريبةً كانت تُحقن في جسدي بشكلٍ سري، وأنها قد بدأت تعود مرةً أخرى."
صدمةٌ صامتةٌ سادت المكان. لم تستطع أمينة النطق بكلمة. فاطمة وضعت يدها على فمها، وعيناها امتلأت بالدموع.
"لم أكن أريد أن أقلقكم، ولم أكن أريد أن أفسد سعادتكم. كنت أحاول أن أحافظ على واجهة القوة والصحة. ولكن، لم يعد بالإمكان إخفاء الأمر."
"ومن فعل هذا يا أبي؟" سألت أمينة بصوتٍ بالكاد مسموع.
"هذا ما نحاول اكتشافه. ولكن، قبل أن نذهب أبعد من ذلك، هناك شيءٌ آخر يجب أن أصارحكم به. بخصوص قضية الميراث، وموضوع عائلة السادات..."
بدأت ضربات قلب أمينة تتسارع. كانت تعلم أن والدها يريد أن يتحدث عن شيءٍ له علاقةٌ بالماضي، شيءٌ قد يكون مرتبطًا بهذا السر الجديد.
"كان هناك خلافٌ كبيرٌ بين عائلتي وعائلة السادات، خلافٌ انتهى بما حدث. ولكن، في الحقيقة، لم تكن القصة كاملة. هناك جزءٌ من الحقيقة لم يتم كشفه، جزءٌ كان فيه دورٌ لي، دورٌ لم أكن فخورًا به."
تتالت المفاجآت كالسيول. أمينة لم تعد تعرف ما الذي تسمعه. والدها، الرجل العادل، الورع، هل كان لديه دورٌ في ما حدث لعائلة السادات؟
"ماذا تقصد يا أبي؟" سألت بصوتٍ مرتجف.
"كان هناك اتفاقٌ ما، اتفاقٌ لم يكن شريفًا تمامًا. اتفاقٌ متعلقٌ ببعض الوثائق، وبعض الأموال. ولقد حاولت أن أتجاوز الأمر، وأن أدفع ثمن أخطائي. ولكن يبدو أن الأخطاء القديمة لها ثمنٌ باهظٌ، وأنها تعود لتنتقم."
تضاعف الارتباك والقلق. كانت الأجواء مشحونةً بالأسرار، وبمشاعر لم تستطع أمينة تفسيرها. كانت ترى والدها، الرجل الذي احترمته طوال حياتها، في موقفٍ ضعيفٍ للغاية، يكشف عن جوانب مظلمةٍ من ماضيه.
"ولكن، قبل أن يزداد الوضع تعقيدًا، هناك شيءٌ أهم. بخصوص موضوع زواجك يا أمينة. خطيبك، الشاب طارق، هو الشاب الوحيد الذي رأيت فيه خيرًا، ورأيت فيه ما يناسبك. ولكن، يجب أن تعلمي، أن هناك بعض الأمور التي قد تؤثر على مستقبله، وعلى سمعته."
"ماذا؟" سألت أمينة، وقلبها يتخبط. طارق؟ هل له علاقةٌ بكل هذا؟
"لقد وجدت وثائق، يا أمينة. وثائقٌ قديمةٌ تتعلق بالصفقات التي قام بها والد طارق، والصفقات التي شارك فيها والدي. وهناك بعض الأمور التي تبدو مشبوهةً. أشياءٌ لم تكن واضحةً تمامًا في تلك الفترة، ولكن اليوم، ومع عودة المؤامرة، بدأت تتكشف."
انهارت أمينة. لم تعد قادرةً على استيعاب كل هذه المعلومات دفعةً واحدة. والدها مريضٌ، وهناك من يحاول تسميمه، وهناك سرٌ يتعلق بعائل السادات، والآن، سمعة خطيبها في خطر.
"كيف يمكن أن يحدث كل هذا؟" همست.
"لا أعرف، يا ابنتي. ولكن، علينا أن نواجه الأمر. علينا أن نكشف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة. لأن الحقيقة، وحدها، هي ما يمكن أن يحررنا."
نظر الحاج عبد الرحمن إلى الدكتور نبيل، ثم إلى أمينة وفاطمة. كانت العيون تحمل سؤالًا واحدًا: ماذا بعد؟ وماذا عن الغد؟
"يجب أن نتصرف بحذر،" قال الدكتور نبيل. "علينا أن نجمع الأدلة، وأن نفهم طبيعة هذه المؤامرة. وإذا كان هناك من يريد إلحاق الأذى، يجب أن نكشفه قبل أن يتمكن من فعل المزيد."
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل. لكن السكون لم يعد سيد الموقف. لقد استيقظت أسرارٌ دفينة، وغبار الماضي بدأ يتطاير، ناشرًا ظلالًا من الشك والقلق. كانت أمينة تشعر بأنها تقف على حافة هاوية، لا تدري ما إذا كانت ستقع، أم ستجد طريقًا للخروج.