حياة مرحة الجزء الثالث

خيوط متشابكة

بقلم وليد المرح

لم تكن ليلةً عاديةً في بيت الحاج عبد الرحمن. لقد استيقظت الأسرار من سباتها، وتطايرت خيوط الماضي لتنسج حول الحاضر شبكةً معقدةً من الشكوك والمخاوف. جلست أمينة في غرفتها، وعقلها يضج بآلاف الأسئلة. والدها، الرجل الذي كان رمزًا للقوة والنزاهة في حياتها، يكشف لها عن جوانب مظلمةٍ من ماضيه، وعن مؤامرةٍ غامضةٍ تستهدفه. والأكثر إيلامًا، أن هذه المؤامرة قد تمس سمعة خطيبها طارق، الشاب الذي أحبته بصدقٍ وأملت أن تبني معه مستقبلًا مشرقًا.

مرت ساعات الصباح ثقيلةً على الجميع. الحاج عبد الرحمن، منهكًا جسديًا ونفسيًا، قضى معظم وقته في الغرفة، تحت إشراف الدكتور نبيل الذي لم يغادر المكان. أمينة، في محاولةٍ منها لاستيعاب ما جرى، بدأت تتصفح بعض الأوراق القديمة في مكتب والدها. كانت تبحث عن أي دليل، عن أي خيطٍ يقودها إلى فهم هذه المؤامرة.

كانت الأوراق مبعثرةً، تحتوي على عقودٍ، تقارير مالية، وصورٍ قديمة. تذكرت كلمات والدها عن "اتفاقٍ لم يكن شريفًا تمامًا" وعن "وثائق متعلقة بالصفقات التي قام بها والدي طارق". بدأت تشعر بأن هناك شيءًا أكبر بكثير مما كان يخطر ببالها.

فجأةً، وقع بصرها على ملفٍ قديم، غلافه مغبرٌ، وعنوانه مكتوبٌ بخطٍ يدويٍّ بالٍ: "صفقات عام 1995". فتحت الملف بحذر، وقلبها يخفق بشدة. بدأت تتصفح الوثائق بداخله. كانت هناك عقودٌ كثيرة، تبدو مرتبطةً باستثماراتٍ في الخارج. ولاحظت توقيعًا مألوفًا يظهر على الكثير من هذه الوثائق: توقيع الحاج عبد الرحمن، وتوقيع آخر، كان لوالد طارق، السيد مراد.

بدأت بعض الأسماء تتكرر، أسماءٌ لشركاتٍ، ولشخصياتٍ لم تسمع بها من قبل. وفجأةً، لفت انتباهها وثيقةٌ واحدةٌ تحديدًا. كانت عبارة عن اتفاقية شراكةٍ مشبوهة، تتضمن بنودًا غامضةً، وتشير إلى تحويل مبالغ ماليةٍ ضخمةٍ بطرقٍ غير تقليدية. والأكثر من ذلك، لاحظت وجود ملاحظاتٍ هامشيةٍ مكتوبةٍ بخطٍ مختلف، خطٌ لم تره من قبل، ولكنه بدا مألوفًا بشكلٍ غريب.

"من كتب هذا؟" تساءلت بصوتٍ عالٍ، مما لفت انتباه فاطمة التي كانت تمر بالمطبخ.

"ماذا هناك يا ابنتي؟ هل وجدت شيئًا؟" سألت فاطمة بقلق.

"لا أدري يا فاطمة. هذا الخط، يبدو مألوفًا جدًا. وكأنني رأيته من قبل."

تنهدت أمينة، وشعرت بأن عقلها يصل إلى نقطةٍ مشبعة. كانت تشعر بأن هذه الوثائق هي مفتاح اللغز، ولكنها لم تستطع أن تفهم الصورة الكاملة.

في هذه الأثناء، كان الحاج عبد الرحمن قد استجمع بعض قوته، وطلب رؤية أمينة. جلست بجانبه، ويدها تمسك بيده الباردة.

"أبي، وجدت هذا الملف. هل هذه هي الوثائق التي كنت تقصدها؟"

نظر الحاج عبد الرحمن إلى الوثائق، وأصابه الذهول. "هذه... هذه هي. لم أكن أعرف أنك وجدت كل هذا."

"وماذا تعني هذه الملاحظات الهامشية؟ من كتبها؟"

بدا على الحاج عبد الرحمن علامات الإرهاق. "هذه الملاحظات... هذه لم تكن مني. ولا من السيد مراد."

"إذًا من؟"

"لا أعرف. ولكن، ربما هو نفس الشخص الذي... الذي كان يريد إيذائي. الذي كان يراقبني."

ازداد الارتباك. من كان هذا الشخص الغامض الذي يراقب الجميع، ويكتب ملاحظاتٍ سريةً على وثائق قديمة؟

"هل هناك أي علاقةٍ بين هذه الصفقات والوضع الصحي لسيادتكم؟" سألت أمينة.

"الدكتور نبيل يعتقد ذلك. وأن هناك شيئًا ما قد تم خلال تلك الفترة، شيئًا ما ترتب عليه ما يحدث الآن. ربما تم حقني بمادةٍ ما دون علمي، أو ربما كان هناك تلاعبٌ في نتيجة فحوصاتي."

"ولكن لماذا؟ ولماذا الآن؟"

"هذا هو السؤال الذي لا أملك إجابته. ولكن، يبدو أن هناك من يريد تصفية حسابات قديمة. وربما، يريدون أن يجعلوا سمعة السيد مراد، وسمعة طارق، في خطر."

شعرت أمينة بأنها تقف على حافة الهاوية. لم تعد المسألة مجرد مرضٍ يصيب والدها، بل أصبحت مؤامرةً تستهدف عائلتين، وتلوح في الأفق بوادر فسادٍ قديم.

"أبي، هل سمعت يومًا عن أي شخصٍ كان لديه ضغينةٌ كبيرةٌ ضد عائلة السادات، أو ضد عائلة مراد؟"

تردد الحاج عبد الرحمن قليلًا. "كان هناك دائمًا تنافسٌ في عالم التجارة. ولكن... قبل سنوات، كانت هناك قضيةٌ ما، قضيةٌ تتعلق بشركةٍ منافسةٍ تعرضت لضائقةٍ ماليةٍ شديدة، وكادت أن تفلس. وكان يقودها رجلٌ اسمه... اسمه فهمي. رجلٌ كان يبدو متعجرفًا، ويحمل ضغينةً شديدةً ضد الجميع."

"فهمي؟ هل تتذكر اسم شركته؟"

"لا أتذكر الاسم بالضبط. ولكن، أعتقد أنه كان له علاقةٌ بأحد المساهمين الكبار في تلك الشركة."

بدأت أمينة تشعر بأن خيوطًا متشابكةً تبدأ في الظهور. فهمي، الشركة المنافسة، قضيةٌ قديمة... هل يمكن أن يكون كل هذا مرتبطًا؟

"ولماذا لم تتحدث عن هذا من قبل؟"

"كنت أظن أنها مجرد منافسةٍ تجاريةٍ شرسة. ولم أتخيل أبدًا أن الأمر يصل إلى هذا الحد."

في هذه اللحظة، سمع صوتٌ طرقٍ على الباب. دخل طارق، بوجهه الوسيم، وعينيه اللتين تحملان قلقًا شديدًا.

"كيف حالك يا عمي؟ سمعت بما حدث، وجئت لأطمئن."

نظر الحاج عبد الرحمن إلى طارق، ثم إلى أمينة. كان يشعر بالأسى الشديد لحالة طارق، وللخطر الذي يهدده.

"الحمد لله يا طارق. الأمور تسير... بصعوبة."

"ماذا حدث؟ أمينة، هل هناك أي أخبار؟" سأل طارق وهو ينظر إلى أمينة.

ترددت أمينة. هل تخبره بكل شيء؟ هل تثق به؟ كانت تعلم أن والدها كان مترددًا في البداية، ولكنه اليوم، يبدو أنه مستعدٌ لمواجهة الحقيقة.

"طارق، هناك بعض الأمور التي يجب أن تعرفها. يبدو أن هناك من يحاول إلحاق الأذى بوالدي، وأن هذا الأمر قد يتعلق بصفقاتٍ قديمةٍ شارك فيها والدي ووالدك."

اتسعت عينا طارق. "صفقات قديمة؟ ماذا تقصد؟"

"يبدو أن هناك تلاعبًا، وخيانة، وربما تزويرًا. وأن هناك من يريد أن يكشف كل هذا الآن، ليدمر سمعتنا جميعًا."

شعر طارق بصدمةٍ لم يتوقعها. لم يكن يتخيل أبدًا أن ماضيه، أو ماضي عائلته، قد يحمل هذه الأسرار المظلمة.

"ولكن، من هو هذا الشخص؟ ولماذا يفعل هذا؟"

"نحن نحاول أن نكتشف. ولكن، هناك شيءٌ واحدٌ مؤكدٌ، وهو أن هذا الشخص يسعى للإضرار بسمعة عائلتك، وسمعة عائلتي."

نظر طارق إلى أمينة، وعيناه مليئةٌ بالثقة. "مهما حدث، يا أمينة، أنا معك. ولن أتركك تواجهين هذا وحدك. والدي... ربما لديه بعض المعلومات. سأتحدث معه."

شعر الحاج عبد الرحمن بارتياحٍ كبيرٍ لسماع كلمات طارق. كان يعرف أن هذا الشاب ذو أخلاقٍ رفيعة، وأن عائلته تحمل قيمًا طيبة.

"شكرًا لك يا طارق. شكرًا لوفائك. ولكن، يجب أن تعلم أن الأمر قد يكون خطيرًا جدًا."

"لا تخف يا عمي. سنواجه هذا معًا. وسنكشف الحقيقة."

خرج طارق، وقلبه يعتصر ألمًا وقلقًا. لم يكن يعلم ما الذي سيقوله لوالده، وكيف سيتفاعل مع هذه المعلومات. لكنه كان يعلم شيئًا واحدًا: أنه لن يتخلى عن أمينة، ولن يدع هذا اللغز يدمر حياتهما.

جلست أمينة بجانب والدها، وشعرت بشيءٍ من القوة يتدفق في عروقها. لم يعد الأمر مجرد قلقٍ شخصي، بل أصبح معركةً من أجل الحقيقة، ومن أجل إنقاذ سمعة عائلتين.

"أبي، أعتقد أن علينا أن نبدأ بالبحث عن هذا الرجل، فهمي. وعن شركته القديمة. ربما تكون هناك أدلةٌ في أرشيف الشركة، أو لدى أي شخصٍ كان يعمل معه."

"فكرةٌ جيدةٌ يا ابنتي. ولكن، كيف سنصل إلى كل هذا، وأنا في هذه الحالة؟"

"سأقوم بهذا يا أبي. سأقوم بهذا. وطارق، سيساعدنا."

ابتسم الحاج عبد الرحمن ابتسامةً خافتة. "بارك الله فيكم. يبدو أن الأمل لم يضع بعد."

لكن بينما كان الجميع يفكر في الخطوات القادمة، كان هناك من يراقب، ومن يخطط. ظلالٌ سوداءٌ كانت تتجمع، وعيونٌ شريرةٌ كانت ترقب، وتنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%