حياة مرحة الجزء الثالث
لقاءٌ تحت سقف الأمل
بقلم وليد المرح
في اليوم التالي، وقبل أن تتسلل خيوط الشمس الأولى إلى مدينة "الزفير" المترعة بالحياة، كان بدر يتجول في أرجاء "حي الورود" الصغير، يوزع المنشورات التي صممها بنفسه، يحملها بابتسامةٍ تضفي على وجهه سحراً خاصاً. كانت تلك المنشورات، مطبوعةً على ورقٍ ملونٍ برائحةٍ لطيفة، تحمل دعوةً لحضور "يوم الفرح والمرح" في "مقهى الأصدقاء"، مع وعدٍ بضحكاتٍ تعلو، وحكاياتٍ تروى، وأجواءٍ تذكر بأيامٍ مضت.
لم تكن المهمة سهلة. فقد قوبل بدر في البداية ببعض الدهشة، وأحياناً بالاستغراب. فالحي، رغم وديعته، كان قد اعتاد على إيقاعٍ هادئٍ وروتيني. لكن إصرار بدر، وحماسه الصادق، وبراءته الطاغية، بدأت تفتح القلوب. وجد بعض كبار السن يبتسمون، ويتذكرون أيام "مقهى الأصدقاء" في عصره الذهبي. وبعض الشباب، الذين كانوا يمرون مرور الكرام، توقفوا لفضولٍ لمعرفة المزيد.
في إحدى زوايا الحي، عند دكان "عطار الطيبين" الذي يفوح منه عبق الأعشاب النادرة، كان "شادي"، شابٌ في أوائل العشرينات، يتمتع بشعرٍ أسود فاحمٍ وعينين لامعتين كنجوم الليل، يقف يرتب أكياس الريحان. كان شادي معروفاً بذكائه الحاد، وسرعة بديهته، وروحه الطيبة. لكنه كان أيضاً، يعاني من شيءٍ من العزلة، فهو لم يكن يجد الكثير من الأصدقاء الذين يشاركونه اهتماماته بالشعر والأدب.
عندما رأى شادي بدر يقترب منه، ابتسم ابتسامةً ودية. "صباح الخير يا أستاذ بدر. ما الذي تحمله تلك الأوراق اللامعة؟ هل هي دعوةٌ لحفلةٍ خاصة؟" "صباح النور يا شادي. بل هي دعوةٌ لأمرٍ قد يثير اهتمامك. نحن ننظم 'يوم الفرح والمرح' في مقهى الأصدقاء، وسيكون فيه مسابقاتٌ شعرية، وإلقاء قصائد، وربما سهرةٌ أدبية خفيفة." اتسعت عينا شادي. "مسابقاتٌ شعرية؟ حقاً؟ هذه أخبارٌ رائعة! أنا أحب الشعر كثيراً، لكنني لم أجد فرصةً لأشارك قصائدي مع أحد." "هذا هو بالضبط سبب اهتمامي بك. أنت من الشباب الموهوبين في الحي، وصوتك سيكون له صدى طيب."
أومأ شادي برأسه، وبدأت تبدو على ملامحه علامات الاهتمام. "ولكن... هل ستكون هناك جوائز؟" سأل بنبرةٍ فيها شيءٌ من الطفولة. ضحك بدر. "بالطبع! جوائزٌ قيمة، وتقديرٌ لكل موهبة. الأهم هو أن نشجع الإبداع ونعيد البهجة." "إذاً، أنا مشاركٌ بالتأكيد. هل يمكنني المساعدة في التحضير؟ أنا جيدٌ في تنظيم الأشياء." "بالتأكيد! كل يدٍ مساعدةٍ مرحبٌ بها. ما رأيك أن تأتي إلى المقهى اليوم بعد صلاة العصر، لنتناقش في التفاصيل؟" "بكل سرور. سيكون لقاءً ممتعاً. شكراً لك يا بدر."
في نفس الوقت، وفي زقاقٍ آخر، كانت "ليلى"، فتاةٌ في أواخر عمرها، تتمتع بجمالٍ هادئٍ وأخلاقٍ رفيعة، تقف أمام محلٍ لبيع الزهور، تتأمل إحدى الورود الحمراء. ليلى كانت تعمل كمدرسةٍ للأطفال في روضة "براعم الأمل"، وكانت معروفةً بلطفها، وحنانها، وحبها الشديد للأطفال. لكنها، كانت تعاني من شعورٍ بالوحدة، فقد كانت تعيش مع والدتها المريضة، ولم يكن لديها الكثير من الوقت لتكوين صداقاتٍ جديدة.
مر بدر بالقرب منها، ولاحظ ابتسامتها الرقيقة وهي تتأمل الزهرة. توقف للحظة، ثم تقدم نحوها. "مساء الخير يا أختي. اختيارٌ جميلٌ لهذه الوردة. تبدو كأنها تعكس جمال الروح." ابتسمت ليلى بخجل. "مساء النور. شكراً لك. إنها هديةٌ بسيطة لوالدتي." "نبلٌ منك. أنا بدر، صاحب 'مقهى الأصدقاء'. نحضر لفعاليةٍ خاصة، 'يوم الفرح والمرح'. هل تعرفين بها؟" "نعم، رأيت المنشورات. تبدو فكرةً رائعة." "نحن نبحث عن بعض المتطوعين للمساعدة، خاصةً في فقرات الأطفال. بما أنك معلمةٌ، أعتقد أن خبرتك ستكون ثمينةً جداً." تلونت وجنتا ليلى باللون الوردي. "مسابقاتٌ للأطفال؟ بالتأكيد، سأكون سعيدةً بالمشاركة. أحب أن أرى الأطفال سعداء." "رائع! هل لك وقتٌ بعد صلاة العصر اليوم، لنجتمع في المقهى ونتحدث عن التفاصيل؟" "نعم، لدي وقت. سأكون هناك."
تواعد الجميع للقاء في المقهى. كان بدر يشعر بسعادةٍ غامرة. لقد بدأ حلمه يتجسد. لم يكن يتخيل أن فكرته ستحظى بهذا القدر من الاستجابة، وأنها ستجمع حوله هذه القلوب الطيبة. كان يعلم أن "يوم الفرح والمرح" لن يكون مجرد حدثٍ عابر، بل سيكون بدايةً لتغييرٍ جميلٍ في حياة الكثيرين، وخاصةً في حياة "مقهى الأصدقاء" الذي كان ينتظر أن يعود إليه نبضه.
عندما دخل بدر المقهى، وجد جدته الحاجة أمينة قد بدأت بتجهيز المطبخ، ورائحة الزبدة والسكر تملأ المكان. نظر إليها بامتنان. "هل أنت مستعدة يا جدتي؟" "أنا دائماً مستعدةٌ لبهجةٍ تبدأ من هنا." قالت الحاجة أمينة بابتسامةٍ دافئة، وهي تنظر إلى صورة جده المعلقة على الحائط. "ابنك يكمل عملك، وهذا ما أتمناه." كان بدر يشعر وكأن روحه قد وجدت دفئاً جديداً. كانت تلك البداية، بداية رحلةٍ مليئةٍ بالأمل، والفرح، وربما... بالحب؟