حياة مرحة الجزء الثالث

اعترافاتٌ مريرة

بقلم وليد المرح

بعد ليلةٍ مضطربةٍ مليئةٍ بالأسرار المفاجئة، استيقظت القاهرة على واقعٍ جديدٍ أكثر تعقيدًا. في شقة الحاج عبد الرحمن، كانت الأجواء مشحونةً بالتوتر، ولكنها تحمل أيضًا شعاعًا من الأمل، شعاعٌ يستمده الأبطال من تصميمهم على كشف الحقيقة. أمينة، مدفوعةً بمسؤوليةٍ كبيرة، وبحبٍ صادقٍ لخطيبها، وطارق، المصدوم ولكنه ثابتٌ في موقفه، شرعا في رحلةٍ شاقةٍ لكشف خيوط المؤامرة.

كانت الخطوة الأولى هي محاولة التواصل مع والد طارق، السيد مراد. كان السيد مراد رجلًا طيبًا، ولكنه غارقٌ في عالمه الخاص، يميل إلى الانطوائية، ويكاد لا يظهر إلا في المناسبات الهامة. ولكن، مع تزايد القلق، قرر طارق أن يواجهه بالحقيقة، مهما كانت مؤلمة.

بعد صلاة العشاء، توجه طارق إلى منزل والده. كانت الدقائق تمر ببطء، وكل طرقةٍ على الباب كانت تثير قلقًا جديدًا. عندما فتح السيد مراد الباب، رأى طارق وجه أبيه شاحبًا، وعيناه تحملان تعبًا غير مبرر.

"ماذا هناك يا بني؟ هل كل شيءٌ على ما يرام؟" سأل السيد مراد بصوتٍ مرهق.

"أبي، هناك أمرٌ جللٌ يجب أن أتحدث معك فيه. يتعلق بوالد أمينة، الحاج عبد الرحمن، وبصفقاتٍ قديمةٍ بينكما."

تجمّدت ملامح السيد مراد. بدا وكأن ذكر الحاج عبد الرحمن، ومن ثم "الصفقات القديمة"، قد أثارت فيه ذكرياتٍ غير سارة.

"ماذا تقصد؟" سأل بصوتٍ هادئٍ لكنه يحمل نبرةً غريبة.

"يبدو يا أبي أن هناك من يحاول إلحاق الأذى بالحاج عبد الرحمن، ومن خلال ذلك، يريدون تدمير سمعة عائلتنا أيضًا. اكتشفنا أن هناك تلاعبًا، وربما خيانة، في صفقاتٍ تمت في الماضي. وأن هناك رجلًا اسمه فهمي، كان له دورٌ في ذلك."

صمت السيد مراد لفترةٍ طويلة، ينظر إلى الأرض، وكأنه يصارع شيئًا في داخله. ثم رفع رأسه، ونظر إلى طارق بعينين تحملان مزيجًا من الأسف والحيرة.

"فهمي... لم أسمع بهذا الاسم منذ سنواتٍ طويلة."

"ولكن، يا أبي، الخطوط التي وجدت في وثائق الحاج عبد الرحمن، والملاحظات التي وجدت، ليست لسيادتكم، ولا للحاج عبد الرحمن. هل تعرف من قد يكون؟"

تنهد السيد مراد بعمق. "يا بني، عالم التجارة في تلك الفترة كان مليئًا بالخداع والمنافسة الشرسة. وكان هناك دائمًا أشخاصٌ يحاولون استغلال أي فرصةٍ لتحقيق مكاسب غير مشروعة."

"ولكن، هل كان هناك شيءٌ محددٌ يتعلق بصفقةٍ معينة؟ هل تتذكر أي شيءٍ يمكن أن يوضح الأمر؟"

"أتذكر... أتذكر أن الحاج عبد الرحمن كان دائمًا رجلًا شريفًا، يحب العدل. ولكنه كان أيضًا طيب القلب، وربما لم ينتبه في بعض الأحيان إلى نوايا الآخرين. أما أنا، فقد كنت أقل خبرةً منه في بعض الأمور. وعندما دخلنا في شراكةٍ مع بعض الأطراف، كنت واثقًا من حسن نواياهم."

"ومن هم هؤلاء الأطراف يا أبي؟ هل كان من بينهم رجلٌ اسمه فهمي؟"

"لا أتذكر اسم فهمي تحديدًا، ولكن أتذكر أن هناك شخصًا واحدًا، كان دائمًا يظهر في الصورة في الأوقات الصعبة، يحاول أن يزرع الشقاق، ويقترح حلولًا غريبةً وغير تقليدية."

"ما هو اسم هذا الشخص؟"

"كان اسمه... منصور. كان يعمل كمستشارٍ ماليٍّ خارجيٍّ، وكان له علاقاتٌ مشبوهةٌ جدًا. كان دائمًا يقدم اقتراحاتٍ تبدو مربحةً جدًا، ولكنها في الحقيقة كانت محفوفةً بالمخاطر."

"منصور؟ وهل كان له أي علاقةٍ بالشركة التي خسرت أموالها؟ الشركة التي كان يرأسها فهمي؟"

"ربما. لا أتذكر التفاصيل الدقيقة. لقد مر وقتٌ طويلٌ على ذلك."

شعر طارق بأن هناك شيئًا غائبًا، شيئًا لا يكمله والده. ولكن، كان يعلم أن والده يصارع ذكرياتٍ مؤلمة.

"أبي، أعتقد أن هذا منصور، وفهمي، قد يكونان مرتبطين. وأنهم قد يكونون هم من يقفون وراء ما يحدث لوالدي. والحاج عبد الرحمن يعتقد أنهم قد حاولوا تسميمه."

اتسعت عينا السيد مراد بصدمة. "تسميمه؟ هذا جنون! الحاج عبد الرحمن رجلٌ طيب، لا يستحق هذا."

"ولكن، يا أبي، أعتقد أن هناك شيئًا قد حدث في تلك الفترة، شيئًا لم نكن نعرفه، ولم نكن ننتبه إليه. وأعتقد أن هذا منصور، هو من كان يكتب تلك الملاحظات الغريبة على الوثائق."

"منصور؟" قال السيد مراد بصوتٍ خافت، وكأنه يتذكر اسمًا كان يحاول نسيانه. "هو رجلٌ خطيرٌ جدًا. كان دائمًا يخطط في الظل، ولا يظهر إلا عندما يحين وقت الحصاد."

"وهل تتذكر أي تفاصيل عن علاقته بالحاج عبد الرحمن، أو بالحاج فهمي؟"

"كان منصور يحاول دائمًا أن يزرع الشك بيني وبين الحاج عبد الرحمن. وكان يدعي أنه لديه مصلحةٌ في إنجاح أعمالنا. ولكنه في الحقيقة، كان يستغلنا. وكان دائمًا يسعى لتحقيق مكاسبه الخاصة، حتى لو على حساب الآخرين."

"ولكن، هل هو من كان يسعى لتدمير الشركة المنافسة؟"

"لا أعرف. ولكنه كان يملك القدرة على فعل أي شيءٍ ليصل إلى هدفه."

شعر طارق بأن خيوط اللغز بدأت تتجمع. منصور، الرجل الغامض الذي كان يخطط في الظل، والرجل الذي كان يسعى لزرع الشقاق. وفهمي، صاحب الشركة المنافسة. هل كان منصور وراء كل هذا؟

"أبي، هل تتذكر أي تفاصيل عن علاقتك بفهمي؟ هل كنتم في منافسةٍ مباشرةٍ معه؟"

"كان هناك تنافسٌ، بالتأكيد. ولكن، لم تكن العلاقة شخصيةً جدًا. كنت أعتبره منافسًا في السوق، لا أكثر. لم أتخيل أبدًا أن يصل الأمر إلى هذا الحد."

"وهل تتذكر أي شيءٍ عن أي اتفاقياتٍ مشبوهةٍ شارك فيها منصور؟"

"منصور كان دائمًا يوحي بأنه يملك حلولًا سحريةً للمشاكل المالية. ولكنه كان دائمًا يفضل إبرام اتفاقياتٍ معقدة، يصعب فهمها، ويصعب تتبعها. وكان دائمًا يصر على أن تكون هناك بنودٌ سرية، لا يمكن كشفها للعامة."

"وهذا ما وجدناه في الوثائق يا أبي. بنودٌ سرية، وتحويلاتٌ ماليةٌ مشبوهة. أعتقد أن منصور هو من كان يقف وراء كل هذا. وهو من حاول تسميم الحاج عبد الرحمن، وربما كان يريد أن يدمر سمعتنا أيضًا."

شعر السيد مراد بالضيق الشديد. "يا إلهي. لم أكن أعرف أن الأمر بهذا السوء. كنت أظن أننا نجونا من تلك الفترة. ولكن يبدو أننا كنا مخطئين."

"لا تقلق يا أبي. سنواجه هذا معًا. ولكن، أحتاج منك بعض المعلومات. هل تتذكر أي تفاصيل عن عمل منصور؟ عن الأشخاص الذين كان يتعامل معهم؟ أي شيءٍ قد يساعدنا في العثور عليه؟"

"منصور كان رجلًا غامضًا، لا يظهر إلا في الأوقات الضرورية. ولكن، أتذكر أنه كان له مكتبٌ في منطقةٍ بعيدةٍ عن وسط المدينة، في مبنى قديمٍ لم أكن أعرف اسمه. وكان لديه سكرتيرةٌ، امرأةٌ صينيةٌ، تبدو شديدة الذكاء."

"امرأةٌ صينية؟"

"نعم. كانت تتحدث العربية بطلاقة. وكانت دائمًا تظهر في أوقاتٍ غير متوقعة. كانت جزءًا لا يتجزأ من خططه."

"وهل تتذكر أي تفاصيل عن هذا المكتب؟ عن عنوانه؟"

"كنت أحاول دائمًا أن أتجنب التعامل معه بشكلٍ مباشر، لذا لم أكن أهتم بالتفاصيل. ولكن، أتذكر أنه كان في منطقةٍ قريبةٍ من الميناء، في أحد الشوارع الضيقة."

شعر طارق بأن هذه المعلومات، وإن كانت قليلة، إلا أنها قد تكون كافيةً للبدء. سكرتيرةٌ صينية، مكتبٌ في منطقةٍ قريبةٍ من الميناء.

"شكرًا لك يا أبي. هذه المعلومات ستكون مفيدةً جدًا. سأقوم بالبحث عن هذا المكتب، وعن هذه المرأة."

"كن حذرًا يا بني. منصور رجلٌ خطيرٌ جدًا. ولا يستهان به."

"سأكون حذرًا. ولكن، لا يمكنني أن أترك الحاج عبد الرحمن في هذه الحالة. ولا يمكنني أن أدع سمعة عائلتنا تتلوث."

خرج طارق من منزل والده، وقلبه مليءٌ بالأمل الجديد. لقد اكتشف جزءًا مهمًا من اللغز، واقترب أكثر من معرفة هوية المعتدي.

في شقة الحاج عبد الرحمن، كانت أمينة تبحث في أوراق والدها القديمة، ولكنها لم تجد شيئًا جديدًا. شعرت بالإحباط. ولكن، عندما عاد طارق، ورأى الإصرار في عينيها، شعر بقوةٍ أكبر.

"أمينة، لقد تحدثت مع والدي. أعتقد أننا اقتربنا من كشف الحقيقة."

"ماذا قال؟ هل عرف شيئًا؟"

"نعم. يبدو أن الرجل الذي كان وراء كل هذا هو شخصٌ اسمه منصور. وكان له سكرتيرةٌ صينيةٌ، وكان له مكتبٌ في منطقةٍ قريبةٍ من الميناء."

"منصور؟ وسكرتيرةٌ صينية؟"

"نعم. وأعتقد أن هذا الرجل، منصور، هو من كان يخطط في الظل، وهو من استغل الصفقات القديمة، وهو من حاول تسميم والدك."

شعرتا أمينة وفاطمة بالصدمة. ولكن، في نفس الوقت، شعرتا بارتياحٍ لوجود هدفٍ واضح، وللتحرك نحو كشف الحقيقة.

"الآن، علينا أن نجد هذا المكتب، وأن نجد هذه السكرتيرة. ربما تكون لديها معلوماتٌ هامة." قالت أمينة بحزم.

"نعم. ولكن، كيف سنصل إليها؟" سأل طارق.

"لا أعرف. ولكن، علينا أن نحاول. ربما يمكننا استشارة محامٍ، أو خبيرٍ في التحقيقات. المهم أننا لن نستسلم."

نظر الأبطال الثلاثة إلى بعضهم البعض، وفي أعينهم تصميمٌ لا يتزعزع. لقد بدأت المعركة الحقيقية، ولم يعد هناك مجالٌ للتراجع.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%