حياة مرحة الجزء الثالث
الألحان العتيقة والحكايات الجديدة
بقلم وليد المرح
تسللت رائحة القهوة العربية الأصيلة، ممزوجةً بعبق الهيل، لتوقظ حواس سكان "حي النخيل" قبل أن تفتح أبواب "مقهى الأصدقاء" رسمياً. كانت الشمس قد بدأت ترتفع، تلقي بأشعتها الذهبية على الواجهة الحجرية للمقهى، والتي تزينها نقوشٌ عربيةٌ قديمة. داخل المقهى، كانت الأجواء تختلف عن الأيام العادية. لم يعد الهدوء هو سيد المكان، بل كان هناك همهمةٌ خفيفةٌ من النشاط، وحركةٌ سريعةٌ من الاستعدادات.
كان بدر، بكل همته ونشاطه، يضع اللمسات الأخيرة على المكان. كان قد أعاد ترتيب الطاولات، ووضع مزهرياتٍ صغيرةً تحوي زهور الياسمين البيضاء، وعلّق على الجدران بعض اللوحات التي رسمها فنانون محليون، تصور مشاهد من الحياة العربية الأصيلة. كانت جدته، الحاجة أمينة، في المطبخ، تعد كمياتٍ كبيرةً من "لقمة القاضي" الذهبية، تلك الحلوى التي تشتهر بها العائلة، بالإضافة إلى ابتكارها الجديد، "كنافة المانجو" ذات الألوان الزاهية.
وصل شادي، بحقيبةٍ مليئةٍ بالكتب والمخطوطات الشعرية. بدأ يجهز ركناً خاصاً بالشعر، يضع فيه الكتب بشكلٍ منظم، ويجهز مكاناً ليجلس فيه الشعراء. كان وجهه يشرق بالحماس، وبدا وكأنه وجد ضالته أخيراً. "يا بدر، هل تذكر تلك القصيدة لـ 'المتنبي' عن الأمل؟ أعتقد أنها ستكون مناسبةً للافتتاح." "بالتأكيد يا شادي. وأنا لدي فكرةٌ أخرى. ما رأيك أن نختار قصيدةً من تأليف أحد الشباب في الحي، ونعرضها كقصيدة اليوم؟" "فكرةٌ رائعة! يمكننا أن نقوم بمسابقةٍ مصغرةٍ قبل اليوم المفتوح، لاختيار أفضل قصيدة." "ممتاز. أنت مسؤولٌ عن هذا الجانب. أريد أن أرى شعراً ينبض بالحياة والأمل."
بعد قليل، وصلت ليلى، تحمل سلةً مليئةً بالألعاب الملونة، وأدوات الرسم، وكتب القصص المصورة للأطفال. كان معها بعض الأطفال من روضة "براعم الأمل"، الذين أتوا للمساعدة في تزيين المكان. كانوا يركضون ويضحكون، ورقصاتهم الصغيرة تضفي على المكان بهجةً لا مثيل لها. "مرحباً يا بدر! نحن مستعدون لفقرة الأطفال. لقد أحضرنا الكثير من المفاجآت لهم." قالت ليلى بابتسامةٍ مشرقة. "يا لجمالك يا ليلى! أنتِ بالفعل تجلبين الأمل. أرى أن الأطفال قد أحبوا المكان." بدأت ليلى مع الأطفال بتعليق الرسومات الملونة على الجدران، وتجهيز ركنٍ خاصٍ للألعاب. كانت تبتسم لكل طفلٍ يمر بها، وتراقب حركاتهم البريئة بقلبٍ حنون.
وبينما كان الجميع منهمكاً في التحضيرات، دخل المقهى رجلٌ عجوز، كان من رواد المقهى القدامى. كان "الحاج عمر"، رجلٌ وقورٌ، ذو لحيةٍ بيضاء طويلة، ووجهٍ تكسوه تجاعيد الحكمة. كان يرتدي ملابس تقليدية، ويحمل في يده عصا خشبية. "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." قال بصوتٍ هادئٍ وعميق. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا حاج عمر!" رد بدر والحاجة أمينة وشادي وليلى بصوتٍ واحد. "ما هذا النشاط يا شباب؟ هل لديكم مناسبةٌ خاصة؟" سأل الحاج عمر وهو يتأمل المكان بعينين فيهما فضولٌ وبهجة. "نعم يا حاج عمر، لدينا 'يوم الفرح والمرح'. نريد أن نعيد الروح الجميلة للمقهى." أجاب بدر. ابتسم الحاج عمر. "أحسنت صنعاً يا بني. هذا المقهى يحتاج إلى هذه الروح. كان جدك، الحاج سالم، هو قلب هذا المكان. أتذكر جليساته، وحكاياته، وضحكاته التي كانت تملأ الأركان. أتمنى لكم كل التوفيق." "دعواتك يا حاج عمر. نريد أن نجعل هذا اليوم ذكرى لا تُنسى، كما كانت أيام جدي." "بالتأكيد يا بني. إذا احتجتم أي شيء، فلا تترددوا في طلبي. لدي الكثير من القصص القديمة التي قد تفيدكم، وربما بعض الألحان التي كانت تُعزف هنا أيام زمان." "هذا كنزٌ يا حاج عمر! بالطبع سنحتاج لمساعدتك. خاصةً الألحان. هل يمكنك أن تعزف لنا بعضها؟" سأل بدر. "بالتأكيد. سآتي غداً مع آلتي العتيقة، العود. دعونا نعيد للألحان القديمة رونقها."
شعر بدر وكأن الزمن قد عاد به إلى الوراء. كان جده يحب الألحان العربية الأصيلة، وكان دائماً يستمع إلى أغاني كبار الفنانين. وجود الحاج عمر، مع عوده، سيضيف لمسةً سحريةً لليوم المفتوح.
في هذه الأثناء، كانت الحاجة أمينة قد أعدت صينيةً من "لقمة القاضي" وقدمتها للحاج عمر. "تفضل يا حاج عمر، ضيافةٌ بسيطةٌ من مطبخنا. جربها، لعلها تذكرك بأيام زمان." أخذ الحاج عمر قطعةً، وتذوقها. أغمض عينيه للحظة. "سبحان الله! نفس النكهة، نفس الطعم. لقد عدتُ بالزمن يا أمينة. أهنئكِ أنتِ وبدر على هذه المبادرة الطيبة." شعر بدر بفخرٍ وسعادةٍ تغمره. لقد كانت هذه اللحظات، هي كل ما كان يصبو إليه. لم يكن الأمر متعلقاً بالربح المادي، بل بإعادة إحياء الذكريات، وإسعاد القلوب، وتكريم إرثٍ عظيم.
مع اقتراب نهاية اليوم، وتجمع الجميع في المقهى، شعر بدر بالسكينة. لقد شعر بأن روح جده ترافقه، وأن البركات تحيط بالمكان. كان يعلم أن "يوم الفرح والمرح" لم يكن مجرد احتفالٍ عابر، بل كان بدايةً لشيءٍ أكبر. كان بوابةً لفرصٍ جديدة، ولقاءاتٍ غير متوقعة. كان يشعر بأن شيئاً ما قد تغير، وشيئاً ما سينمو.
ومع غروب الشمس، وإلقاء آخر خيوطها الذهبية على المقهى، وقف بدر وشادي وليلى والحاجة أمينة، ينظرون إلى المكان الذي اكتسى بعبق الأمل والفرح. كانت كل زاويةٍ فيه تروي قصة، وكل ابتسامةٍ فيه كانت وعداً بمستقبلٍ مشرق. كان يعلم أن الغد سيكون يوماً لا يُنسى، وأن المفاجآت لن تتوقف.