حياة مرحة الجزء الثالث

غياهب الذنب وحكايا الشوق

بقلم وليد المرح

لم يكن صباحاً ككل صباح في بيت الحاج محمود. الشمس، التي اعتادت أن ترسل خيوطها الذهبية لتداعب أوراق الريحان المتسلقة على جدار الفيلا المطل على بساتين الزيتون، بدت اليوم وكأنها تستتر خلف سحب كثيفة من الهموم. جلس الحاج محمود في مجلسه المعتاد، يحتسي قهوته المرة، لكن مرارتها لم تكن تضاهي مرارة ما يعتمل في صدره. عيناه، اللتان اعتادتا أن تلمعا بالرضا والحكمة، كانت تعكسان قلقاً عميقاً، وشيئاً من الخزي.

كانت المشكلة، أو بالأحرى "الغواية"، قد بدأت كهمسة خافتة، مجرد لحظة ضعف عابرة، ثم تحولت إلى وحش يلتهم أيام عمره. لم يكن الأمر يتعلق بمال أو جاه، بل كان أشد فتكاً، لأنه ضرب في صميم رجولته وقيمه. إنها تلك اللعبة الإلكترونية، التي دخلها متسللاً كمتعة عابرة، ثم استذبحته دون أن يدري.

تذكر كيف بدأت. في البداية، كانت مجرد استراحة من ضغوط العمل، ترفيه بريء يسليه في أوقات الفراغ. أصدقاؤه، بعض الشباب الذين يعرفهم في السوق، كانوا يتحدثون عنها، يتنافسون على المستويات والمكافآت. وجد نفسه مدفوعاً بالفضول، ثم بالمنافسة. بدأ ينسى ساعات الليل، ويهمل بعض واجباته. ثم جاءت اللحظة الفارقة، حينما بدأ يخسر. خسارة لم تكن في اللعبة فحسب، بل كانت خسارة لراحته، ولسكينته.

كانت شاشته تضيء له عالماً افتراضياً مليئاً بالألوان البراقة، والأصوات الصاخبة، والتحديات التي تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في باطنها أشد فتكاً. كان يتسلل إلى غرفته كلما سنحت له الفرصة، يغلق الباب بإحكام، وكأنما يخفي سراً عظيماً. كان يشعر بالذنب، لكن رغبة الفوز، ورغبة استعادة ما فقده، كانت أقوى.

زوجته، الحاجة أمينة، تلك المرأة الصابرة، الراضية، لم تكن غافلة تماماً. لاحظت تغيره. قلة نومه، شحوبه، شروده الذهني. كانت تسأله بلطف، لكن إجاباته كانت متملصة، زائفة. "مجرد إرهاق يا حبيبتي، بعض المشاكل في العمل." كان يكذب عليها، يكذب على نفسه.

في هذا الصباح، كان يعلم أن شيئاً ما يجب أن يتغير. ليست اللعبة بحد ذاتها المشكلة، بل الإدمان. كيف يمكن لشيء يبدأ ببراءة أن يتحول إلى سجن؟ كيف يمكن لشاشة مضيئة أن تحجب عنه نور شمس الحياة الحقيقية، نور وجه زوجته، وضحكات أحفاده؟

فجأة، انفتح الباب بهدوء. دخلت أمينة، تحمل صينية عليها كوب شاي بالنعناع، وبعض المعمول الهش. ابتسامتها كانت كبلسم يشفي الجراح. وضعت الصينية أمامه، ثم جلست على طرف الكرسي، تراقب ملامحه القلقة. "ما بك يا حاج؟ أرى الهموم قد ألقت بظلالها على وجهك منذ أيام." ارتعش الحاج محمود للحظة. كان يكره أن يراها قلقة بسببه. "لا شيء يا أمينة، مجرد بعض الأفكار." تنهدت أمينة، وقالت بنبرة حانية: "الأفكار يا حاج، إن لم تُناقش، أصبحت كالأشواك التي تتشابك في القلب. أخبرني، لعل الله ييسر لنا أمراً."

كانت هذه دعوة، دعوة صريحة لكسر حاجز الكتمان. نظر الحاج محمود إلى عين زوجته الصادقتين، ورأى فيهما حباً عميقاً، واهتماماً لا يتزعزع. شعر بالخجل الشديد. كيف وصل به الحال إلى هذا؟ كيف سمح لضعف بشري بأن يهدد هذا الصرح العظيم من الحب والاحترام الذي بناه معها عبر سنين طويلة؟ "يا أمينة،" بدأ بصوت متقطع، "أجد نفسي متورطاً في أمر..." توقف. البحث عن الكلمات المناسبة بدا وكأنه أصعب من اجتياز أصعب المراحل في لعبته تلك.

في تلك الأثناء، في الغرفة المجاورة، كانت ليلى، ابنته الوحيدة، تصفح هاتفها بملل. لم تكن تعلم تفاصيل ما يحدث في منزلها، لكنها شعرت بالتوتر السائد. كانت ترى والدها شارد الذهن، ووالدتها قلقة. لكن عالمها كان يختلف. كانت حياتها تدور حول تحديات مختلفة، تحديات افتراضية أيضاً، لكنها لم تكن تدري كم هي خطيرة.

ليلى، الشابة الذكية والطموحة، كانت قد وقعت هي الأخرى في براثن ما يشبه الإدمان، ولكن من نوع آخر. كانت مدمنة على "الشهرة الافتراضية". تخصصت في إنشاء المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، تهتم بتصميم الصور، كتابة التعليقات الجذابة، والحصول على أكبر قدر ممكن من "الإعجابات" و"المتابعين". كانت تقضي ساعات طويلة أمام شاشتها، تخطط لكل منشور، لكل بث مباشر.

بدأت كنزهة، كهواية. لكن شيئاً فشيئاً، تحول الأمر إلى هوس. أصبحت تقيس قيمتها بعدد النقرات والتعليقات. أي انخفاض في التفاعل كان يسبب لها شعوراً بالضيق، وبالفشل. كانت تتقمص شخصيات مختلفة، تتحدث بلغة لا تشبه لغتها الحقيقية، تضحك وتتظاهر بالسعادة في حين أن قلبها قد يكون مثقلاً.

"يا إلهي، المنشور الأخير لم يحصل على تفاعل كافٍ!" تمتمت وهي تنظر إلى شاشتها. "لماذا؟ هل الصورة لم تكن جميلة؟ هل النص لم يكن مؤثراً؟" كانت تقارن نفسها باستمرار بغيرها، بمن يبدو لهن حياتهن مثالية، لامعة، مليئة بالمناسبات والسفر. كانت تشعر بأن حياتها العادية، حياة الفتاة المسلمة التي تحافظ على حدودها، مملة، وغير جذابة. "لا بد أن أقدم شيئاً أكثر إثارة،" قالت لنفسها، وعيناها تلمعان بتحدٍ.

كانت مشكلتها أعمق من مجرد رغبة في الشهرة. كانت تبحث عن تقدير، عن إثبات لذاتها في عالم يزخر بالمظاهر. كانت تحلم بأن تصبح "مؤثرة"، شخصية يتابعها الملايين، وتترك بصمة. لكن هذه البصمة، التي تتشكل من خلال شاشة زجاجية، هل هي بصمة حقيقية؟

في هذه اللحظة، تلقت رسالة على هاتفها. كانت من صديقتها المقربة، سارة. "ليلى، هل أنتِ مستعدة للقاء اليوم؟ لقد وجدت مكاناً جديداً، يبدو رائعاً!" ابتسمت ليلى. كانت اللقاءات مع سارة دائماً مصدر سعادة. سارة، الفتاة المرحة، العفوية، التي لم تقع في نفس مستنقع المظاهر الافتراضية. "بالتأكيد يا سارة! أين؟" ردت ليلى بسرعة. "في المقهى الجديد في وسط المدينة. سأنتظرك هناك. لدينا الكثير لنتحدث عنه!"

عادت إلى مجلس والدها. كانت أمينة تستمع بصبر، بينما الحاج محمود بدأ يسرد قصته، متلعثماً في البداية، ثم تدريجياً اكتسب بعض الثقة وهو يرى تفهم زوجته. "إنها لعبة إلكترونية يا أمينة. أصبحت أقضي ساعات طويلة عليها. فقدت الكثير من المال، والأهم من ذلك، فقدت الشعور بالوقت، وبالحياة." نظرت أمينة إليه بحزن، لكن دون توبيخ. "والله المستعان يا حاج. هذا ابتلاء. ولكن ما دمت واعيًا به، فباب التوبة مفتوح، وباب الحلول موجود." "ولكن كيف؟" تنهد الحاج محمود. "أشعر بأنني أسير في دوامة، لا أرى نهايتها."

فجأة، سمعا صوت الباب وهو يُفتح بقوة. دخلت ليلى، بوجه مشرق، مبتسمة، جاهزة للخروج. "أبي، أمي، أنا خارجة مع سارة. سأعود مبكراً." نظرت أمينة إلى الحاج محمود، ورأت في عينيه أثراً من الحزن، كأنما يرى في ابنته شيئاً من ضعفه. "قبل أن تخرجي يا ابنتي،" قال الحاج محمود بصوت ضعيف، "هل يمكن أن تجلسي معنا لحظة؟ لدي حديث مهم لكِ."

ترددت ليلى. كانت تتطلع بشدة للقاء سارة. لكن نبرة والدها الحزينة، ونظرة والدتها الحانية، جعلتها تشعر بأن الأمر جلل. "حسناً أبي، سأنتظر قليلاً." جلست على الأريكة، تفكر ما الذي يمكن أن يريده والدها منها في هذه اللحظة. هل يتعلق الأمر بدراستها؟ هل هناك مشكلة في الجامعة؟ جلست أمينة بجانب زوجها، وأشارت له ليبدأ. "يا ليلى،" بدأ الحاج محمود، ثم صمت. لم يكن يعلم كيف يبدأ. كيف يبدأ نقاشاً مع ابنته عن "المظاهر الافتراضية"، بينما هو نفسه غارق في "الإدمان الافتراضي"؟ "الحياة ليست مجرد ما نراه على الشاشات يا ابنتي." قال أخيراً، وهو ينظر إليها بنظرة تجمع بين الأب والحكيم. "قيمتنا الحقيقية ليست في عدد الإعجابات، ولا في مدى شهرتنا الافتراضية. قيمتنا تكمن في أخلاقنا، في علاقتنا بربنا، في صدقنا مع أنفسنا ومع أحبائنا."

نظرت ليلى إلى والدها، ثم إلى والدتها، وشعرت بأن شيئاً ما غامضاً يحدث. لم تفهم تماماً ما الذي يقصده والدها، لكنها شعرت بالثقل الذي يحمله. بدا وكأن كل واحد منهما في هذه العائلة يحمل عبئاً خفياً، كلٌ في عالمه الافتراضي، أو شبيه به.

"ماذا تقصد يا أبي؟" سألت ليلى بفضول. نظر الحاج محمود إلى أمينة، ثم قال: "الحديث طويل يا ابنتي. ولعلنا نتحدث فيه لاحقاً. الأهم الآن، أن نتذكر دائماً أن حياتنا الحقيقية، هي تلك التي نعيشها بعيداً عن الشاشات. تلك التي نبني فيها علاقات حقيقية، ونحب فيها بصدق، ونسعى فيها لرضا الله."

شعر الحاج محمود بأن هذه الكلمات، وإن كانت عامة، إلا أنها كانت بداية. بداية لشيء ما. شعر بأن زوجته بجانبه، وبابنته أمامه، هما كل ما يحتاجه. ربما لم يكن الإدمان مجرد مشكلة شخصية، بل كان ظاهرة تهدد نسيج العائلة بأكملها. "الآن،" قال الحاج محمود، وهو يحاول أن يستعيد رباطة جأشه، "اذهبي إلى صديقتك. ولكن تذكري كلام والدك. واجعلي حياتك الحقيقية هي الأجمل، والأكثر إثارة." ابتسمت ليلى، وشعرت براحة غريبة. على الرغم من أنها لم تفهم كل شيء، إلا أنها شعرت بأن والدها يحاول التواصل معها بطريقة مختلفة. "حسناً يا أبي، سأتذكر."

نهضت ليلى، وقبلت والدتها ووالدها، ثم خرجت. تركت خلفها صمتاً ثقيلاً، لكنه صمت كان يحمل في طياته بذرة تغيير. الحاج محمود، وهو يرى ابنته تخرج، شعر بشيء من الأمل. كان يعلم أن الطريق طويل، وأن معركته ضد إدمانه لن تكون سهلة. لكنه كان يعلم أيضاً، أنه لم يعد وحيداً في صراعه. كان لديه زوجة تدعمه، وابنة قد تبدأ في رؤية النور. "يا أمينة،" قال الحاج محمود وهو يمسك بيد زوجته، "لقد ضللت الطريق. ولكن الحمد لله، لم يتركني." ابتسمت أمينة، وقالت: "والله عند ظن عبده، يا حاج. طالما فيه عزم، فالله معه."

شعر الحاج محمود ببعض من راحة البال. كان يعلم أن المعركة قد بدأت للتو. معركة استعادة الذات، واستعادة الحياة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%