حياة مرحة الجزء الثالث
ضباب الأوهام ولهيب الأشواق
بقلم وليد المرح
في مساء ذلك اليوم، وبينما كانت الشمس تغرب مخلفة وراءها سماءً تتلون بألوان الشفق، جلست ليلى مع صديقتها سارة في المقهى الجديد. كان المكان يضج بالحياة، بأصوات الأحاديث المتداخلة، ورائحة القهوة الذكية، وعبق الحلويات المعروضة. سارة، بشعرها الكستنائي المنسدل وعينيها اللامعتين، كانت تتحدث بحماس عن يومها.
"يا ليلى، لم أصدق ما رأيت! المكان هذا ساحر، والقهوة هنا لها طعم آخر. طلبت منهم حلوى التيراميسو، تجنن! لا بد أن تجربيها." ابتسمت ليلى، وهي تتناول رشفة من قهوتها. كانت تستمتع بصحبة سارة، بصراحتها، وبساطتها. كانت سارة هي النافذة التي ترى من خلالها ليلى عالماً خالياً من التصنع والمظاهر. "تبدين سعيدة جداً اليوم يا سارة." قالت ليلى. "بالطبع! أحب هذه الأماكن الجديدة. أشعر وكأنني أستكشف عالماً آخر." ردت سارة. "ولكن، بصراحة، ما الذي يشغل بالك؟ تبدين شاردة الذهن منذ اللحظة التي جلست فيها."
تنهدت ليلى. كانت تفكر في حديث والدها. كلمات والدها عن "الحياة الحقيقية" و"القيمة الحقيقية" كانت تتردد في أذنها. "لا شيء مهم يا سارة. مجرد بعض الأفكار." "أفكار؟" رفعت سارة حاجبها. "ليلى، أعرفك جيداً. أنتِ تخفين شيئاً. هل الأمر يتعلق بما نشرته اليوم؟ لم أحصل على تفاعل جيد؟"
ابتسمت ليلى. كانت سارة تلمس وترها الحساس. "في الواقع، لا. التفاعل كان مقبولاً. لكن... بصراحة، بدأ هذا الأمر يشغلني كثيراً. أشعر وكأنني أعيش حياة ليست لي. أتصنع، وأتظاهر." تنهدت سارة، ونظرت إلى ليلى باهتمام. "ليلى، لقد تحدثنا في هذا الأمر من قبل. أنتِ رائعة كما أنتِ. لا تحتاجين للتظاهر. العالم الافتراضي هذا مليء بالمظاهر الخادعة. الناس يظهرون أفضل ما لديهم، وينسون أن يعيشوا حياتهم الحقيقية."
"ولكن كيف؟" سألت ليلى بحيرة. "كلما حاولت أن أكون طبيعية، أشعر وكأنني أفقد شيئاً. أشعر بأنني أقل من الآخرين." "هذا وهم يا ليلى! وهْم تصنعه هذه المنصات. أنتِ لديكِ حياة جميلة، لديكِ عائلة تحبك، لديكِ قيم. لماذا تريدين أن تستبدلي كل هذا بـ 'إعجابات'؟"
تلاشت الابتسامة عن وجه ليلى. كانت كلمات سارة تلامس عمق مشاعرها. "أعلم يا سارة. ولكن الأمر أصعب مما تتصورين. عندما أرى الآخرين، حياتهم تبدو أكثر إثارة، أكثر جمالاً. يبدو أنهم يعيشون حياة الأحلام." "أحلام؟" ضحكت سارة. "بل كوابيس ربما! هل ترين ما خلف الكواليس؟ هل ترين الساعات التي يقضونها في التخطيط، في التزييف؟ هل ترين الضغط النفسي الذي يتعرضون له؟"
"ربما." قالت ليلى بصوت خافت. "أنتِ لديكِ ميزة عظيمة يا ليلى، وهي أنكِ تعرفين حدودك. أنتِ لم تضعي نفسك في مواقف لا ترضينها، وهذا شيء يحمد لكِ. لكن دعيني أسألكِ سؤالاً صريحاً: هل أنتِ سعيدة حقاً بكل هذا؟ هل تشعرين بالرضا؟"
كان السؤال قاسياً، لكنه ضروري. نظرت ليلى إلى فنجان قهوتها، وأجابت بصراحة: "لا يا سارة. في أغلب الأوقات، لا أشعر بالسعادة. أشعر بالضغط، وبالقلق. وبالغربة عن نفسي."
"إذاً، لماذا تستمرين؟" سألت سارة بحزم. "لماذا لا تعيشين حياتكِ الحقيقية؟ لماذا لا تركزين على دراستكِ، على هواياتكِ التي تحبينها حقاً، على علاقاتكِ الحقيقية؟" "لا أعرف." قالت ليلى. "كأنني عالقة. كأنني أدمنت هذا الشعور، حتى وإن كان مؤلماً."
"الإدمان يا ليلى، أسهل ما فيه البداية. والأصعب هو التخلص منه." قالت سارة، ثم أمسكت بيد ليلى. "ولكن، هذا لا يعني أنه مستحيل. والخبر السار هو أنكِ لستِ وحدكِ. أنا معكِ. ونستطيع أن نساعد بعضنا البعض."
كانت كلمات سارة بمثابة شعلة أمل في قلب ليلى. شعرت بأنها ليست وحدها في صراعها. "ولكن كيف؟" سألت. "لنبدأ بخطوات صغيرة." قالت سارة. "مثلاً، هذا الأسبوع، لن ننشر أي شيء يتعلق بـ 'الشهرة الافتراضية'. لن ننشغل بالـ 'إعجابات' والمتابعين. سنركز على أنشطة أخرى. هل توافقين؟"
نظرت ليلى إلى سارة، ورأت في عينيها الصدق والإصرار. "أوافق." قالت ليلى بابتسامة حقيقية. "أوافق تماماً."
في هذه الأثناء، في منزل الحاج محمود، كان القلق يساوره. كان يعلم أن مجرد الاعتراف بالمشكلة ليس كافياً. كان يحتاج إلى خطة. خطة تخرجه من هذا المستنقع.
"يا أمينة،" قال الحاج محمود وهو يتأمل وجه زوجته الهادئ. "شعرت بشيء من الراحة عندما تحدثت معكِ. ولكنني أعرف أنني لم أبدأ بعد في الحل." "المهم أنك بدأت يا حاج. هذه هي الخطوة الأولى والأعظم." قالت أمينة. "والله سييسر لك." "ولكنني أشعر بأنني بحاجة لمساعدة خارجية. لا يمكنني فعل هذا وحدي."
فكر الحاج محمود. من يمكن أن يلجأ إليه؟ من هو الشخص الذي يمكن أن يفهمه، ويساعده دون أن يحكم عليه؟ "أتذكر يا أمينة، صديقي الشيخ إبراهيم. لقد مر ببعض المشاكل في حياته. كان يتحدث عن صعوبات واجهها، وكيف تغلب عليها." "الشيخ إبراهيم؟ نعم، نعم! رجل حكيم، وعطوف. رأيته في المسجد الأسبوع الماضي، بدا عليه الهدوء والسكينة." "سأتصل به غداً. أريد أن ألتقي به. أريد أن أطلب منه العون."
لم يكن الحاج محمود متأكداً من ردة فعل الشيخ إبراهيم، لكنه كان يشعر بضرورة ذلك. كان بحاجة إلى مرشد، إلى دليل. "أتمنى أن يوافق." قال الحاج محمود. "إن شاء الله يوافق يا حاج. قل خيراً."
عادت ليلى إلى المنزل متأخرة قليلاً. لم يكن والدها ووالدتها قد ناما بعد. كانا ينتظرانها في صالة الجلوس. "تأخرتِ يا ابنتي." قالت أمينة بنبرة حانية. "آسفة يا أمي. لقد أطلنا الحديث مع سارة." "وكيف كان لقاؤكِ؟" سأل الحاج محمود. "كان رائعاً يا أبي. لقد تحدثنا كثيراً."
نظرت ليلى إلى والدها، ورأت في عينيه شيئاً من الأمل. تذكرت حديثه عن "الحياة الحقيقية". "أبي،" قالت ليلى، "لقد فكرت فيما قلته اليوم. أعتقد أنني بدأت أفهم. وأظن أنني بحاجة لأن أكون صادقة أكثر مع نفسي، ومع حياتي." ابتسم الحاج محمود ابتسامة خفيفة. كان يشعر بأن الشرارة قد بدأت. "هذا ما أتمناه يا ابنتي. أن تكوني سعيدة، وأن تعيشي حياة راضية، مليئة بالبركة."
"من أجل ذلك،" قالت ليلى، وهي تنظر إلى والدها بجدية، "لقد اتفقت مع سارة هذا الأسبوع على أننا لن ننشغل بمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي. سنركز على أمور أخرى." فرح الحاج محمود بهذا الخبر. كان يعلم أن ابنته قد بدأت تتخذ خطوات إيجابية. "هذا خبر يسعدني جداً يا ابنتي. إنها بداية موفقة."
"ولكن يا أبي،" قالت ليلى، وعيناها تنظران إلى الأرض، "هناك شيء آخر... سمعت أنك تشعر ببعض الضيق. هل كل شيء على ما يرام؟" لم يكن الحاج محمود يتوقع هذا السؤال. لقد ظن أن ابنته لم تلحظ شيئاً. "أنا بخير يا ابنتي. مجرد بعض الهموم." "أتمنى أن تنتهي هذه الهموم قريباً." قالت ليلى بصدق. "إن شاء الله."
كانت لحظة مهمة. لم تكن ليلى تعلم مدى عمق مشكلة والدها، لكنها شعرت بقلقه. وفي نفس الوقت، كان الحاج محمود سعيداً لأن ابنته بدأت تنتبه لأهمية "الواقع" ولأهمية صدق المشاعر. "يا أمينة،" قال الحاج محمود وهو يمسك بيد زوجته بعد أن ذهبت ليلى إلى غرفتها، "أعتقد أن الأمور بدأت تتغير. قد يكون الألم شديداً، ولكنه مؤلم مفيد." "نعم يا حاج. الألم الذي يرشدنا إلى الطريق الصحيح، هو أفضل من الراحة الزائفة."
في تلك الليلة، نام الحاج محمود وقلبه أخف وزناً قليلاً. كان يعلم أن الطريق إلى الشفاء طويل، ومليء بالتحديات. لكنه كان يعلم أيضاً، أن لديه زوجة قوية، وابنة بدأت ترى النور. كان يشعر بشيء من الأمل، بأن الله سيمن عليه بالقوة للتغلب على إدمانه، وأن عائلته ستخرج أقوى من هذه المحنة.