حياة مرحة الجزء الثالث

زهرات المستقبل وقصص الماضي

بقلم وليد المرح

في صباح اليوم التالي، استيقظ الحاج محمود مبكراً. كانت الشمس قد بدأت ترسل أشعتها الدافئة، لكنه شعر ببرودة في روحه. كانت معركة إدمانه قد بدأت للتو، وكان يعلم أنها لن تكون سهلة. بعد صلاة الفجر، تناول كوب قهوته، ثم توجه إلى هاتفه ليحاول الاتصال بالشيخ إبراهيم.

بعد عدة محاولات، نجح في التواصل معه. كان صوت الشيخ إبراهيم هادئاً، مطمئناً. "أهلاً بك يا أخي الحاج محمود. كيف حالك؟" "الحمد لله يا شيخ. ولكنني بحاجة ماسة لرؤيتك. هل يمكنني زيارتك في مسجدكم بعد صلاة الظهر؟" "بالتأكيد يا أخي. أنت في ضيافتي. أردت أن أتواصل معك منذ فترة. أرى فيك أثراً لبعض الهموم." شعر الحاج محمود ببعض الراحة. بدا الشيخ إبراهيم وكأنه يدرك ما يجري دون أن يتحدث. "بارك الله فيك يا شيخ. أراك بعد الظهر بإذن الله."

في هذه الأثناء، كانت ليلى تستعد ليومها الدراسي. كانت تشعر بنشاط غريب، برغبة في البدء من جديد. بعد أن قررت مع سارة الابتعاد مؤقتاً عن "عالم المؤثرات"، بدأت تشعر بمسؤولية تجاه حياتها الحقيقية.

"يا ليلى، هل جهزتِ ملابسك؟" نادت أمينة من المطبخ. "نعم يا أمي! قادمة." نزلت ليلى إلى المطبخ، ورأت والدتها تعد الفطور. رائحة الخبز الطازج والجبن كانت تبعث على الدفء. "صباح الخير يا أمي." "صباح النور يا حبيبتي. كيف نمت؟" "نمّت جيداً ولله الحمد. وكأنني شعرت بخفة لم أشعر بها منذ زمن."

جلست ليلى لتتناول فطورها. بينما كانت تأكل، تذكرت حديث والدها عن الشيخ إبراهيم. "أمي، هل الشيخ إبراهيم هو نفس الرجل الذي كان يخطب الجمعة في مسجدنا قبل سنوات؟" "نعم يا ابنتي. هو نفسه. رجل تقي، وصاحب قلب رحيم. كان لديه ظروف صعبة في حياته، لكنه صبر واحتسب. كان قدوتنا في الصبر."

"أتمنى أن يلتقي أبي به قريباً." قالت ليلى. "أشعر بأن أبي يحتاج بشدة إلى دعم." "إن شاء الله يا ابنتي. قلوبنا معهم."

لم يكن الحاج محمود يعلم أن قصته ليست الوحيدة التي بدأت تتكشف في هذا المنزل. ففي غرفة أخته، أميرة، كانت هناك قصة أخرى تتشعب، قصة حب صامت، وأمل يكاد يذبل.

أميرة، الشابة الجميلة، الهادئة، كانت تعيش في ظلال عالمها الخاص. كانت تعمل كمصممة أزياء في دار أزياء مرموقة، وكانت موهوبة جداً. لكنها كانت تعاني من جرح قديم، من حب لم تكتمل قصته.

كانت أميرة قد أحبت شاباً منذ سنوات، شاباً صالحاً، خلوقاً، لكن ظروف الحياة كانت أقسى من أن تتحملها. عارض أهل الشاب الزواج، لأسباب تتعلق بـ "النسب" و"المكانة الاجتماعية". رفضت أميرة التخلي عن حبها، لكن عائلتها، وخوفاً من المشاكل، أجبرتها على نسيان الأمر.

منذ ذلك الحين، عاشت أميرة في عزلة عاطفية. رفضت كل من تقدم لخطبتها، وكانت تشعر بأن قلبها قد أغلق على ذكرى حبها القديم. في تلك الليلة، بينما كانت تتحدث مع أختها أمينة عبر الهاتف، شعرت بالأسى.

"لا أعرف يا أمينة،" قالت أميرة بصوت حزين، "أشعر وكأنني فقدت كل شيء. الحب، الأمل. أرى كل الناس يتزوجون، يبنون أسرهم، وأنا لا أزال هنا." "يا حبيبتي أميرة،" ردت أمينة بصوت دافئ، "لا تقنطي من رحمة الله. الأرزاق بيد الله، والزواج قسمة ونصيب. ربما لم يأتِ نصيبكِ بعد." "ولكنني لم أعد أؤمن بوجود نصيب." قالت أميرة بيأس. "لقد ضاع مني في الماضي."

"لا تقولي هذا يا أميرة. تذكري قصة أم موسى. الله يرد لكل ذي حق حقه. وما زلتِ شابة، وجمالكِ، وأخلاقكِ، وموهبتكِ، كلها صفات يبحث عنها كل رجل صالح." "ولكن كلما رأيتُ شخصاً يتقدم لي، أشعر وكأنني أرى شبح الماضي. أشعر بأنني لا أستطيع أن أحب أحداً غيره." "وهذا هو الخطأ يا أميرة. أنتِ تعيشين في الماضي. الماضي جميل، ولكنه مضى. المستقبل أمامكِ، والأمل يجب أن يظل. ربما هذا هو ما يشغل بالكِ بسبب هموم الحاج محمود."

"نعم، ربما. إنه أمر مؤسف حقاً." "دعنا نترك أمر الحاج محمود لله. وليكن كل تركيزكِ على نفسكِ. وركزي على عملكِ، فهو مصدر قوتكِ وموهبتكِ." "أحاول يا أمينة. ولكنه صعب."

في هذه الأثناء، كان الحاج محمود قد وصل إلى مسجد الشيخ إبراهيم. كان المسجد يقع في حي قديم، هادئ، تفوح منه رائحة البخور والهدوء. استقبله الشيخ إبراهيم بابتسامة رحبة. "أهلاً بك يا أبا أحمد. تفضل بالجلوس."

جلس الحاج محمود، وشعر بأنه قد وجد أخيراً من يستمع إليه. بدأ بسرد قصته، وكيف بدأ الأمر، وكيف تطور إلى إدمان. كان يتحدث بصدق، وبدون مواربة. استمع الشيخ إبراهيم بصبر، وكان يقلب سبحته بين أصابعه. لم يقاطعه، بل كان ينظر إليه باهتمام.

"يا أبا أحمد،" قال الشيخ إبراهيم بعد أن فرغ الحاج محمود من كلامه، "ما تمر به ليس غريباً. الكثير من الرجال، في هذه الأيام، يقعون في فخاخ مشابهة. الإدمان، بأشكاله المختلفة، هو محاولة للهروب من واقع مؤلم، أو من فراغ داخلي. ولكن هذا الهروب، في النهاية، يؤدي إلى سجن أشد."

"وكيف أتخلص منه يا شيخ؟" سأل الحاج محمود بيأس. "أولاً، بشكر الله على نعمة الوعي. لقد أدركت المشكلة، وهذا هو الطريق إلى الحل. ثانياً، بالاستعانة بالله، والتوكل عليه. ثالثاً، بالبحث عن أسباب الضعف، ومعالجتها. ورابعاً، بتغيير البيئة، وتجنب المثيرات."

"تغيير البيئة؟" تساءل الحاج محمود. "نعم. إذا كانت هذه اللعبة تسبب لك الإدمان، فعليك الابتعاد عنها تماماً. ليس مجرد تقليل، بل تركها كلياً. ثم، عليك أن تشغل وقتك بما هو مفيد. بالقراءة، بالرياضة، بالجلوس مع عائلتك، بالعمل التطوعي، بالذكر والدعاء." "ولكنني أشعر بأنني وحدي في هذا."

"لست وحدك يا أبا أحمد. أنا معك. وعائلتك معك. وزوجتك الصابرة معك. هل تعلم أن الله يقول: 'والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا'؟ المجاهدة هنا، هي بذل الجهد، والسعي، والإصرار. وبإصرارك هذا، سيفتح الله لك أبواباً لم تكن تتخيلها." "ولكنني أخشى أن أفقد ما فقدته من مال ووقت." "هذا المال يعوض، والوقت يعوض. أما ما لا يعوض، فهو صحتك، وسمعتك، ورضا الله عنك. ابدأ بخطوات صغيرة. كل يوم، حاول أن تقضي وقتاً أقل في اللعبة، ووقتًا أطول في شيء مفيد. قلل من استخدام هاتفك الذكي خارج الضرورة."

"وماذا عن ابنتي ليلى؟" سأل الحاج محمود، وقد تذكر حديثه معها. "أرى أنها هي الأخرى متأثرة ببعض الأمور." "هذا هو دور العائلة يا أبا أحمد. عندما يرى الأب والأم أنفسهم يسعون للإصلاح، فإن ذلك ينعكس على الأبناء. ابنتكِ تشعر بالضغط، وتحتاج لمن يرشدها إلى قيمة الحياة الحقيقية. تحدث معها، استمع إليها، شاركها اهتماماتها."

"نعم، لقد تحدثت معها بالأمس. وبدأت تشعر ببعض التغيير." "ممتاز! هذا يبشر بالخير. تذكر يا أبا أحمد، أن إصلاح النفس، هو بداية إصلاح الآخرين. كلما كنت أقوى، كلما كنت قادراً على مساعدة الآخرين."

شعر الحاج محمود بنور خافت في نهاية النفق. كلام الشيخ إبراهيم لم يكن مجرد نصائح، بل كان إيماناً بقدرته على التغيير. "شكراً لك يا شيخ. أشعر بأنني أحمل على عاتقي عبئاً ثقيلاً، ولكني الآن أرى كيف يمكنني رفعه." "الله هو الميسر والمسهل. استعن به، وسترى العجب."

في هذه الأثناء، كانت أميرة تعيش لحظة تأمل خاصة بها. كانت تتصفح مجلة أزياء قديمة، ورأت صورة لشاب يرتدي بذلة أنيقة، وكان وجهه يخفي الكثير من الشجن. تذكرت حينها، حبيبها القديم، وكيف كان ذلك الحبيب يرتدي نفس الأسلوب. "آه يا حسن..." تمتمت بصوت خافت.

فجأة، سمعت صوت طرق على باب غرفتها. "من بالباب؟" "أنا يا أميرة، أبوك." "تفضل أبي."

دخل الحاج محمود، وكان وجهه يبدو مرتاحاً بعض الشيء. "ماذا تفعلين يا أميرة؟" "أتأمل يا أبي. أرى كيف تتغير الأزياء، وكيف يبقى الأسلوب. ولكنني أشعر بأنني عالقة في الماضي." نظر الحاج محمود إلى ابنته، وشعر بحزن عميق. كان يرى فيها نفس الشعور الذي كان يعتمل في صدره. "يا أميرة،" قال الحاج محمود، وهو يجلس بجانبها، "الحياة لا تتوقف. والماضي، يجب أن يبقى في مكانه. علينا أن نعيش حاضرنا، وأن نبني مستقبلنا." "كيف يا أبي، وقد ضاع الحب؟" "الحب لا يضيع يا ابنتي. الحب الحقيقي، يولد من جديد، في قلوب جديدة، وبأسماء جديدة. وأنتِ، لديكِ كل ما يؤهلكِ لأن تكوني سعيدة. لديكِ جمال، لديكِ موهبة، لديكِ أخلاق." "ولكنني لا أستطيع أن أنسى." "لا بأس أن تتذكري، ولكن لا تدعي الذكرى تمنعكِ من العيش. ربما، حان الوقت لفتح قلبكِ من جديد. ربما، هناك شخص ينتظركِ، لم تقابلي بعد."

كانت هذه الكلمات، وإن كانت صادقة، إلا أنها لم تكن كافية لتهدئة روح أميرة المضطربة. لكن الحاج محمود، بعد حديثه مع الشيخ إبراهيم، كان يشعر بقوة أكبر. قوة دفعته لأن يحاول مساعدة من يحب.

"يا أميرة،" قال الحاج محمود، "هل تذكرين شاباً اسمه 'ياسر'؟ شاب يعمل في تجارة الأقمشة، سمعت أنه ذو خلق ودين." اتسعت عينا أميرة بدهشة. لم تسمع عن هذا الشاب من قبل. "ياسر؟ لا يا أبي، لا أعرف أحداً بهذا الاسم." "إنه شاب من معارفي. سمعت عن أخلاقه العالية، وعن دينه. ربما... ربما حان الوقت لنتحدث معه؟"

"معي؟" قالت أميرة، وشعرت برجفة غريبة تسري في جسد

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%