الصديق المضحك الجزء الثاني

ضحكةٌ في زمنٍ غابر

بقلم وليد المرح

كانت خيوطُ الشمسِ الذهبيةُ تنسجُ قِصصًا من الضياءِ على عتبةِ الزمنِ العتيق. في قلبِ سوقِ "الجوهرة"، حيثُ تتناغمُ روائحُ البهاراتِ مع همساتِ الباعةِ وعُطورِ الياسمين، وقفَ "بدر" كأنهُ تمثالٌ من الصبرِ والإلهام. لم يكن مجردَ بائعٍ متجولٍ يبيعُ ما جادتْ بهِ الأرضُ من خيرات، بل كانَ فنانًا ينسجُ الكلماتِ ليُبهرَ القلوبَ ويُضحكَ الوجوهَ التي أثقلتها همومُ الحياة. بابتسامةٍ واسعةٍ تُضيءُ وجهَهُ الأسمر، وعينينِ كأن فيهما سحرَ الصحراءِ وبريقَ النجوم، كانَ "بدر" أسطورةً في هذا السوقِ الصاخب.

"يا سادةُ يا كرام! هل رأيتمْ في حياتكمْ جزرًا يغني؟ أو طماطمَ تُغزلُ قصائدَ الحب؟" صاحَ بصوتٍ جهوريٍّ يخترقُ ضجيجَ السوق. رفعتْ بعضُ الرؤوسِ فضولًا، بينما ابتسمَ آخرونَ وهمْ يعرفونَ جيدًا طبيعةَ هذا الرجلِ الفريد. كانَ "بدر" يمتلكُ موهبةً فطريةً في تحويلِ أبسطِ الأشياءِ إلى لوحاتٍ فنيةٍ من الدعابةِ والرومانسية.

"لديكمْ هنا، يا أيها السادة، خيارٌ يوازي حكمةَ لقمان، وفاكهةٌ تُشبهُ قلبَ الحبيبِ في عذوبتِها. تعالوا، تعالوا! اشتروا رزقَ الله، ولكنْ لا تنسوا أن تبتسموا، فالابتسامةُ صدقةٌ، والضحكةُ علاجٌ لكلِّ داء."

وقفتْ "ليلى" على مقربةٍ من بساتينِ "بدر" الملونة، تُراقبُ المشهدَ ببهجةٍ خفية. كانتْ "ليلى" فتاةً رقيقةَ القلب، تتمتعُ بجمالٍ هادئٍ وعقلٍ راجح. تعملُ في متجرِ والدِها الصغيرِ للخياطةِ، وتُحبُّ أن تتجولَ في السوقِ بعدَ انتهاءِ عملِها، تستنشقُ عبقَ الحياةِ وتستمعُ إلى قصصِ الناس. لم تكنْ "ليلى" من النوعِ الذي يلفتُ الأنظارَ بصخب، بل كانتْ كالنجمةِ البعيدةِ تضيءُ بضوءٍ ناعمٍ ومُطمئن.

كانتْ عيناها تتبعُ حركةَ "بدر" وهو يُقدمُ بضاعتهُ بكلِّ حيوية، تبتسمُ لكلِّ نكتةٍ يطلقها، وتُعجبُ بذكائهِ وسرعةِ بديهته. كانتْ تسمعُ الهمساتِ حولهُ، كيفَ أنهُ لم يبعْ يومًا بضاعةً فاسدة، وكيفَ أنهُ دائمًا ما يُساعدُ المحتاجينَ دونَ أن يُروا. كانَ "بدر" بالنسبةِ للكثيرينَ رمزًا للطيبةِ والأمل.

فجأةً، انقطعَ حبلُ أفكارِ "ليلى" بصوتٍ عالٍ قريب. "يا هذا، ألا تملكُ عينينِ ترى بهما؟ لقد كدتَ أن تُطيحَ بكلِّ بضاعتي!"

التفتتْ "ليلى" لتجدَ رجلًا ضخمَ الجثة، يرتدي ملابسَ فاخرة، وجههُ مُقطبٌ يعلوهُ غضبٌ شديد. كانَ يسيرُ دونَ أن يرى ما حولهُ، وكأنهُ في عالمٍ آخر، وقد اصطدمَ بـ"بدر" الذي كانَ يُرتبُ بعضَ صناديقِ الخضروات.

وقفَ "بدر" بهدوء، يمسحُ بعضَ الحباتِ التي سقطتْ أرضًا. "عفوًا يا سيدي، يبدو أنَّني لم أرك. ولكنْ، ألا ترى أنَّ حباتِ الطماطمِ هذهِ كانتْ تتراقصُ فرحًا بلقائك؟ ربما شعرتْ بوجودِ بطلٍ أسطوريٍّ في هذا السوق!"

انفجرَ الرجلُ غضبًا. "أنا لستُ بطلاً أسطوريًا، أنا رجلٌ مشغولٌ بوقتٍ لا يكفي. ولستُ أحتملُ هذهِ السخافات. من أنتَ لتتحدثَ بهذهِ الطريقة؟"

مرَّتْ "ليلى" بقلبٍ يخفقُ بقوة. لم يُعجبها ما حدث. رغمَ أنَّ "بدر" كانَ دائمًا ما يُدافعُ عن نفسهِ بابتسامة، إلا أنَّ هذا الرجلَ كانَ يبدو قاسيًا.

تنهدَ "بدر" بابتسامةٍ باهتة، ثم قالَ بصوتٍ هادئ: "أنا بدر، بائعُ خضرواتٍ وفواكه، وأحيانًا بائعُ ضحكاتٍ وأمل. أما أنتَ، فسأدعُ الأيامَ تكشفُ عن هويتكَ الحقيقية."

ابتسمَ الرجلُ بسخرية. "بدر؟ اسمٌ بسيطٌ لرجلٍ بسيط. ولكنْ، لتعرفَ، أنا "سليم العبدلي"، رجلٌ لا يُستهانُ به."

قالَ "بدر" بابتسامةٍ أوسع: "يا أهلاً وسهلاً، يا سيدي "سليم العبدلي". لم أكنْ أعرفُ أنَّ هذا السوقَ يستضيفُ عمالقةَ الأعمال. ولكنْ، تفضلْ، خذْ من هذهِ الطماطمِ التي أحببتْ لقاءكَ. مجانًا، على حسابِ بائعِ الضحكات."

نظرَ "سليم" إلى "بدر" باستغرابٍ ممزوجٍ بغضب. لم يفهمْ كيفَ استطاعَ هذا الرجلُ أن يُحولَ موقفًا كهذا إلى هدية. هزَّ رأسَهُ بامتعاضٍ ومشى مبتعدًا، تاركًا وراءهُ "بدر" بابتسامتهِ المعهودة.

شعرتْ "ليلى" بارتياحٍ لانتهاءِ المواجهة. ولكنَّ شيئًا ما في عيني "بدر" جعلها تتوقفُ وتُفكر. كانَ هناكَ بريقٌ من التحدي، وربما شيءٌ أعمق، شيءٌ لا تستطيعُ تحديده.

عندما بدأتْ "ليلى" بالابتعاد، سمعتْ صوتَ "بدر" يناديها: "يا آنسة! يا صاحبةَ الابتسامةِ الخجولة!"

التفتتْ "ليلى" بدهشة. لم تكنْ تتوقعُ أبدًا أن يُخاطبها. "نعم؟" قالتْ بصوتٍ خافت.

اقتربَ "بدر" منها، وكانَ يحملُ في يدِهِ تفاحةً حمراءَ لامعة. "هذهِ لكِ. تفاحةُ الصباحِ تُذهبُ الغمَ، وتُضيءُ القلب. وقد رأيتُ كيفَ أنَّكِ كنتِ تُراقبينَ بصمتٍ وكأنكِ تُزينينَ هذا السوقَ بوجودكِ."

مدَّ يدهُ إليها. ترددتْ "ليلى" قليلًا، ثم أخذتْ التفاحةَ من يدهِ. كانَ لقاءُ يديهما لحظةً قصيرةً لكنها حملتْ شيئًا من الدفءِ والكهرباء.

"شكرًا لكَ، سيد بدر." قالتْ وهي تنظرُ إلى الأرض.

"شكرًا لكِ أنتِ، يا صاحبةَ الروحِ النقية. اسمي بدر، وليسَ "سيد بدر"." قالَ بابتسامةٍ أضاءتْ وجهَهُ. "ولكنْ، هل أنتِ من روادِ هذا السوقِ دائمًا؟ لم أرَ وجهكِ من قبل."

"أنا أعملُ في متجرِ والدي للخياطة. وأحبُّ أن أتجوّلَ قليلًا بعدَ انتهاءِ العمل." أجابتْ "ليلى" وهي تشعرُ بحرارةٍ تصعدُ إلى خديها.

"الخياطة؟ يا لَلإبداع! أنتِ تنسجينَ القماشَ، وأنا أنسجُ الكلمات. ربما نلتقي مرةً أخرى، لنتشاركُ أسرارَ حرفتِنا." قالَ "بدر" بعينينِ تلمعان. "ولكنْ، الآن، يجبُ أن أعودَ لأُقنعَ بعضَ البطيخِ أنَّهُ ليسَ مجردَ فاكهة، بل هوَ سماءٌ زرقاءٌ مُخبأةٌ في قشرةٍ خضراء."

ضحكتْ "ليلى" ابتسامةً صادقةً هذهِ المرة. "إلى اللقاءِ يا بدر."

"إلى اللقاءِ يا...؟" سألها بنبرةٍ تشوّق.

"ليلى." قالتْ بسرعةٍ ثم اسرعتْ في مشيها، وقلبها يخفقُ بفرحٍ جديد.

كانتْ تلكَ اللحظةُ بدايةَ شيءٍ لم يكنْ "بدر" يتوقعه. فقد وجدَ في ابتسامةِ "ليلى" الخجولةِ بريقًا يُشبهُ بريقَ الأملِ الذي كانَ يزرعُهُ في قلوبِ الآخرين. أما "ليلى"، فقد شعرتْ بأنَّ هذا الرجلَ الذي يُحولهُ السوقُ إلى مسرحٍ صغيرٍ قد نثرَ في روحها بذورَ ضحكةٍ جديدة، ضحكةٍ لم تكنْ تعرفُ أنها افتقدتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%